الرئيسية / دراسات / بناء .. مجتمع المواطنة
pizap.com14138843815021

بناء .. مجتمع المواطنة

يقوم الفكر السياسي الغربي على أساس تحقيق التوازن بين السلطة واكراهاتها والحرية وانزلاقاتها؛ بحيث يؤطر هذا الصراع عبر ميكانيزمات متعددة في إطار قانوني يسعى إلى تحقيق هذه المعادلة السياسية الصعبة.
إن هذا التوجه نجده حاضرا بقوة في الفكر الدستوري – السياسي الغربي بشكل يجعل من المواطن أساس أي فعل تعاقدي؛ فكل مقومات السلطة الديمقراطية تنطلق من الفرد لتعود إليه.
تحيلنا هذه التوطئة إلى البحث في موضوع موضوع المواطنة؛ فماذا نعني بها؟ وما هي أسسها ؟ وهل هناك نمط واحد وموحد لبناء مجتمع المواطنة؟
إن هذه الأسئلة المركزية تقودنا اتباعا إلى تخصيص المحور الأول للبحث في مفهوم المواطنة فيما سنتحدث في المحور الثاني عن دوافع بروز المواطنة على أساس أن نخصص المحور الثالث لتسليط الأضواء على أسس مجتمع المواطنة أما المحور الرابع فسنفرده للحديث عن إحياء المواطنة في زمن العولمة .

المحور الأول: مفهوم المواطنة
يعتبر مفهوم أو مبدأ المواطنة من المفاهيم الأساسية التي أثرت بشكل كبير في الفكر الليبرالي منذ تبلوره في القرن السابع عشر باعتبارها نسقا متكاملا للأفكار والقيم ليتم إعمال هذا المفهوم في المجالين الاقتصادي والسياسي ؛ بحيث سيتمخض عنه آثار إيجابية بدت واضحة على المستويين الاجتماعي والسياسي الغربي؛ بل إن هذا المفهوم سيصبح بمثابة مفهوم مفتاح يتعذر فهم الليبرالية وجوهرها دون الإحاطة بأبعاده المختلفة وتطوراته الحادثة المستجدة، حيث يستبطن بداخله تصورات الفرد،الجماعة، الرابطة السياسية، وظيفة الدولة والقيم الإنسانية.
وبقدر ما أصبح هذا المفهوم مفهوما حيا ومتحركا في إطار سيرورة تاريخية مستمرة بقدر ما أثار صعوبة واضحة في إيجاد تعريف مانع وجامع .
فما نعني بالمواطنة؟ وما هي أبرز أسسها؟ وكيف تبلورت كنسق اجتماعي وسياسي بالعالم الغربي؟
برزت الارهاصات الأولية لمفهوم المواطنة مع بروز دولة المدينة اليونانية؛ حيث يشارك المواطن في وضع قواعد المدينة الأمر الذي يترتب عنه أولويات؛ فالحقوق والواجبات تمنحه حق المواطنة ؛ بيد أن هذا الشكل من المواطنة اقتصر على فئات اجتماعية دون غيرها إلا أنه تضمن إقرار حق المشاركة السياسية الفعالة لمن يتمتع بها وصولا إلى تداول السلطة وتولي المناصب العامة؛ فقد ذهب أرسطو إلى أن الصلاحية لتولي وظائف المحلفين هي المعيار المميز لصفة المواطن ليأخذ هذا المفهوم بعدا قانونيا في الفكر السياسي الروماني .
أما رموز عصر التنوير أمثال هوبز، ولوك، وروسو، ومونتسكيو… إلخ فقد طرحوا تصورا آخر يقوم على العقد الاجتماعي ما بين المواطنين والحكم، وعلى آلية ديمقراطية تحكم العلاقة بين أطراف المجتمع وبين المواطنين أنفسهم بالاستناد إلى القانون ليتحول المواطن إلى ذات حقوقية وكينونة مستقلة، بعد أن كانت القبيلة أو العشيرة هي الإطار الذي ترتبط علاقاته بالآخرين بناءً على موازين القوى.
ومع ظهور قوانين حقوق الإنسان كوثيقة حقوق الإنسان الفرنسية ، وانتشار تلك المواثيق على المستوى الكوني خاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في سمة 1948، وكذلك العهدين الحقوقيين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكذلك السياسي والمدني، الصادرين عن الأمم المتحدة سنة1966 أصبحت هناك قيم ومفاهيم ومعانٍ جديدة تستند إلى منطق المواطنة، وعدم التمييز والمساواة في كل التعاملات المجتمعية في نفس الدولة أو على الصعيد العالمي؛ فهناك حقوق للبشر أينما تواجدوا تنظمها تلك المواثيق وتستند إلى التعامل بالتساوي مع أبناء البشر بغض النظر عن الدين، العرق، اللغة، الجنس، أو الأصل الاجتماعي…. إلخ.
إن هذا التوجه نجده حاضرا في الكثير من دساتير البلدان الوطنية حينما أشارت على أن الجميع سواء أمام القانون؛ ليصبح هذا الأخير هو الناظم المركزي للعلاقة ما بين المواطنين المتساوين الأحرار؛ بيد أن هذا المفهوم سيشهد تحولا نوعيا مع بروز النهج الليبرالي المتمركز حول فكرة الحرية الفردية والعقلانية وتقوية مركز الفرد لتعرف المواطنة تطورا ديناميكيا تزامن مع تطور مسيرة النهج الليبرالي المرتكز حول خيارات الفرد المطلقة واعتباره مرجعا أساسيا للخيارات الحياتية والسياسية سواء تعلق الأمر بمجالات المجتمع المدني أو المجال العام.
أما اليوم فإن هذا المفهوم عرف تغييرات جوهرية في مضمونه واستخدامه، فلم يعد فقط يجسد العلاقة بين الفرد والدولة في شقها السياسي و القانوني، بل أمسى الاهتمام بمفهوم “المواطنة” يطغى على كل مناحي الحياة المجتمعية محتلا بشكل تدريجي مفهوم “الدولة” مع نهاية الثمانينيات.

فما الذي استجد في هذه المرحلة التاريخية؟
الواقع أن هناك جملة من التحولات الكبرى المتداخلة مرت بها التغييرات السياسية التي أرست لمبادئ المواطنة : أولها بروز الدولة القومية وثانيها تنامي المشاركة السياسية وتداول السلطة وثالثها إرساء حكم القانون وإقامة دولة المؤسسات
وبالرجوع إلى تعريف ماهية المواطنة والتي تعرفها دائرة المعارف البريطانية بكونها تلك العلاقة التي تنشأ بين الفرد والدولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق؛ فيما تشير موسوعة الكتاب الدولي على أن المواطنة تعني العضوية الكاملة في دولة .
وإذا كان برهان غليون في كتابه” نقد السياسة، الدين والدولة” يرى أن فكرة المواطنة تأتي كتحالف وتضامن بين أناس أحرار، فإن وليم سليمان قلادة يؤكد على ضرورة وجود أساسين للمواطنة هما : المشاركة في الحكم من جانب ، والمساواة بين جميع المواطنين من جانب آخر.

المحور الثاني: دوافع بروز المواطنة
يرجع بروز مفهوم المواطنة إلى عدة عوامل، أبرزها الأزمة التي تعرضت لها فكرة الدولة الوطنية والتي شكلت ركيزة الفكر الليبرالي لفترة طويلة؛ وذلك نتيجة عدة تحولات شهدها نهاية القرن العشرين:

أولها: تزايد المشكلات العرقية والدينية في أقطار كثيرة من العالم، وتفجر العنف والإبادة الدموية، ليس فقط في بلدان لم تنتشر فيها عقيدة الحداثة كبلدان العالم الثالث بل أيضاً في قلب العالم الغربي.

ثانيها: بروز فكرة “العولمة” التي تبلورت على أساس التوسع الرأسمالي العابر للحدود وثورة الاتصالات والتكنولوجيا ، والحاجة لمراجعة المفهوم الذي قام على تصور الحدود الإقليمية للوطن والجماعة السياسية وسيادة الدولة القومية، وكلها مستويات شهدت تحولاً نوعياً .
وعلى صعيد آخر فإن نمو الاتجاهات الأصولية المسيحية واليمينية المتطرفة في البلدان التي شكلت مهد التجربة الليبرالية قد أدى إلى التفكير في مراجعة مفهوم المواطنة والتأكيد على محوريته لمواجهة هذه الأفكار وآثارها على الواقعين السياسي والاجتماعي الغربي المعقد مع وجود أقليات عرقية ودينية منها العرب والمسلمون
ثالثها : وصول الفردية كفكرة إلى منعطف خطير في الواقع الليبرالي، بعد أن أدى التطرف في ممارستها واهتمام الأفراد بدواتهم إلى تهديد التضامن الاجتماعي الذي يمثل قاعدة أي مجتمع سياسي وتراجع الاهتمام بالشأن العام لصالح الشأن الخاص، وتنامي ما يسميه البعض “موت السياسة “.

المحور الثالث:أسس ومرتكزات مجتمع المواطنة
يتوقف بناء مجتمع المواطنة على جملة من الأسس والمرتكزات المركزية يشكل دمقرطة النظام السياسي أولها وتفعيل المجتمع المدني يبلور تربية سليمة للمواطنة ثانيها وخلق تنمية مستدامة ثالثها وتضمين وسائل الاعلام لأسس المواطنة السمحة رابعها.

أولا:المواطنة كدعامة أساسية للنظام السياسي الديمقراطي
يحصر فيليب برو المواطنة في القدرة على ممارسة الحقوق المرتبطة بمشاركة سياسية في إطار نمط ديمقراطي” ذلك أن الديمقراطية تتحدد من خلال مشاركة المواطنين في تدبير شؤون مجتمعهم
والواقع أن الحديث عن مجتمع المواطنة لا يمكنه أن يتم إلا في ظل نظام ديمقراطي يحقق التعددية الحزبية والتعددية السياسية مثلما يقر صراحة وفعليا بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا.
وهو الأمر الذي ترجمه روبرت دال في كتابه” الديمقراطية” حينما نعثها ب”الديمقراطية المتضامنة” المتضمنة لحقوق التصويت في إطار انتخابات حرة وعادلة أو الترشيح لوظيفة تشغل بالانتخاب وحرية التعبير وحرية تكوين والمشاركة في منظمات سياسية مستقلة وحق الوصول إلى مصادر مستقلة للمعلومات وحقوق الحريات الأخرى والفرص التي قد تكون لازمة للعمل الفعال للمؤسسات السياسية في الديمقراطية كبيرة الحجم”
إن توفر هذه الشروط ليس ترفا فكريا بل ضرورة إستراتيجية يتطلبها مجتمع المواطنة؛ فإذا كانت الديمقراطية تعني في أبسط معانيها حكم الشعب للشعب بواسطة الشعب ؛ فإن المواطنة تعني تمكين أفراد هذا الشعب من حقوقهم والاستبطان في نفوسهم أهمية الإدراك بواجباتهم تجاه مجتمعهم بشكل يجعل من العلاقة بين مفهومي الديمقراطية والمواطنة علاقة جدلية يصعب معها تصور إحداهما في غياب الأخرى.
إن المواطنة كمرجعية دستورية وسياسية لا تلغي عملية التدافع والتنافس في الفضائين الاجتماعي والسياسي، بل تضبطها بضوابط الإحساس العارم اتجاه الوطن ووحدته القائمة على احترام التنوع وليس على نفيه، والساعية بوسائل قانونية وسلمية للاستفادة من هذا التنوع بغية تمتين قاعدة الوحدة الوطنية، بحيث يشعر الجميع بأن مستقبلهم مرهون بها، فهي لا تشكل نفيا لخصوصياتهم، وإنما مجالا حيويا للتعبير عنها بوسائل منسجمة .
إن مجتمع المواطنة هو تلك الدولة المدنية التي تجسد إرادة المواطنين جميعا، بحيث لا تميز بين المواطنين لدواعي ومبررات غير قانونية ولا إنسانية؛ فهي دولة جامعة وحاضنة لكل المواطنين فتدافع عنهم، وتعمل على توفير ضرورات معيشتهم وحياتهم.
ولا يتحقق هذا المسعى إلا بوجود مشاركة سياسية فاعلة وفعالة؛ بيد أن المواطنة لا تعني فقط مشاركة المواطن في صنع القرار السياسي بل ضمان الحق له في هذه المشاركة وعدم تنازله عن هذا الحق للآخرين.
وعلى الصعيد الواقعي لا يمكن لمفهوم المواطنة أن يكتمل إلا بنشوء الدولة الإنسانية؛ تلك الدولة التي تمارس الحياد الايجابي تجاه قناعات ومعتقدات وايدلوجيات مواطنيها؛ بحيث لا تحشر نفسها في قلب هذا الخضم بقدر ما تتحول إلى صمام أمان يؤطر ويضمن لمواطنيها جميع حقوقهم؛ فلا تمارس الإقصاء أو التهميش أو التمييز تجاه مواطن بسبب معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية؛ كما أنها لا تمنح الحظوة لمواطن بفضل معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية؛ فهي بوثقة جامعة لكل المواطنين ومن تم تصبح ممثلة لمجموع إرادات المواطنين؛ كما لا يمكن الحديث عن مجتمع المواطنة إلا إذا كان هناك إقرارا فعليا بمبادئ وأسس المواطنة الحقة حتى يتسق الفكر مع العمل؛ وتكفي الاشارة إلى بعد الهوة بين تقرير حقوق المواطنة للمواطنين السود في الولايات المتحدة الأمريكية ومن تمتعهم الفعلي بهذه الحقوق
ويتطلب بلورة مجتمع المواطنة الإيمان الفعلي بمبادئها ؛ فالدولة المدنية التي تحترم مواطنيها وتصون كرامتهم ، وتمنحه حرياته الأساسية هي التي تبلور بشكل عملي مفهوم المواطنة، وتخرجه من إطاره النظري المجرد إلى حقيقة سياسية ومجتمعية راسخة وثابتة.
وفي المقابل نجد دولة الإكراه والاستبداد تجهض مفهوم المواطنة وتخرجه من مضامينه السياسية المتجهة صوب الموازنة الفذة بين ضرورات النظام والسلطة ومتطلبات الكرامة والديمقراطية؛ فتبقى كل الشعارات التي تحملها بعض الأنظمة السياسية مندرجة في دائرة الاستهلاك الإعلامي والسياسي ما لم تتوافق في تحقيق هذا الهدف .
إن هذا التوجه يفضي بنا إلى الافصاح على أن مفهوم المواطنة لا ينجز في ظل أنظمة شمولية- استبدادية، لأن هذه الأنظمة ببنيتها الضيقة تحول مؤسسة الدولة إلى مزرعة خاصة لطبقة مستفيدة في مقابل سجن كبير للطبقة المحرومة ؛ فتقدم باليد اليمنى الامتيازات والمكافآت وتضرب باليد اليسرى على الطبقات المستضعفة لتمارس عليها الاقصاء والتهميش.
إن عدم تحقيق تلك الأسس القائمة على الفصل بين السلطات، فاستمرارية سيطرة السلطة التنفيذية على السلطتين القضائية والتشريعية؛ وعدم اتخاذ إجراءات من المحاسبة والمساءلة لمهدري المال العام نتيجة سوء الأداء الإداري والمالي تفضي إلى فقدان ثقة المواطن بمرتكزات السلطة التي لم ترتق إلى طموحات هذا المواطن عبر تعزيز أسس الحكم الديمقراطي السليم المستند إلى القوانين والتشريعات وعليه، فقد سادت مفاهيم العشائرية والقبلية ومنطق أخذ القانون باليد، في ظل تبهيت القضاء المدني وعدم إعطاء نماذج في المحاسبة، بغض النظر عن موقع الشخص المخالف أو مكانته؛ كما عمدت الفعاليات السياسية إلى تقوية نفسها لحماية أعضائها، وأصبحت الحقوق تنفذ عن طريق الواسطة ومدى القرب من صناع القرار؛ وغابت مفاهيم الشفافية، والمساءلة والمحاسبة، ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب؛ وحلت محلها العلاقات الذاتية ومنطق الواسطة.
ولا سبيل لتجاوز هذا الاشكال سوى تغذية روح المواطنة المسؤولة؛ بحيث يجب أن تخضع أعمال الحكومة لإطلاع الشعب ومحاسبته ” ولا يتم ذلك إلا ببلورة حكومة مسؤولة ومتضامنة؛ كما أنه لإعمال مجتمع المواطنة ينبغي على الحكومة أن تعمل على نهج استراتيجية تشاركية فعلية مع فعاليات المجتمع المدني فليس هناك من خطر على المجتمع سوى أن يظل أفراده في موقف المتفرج أو على الأقل في حالة انتظارية قاتلة ذلك أن المشاركة اليوم تتجاوز المجال العمومي إلى المجال السوسيو عمومي: الجمعيات؛ المقاولات والجامعات ؛ كما أن مجتمع المواطنة لا تتوقف فقط على القواعد والإجراءات التي يتبناها ويكفلها المجتمع بل أيضا على طريقة استخدام المواطنين للفرص؛ وهو الأمر الذي أشار إليه رئيس الفيليبين السابق فيديل فالديز راموس حينما طرح المسألة بوضوح شديد في نوفمبر عام 1998 في خطاب له بالجامعة الوطنية الاستراليةمشيرا في هذا الصدد:” في ظل نظام الحكم الديمقراطي لا يكون الناس في حاجة على أن يفكروا ولا بحاجة إلى أن يختاروا ولا بحاجة إلى إعمال العقل أو أن يبدوا موافقتهم كل مطلوب منهم هو أن يتبعوا وهذا هو الدرس القاسي الذي تعلمناه من الخبرة السياسية الفيليبينية منذ فترة غير بعيدة.
وبقدر ما ينبغي أن يوفر المجتمع السياسي للمواطن حقوقه ومجال ممارسة مواطنته بقدر ما ينبغي أن يصبح المواطن فاضلا ؛ ذلك أن المواطن الواضح و المسؤول هو ذلك المواطن الجيد الذي يمارس حقوقه ويقوم بواجباته ويحقق النظام الأخلاقي في مجتمعه.

ثانيا : المجتمع المدني كأساس للمواطنة الحقة
ثمة علاقة جدلية بين بلورة مجتمع المواطنة وتفعيل المجتمع المدني الأمر الذي يدفعنا إلى البحث حول ماهية المجتمع المدني
فماذا نعني بالمجتمع المدني؟ وكيف تساهم أسس المواطنة الحقة في بلورة مجتمع مدني فاعل وفعال؟
يعد مفهوم المجتمع المدني من المفاهيم الحديثة النشأة في الثقافة السياسية؛ وقد ارتبط تاريخ هذا المفهوم بتاريخ الحداثة الغربية خصوصا في مجالات السياسة؛ الثقافة والاجتماع ليعكس من خلال توظيفه انتقالا نوعيا من التاريخ الوسيط إلى التاريخ الحديث
فكيف يتم إعمال المواطنة في المجتمع المدني ؟
يجيب ما يكل جويس على هذا السؤال بكون ممارسة المواطنة كنشاط داخل المجتمع المدني لا تتم بشكل عرضي ، أو مرحلي كما هو الحال بالنسبة للانتخابات، بل بشكل منتظم ومتواصل، بطرق صغيرة لا تعد، فهي جزء من نسيج حياتنا اليومية، لا نكاد ننتبه إليها في أغلب الأحيان، ففي كل مرة نحضر فيها قداسا دينيا أو نذهب لاجتماع أولياء أمور الطلبة، أو نساعد في عمل خيري، أو ننجز عملا أو مهمة بشكل جيد وبإخلاص نكون عندها مواطنين محترمين ,
يقوم مجتمع المواطنة الحقة على التربية السليمة للقيم والأخلاق بدءا من الأسرة مرورا بالمسيد وصولا إلى المدرسة والجامعة دون أن ننسى الدور الطلائعي الذي يلعبه باقي فرقاء المجتمع المدني من صحافة وجمعيات المجتمع المدني…فمن بين الأهداف التي خلقت من أجلها المؤسسات التربوية والاجتماعية هو إشاعة وعي اجتماعي ثقافي سياسي وهذا الأمر موكول إلى التنظيمات السياسية والاجتماعية والحقوقية على مختلف مشاربها
إن هؤلاء الفرقاء هم عادة من ينتجون قيم المجتمع؛ فيؤسسون لثقافة التسامح والاختلاف؛ مثلما يغرسون في الفرد الايمان الفعلي بالمواطنة الحقة ؛ فمؤسسات المجتمع المدني، تأخذ على عاتقها استيعاب طاقات المجتمع وتبلور كفاءاته وقدراته، وتساهم في معالجة المشكلات التي يمر منها المجتمع.
بيد أنه لا يكفي خلق عدد كبير من جمعيات المجتمع المدني بقدر ما ينبغي الحرص على أن تساهم هذه الجمعيات في تعميق وبلورة فعلية لمفهوم المواطنة
إن الواجب يستلزم من الأفراد الدفاع عن وطنهم الخاص؛ وهنا تكمن قاعدة السلوك المنظمة لنشاط الأفراد الأخلاقية بحيث تحضر الواجبات والقوانين التي يعرفها كل الأفراد فإذا أردنا القيام بفعل ما ، لا يجب أن ينحصر فعلنا في إرادة الخير فقط، بل لابد أيضا من معرفة طبيعة ذلك الخير…
و يشير إميل دوركايم على أن السلطة الأخلاقية لا تكمن في أي ظاهرة خارجية موضوعية تنتظمها منطقيا وتنتجها بالضرورة، وإنما تنحصر كلها في فكرة الناس عن هذه الظاهرة، إنها مسألة رأي عام، والرأي العام ظاهرة جمعية، فهو ليس إلا شعور المجموع ؛ وفضلا عن ذلك ، من السهل أن ندرك لماذا ترجع كل سلطة إلى أصل اجتماعي؛ فالسلطة هي صفة إنسان يسمو عن طبيعة الناس،أي أنه إنسان أعلى.
على أن أذكى الناس وأقواهم وأكثرهم استقامة يظل مع ذلك إنسانا، فليس بينه وبين أقرانه إلا فرق الدرجة والمجتمع وحده هو الذي يعلو على الأفراد ، فمنه تصدر كل سلطة وهو الذي يضفي على أناس معينين تلك الصفة الفريدة وذلك النفوذ الذي يعلو بأصحابه عن أنفسهم؛ وهكذا يصبح كل إنسان منهم أعلى لأنه يشارك بهذا النوع من العلو والسمو الذي يتصف به المجتمع بالقياس أفراده.

ثالثا: بلورة تنمية مستدامة فاعلة وفعالة
هنا أيضا تكمن علاقة جدلية بين مفهوم المواطنة والأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة. ذلك أن الكثير من مضامين المواطنة على الصعيدين الذاتي والموضوعي بحاجة إلى فضاء مجتمعي قوي ومتجدد، يأخذ على عاتقه تحريك الساحة بقواها ومكوناتها المتعددة .

رابعا: الإعلام المواطن
يشير تيمونز روبيرتيس ايمي هايت في كتابهما من “الحداثة إلى العولمة” على أن ارتفاع المشاركة الإعلامية يعمل على رفع المشاركة في كل قطاعات النظام الاجتماعي، فتسريعها لانتشار التقمص الوجداني ينشر أيضا المطالب الحديثة التي تستجيب لها مؤسسات المشاركة في اقتصاد المستهلك عبر الدفع النقدي والائتمان وفي المناقشة العامة عبر الرأي وفي الحكومة التمثيلية عبر التصويت تظهر المشاركة الإعلامية ّ”

خامسا : المواطنة والتسامح أية علاقة؟ .
رغم أن المواطنة جاءت كنتاج لتحولات اجتماعية واقتصادية في إطار سعي دؤوب لتفكيك البنى القبلية والعشائرية وسيادة المواطن كوحدة اقتصادية وحقوقية مستقلة، إلا أن ذلك النتاج تعزز من خلال منطق سيادة القانون وأجهزة حفظ الأمن الذاتي والأمن العام في الوطن؛ وبالتالي لم ينبر أحد للتفكير بأدوات للحماية الذاتية، بل انبرى الجميع للتفكير بالانخراط في خلق آليات تعبر عن مصلحة جمعية عن طريق الانضواء في حزب سياسي أو نقابة مهنية أو منظمة أهلية، يمارس بها المواطن دوره وفاعليته ونشاطه ومشاركته في الحياة الاجتماعية الوطنية العامة على قدم المساواة مع الآخرين، وما يميزه هو فاعلية دوره في تقدم المجتمع وليس أصله العرقي، أو الاجتماعي، أو الطبقي، أو جنسه أياً كان ذكراً أم أنثى.
وعليه فقد أصبحت المواطنة بمثابة آلية فعلية للحد من الصراعات الإثنية، والعرقية، والاجتماعية، على قاعدة مبدأي عدم التمييز والمساواة، فأصبح من غير الغريب أن تجد مجتمعاً متعدد الأعراق والأصول كفئة موحدة وفق منظومة من البنى القانونية، والمفاهيم الاجتماعية والقيمية التي تشترط عدم التمييز والمساواة في الحقوق والواجبات؛ وقد أدى هذا إلى إنهاء مفهوم العنصرية الذي أصبح مفهوماً مثيراً للاشمئزاز للإنسان، وتعزز ذلك عبر كفاح الشعوب ضد أنظمة الاستعمار من أجل إزالة نظام التمييز العنصري كما حصل في كفاح شعب جنوب إفريقيا، وكذلك عبر حركة الحقوق المدنية والتي عبر عنها مارتن لوثر كنج في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أفضى إلى إلغاء كل القوانين العنصرية بحق السود الذين كان يتم التعامل معهم بوصفهم كائنات إنسانية من الدرجة الثانية أو الثالثة؛ كما تم إلغاء العديد من القوانين والإجراءات التمييزية بحق النساء، فأصبحنا نجد الكثير من النساء يتبوأن مراكز قيادية في الأحزاب و النقابات أو أعضاء برلمان، أو حتى رئيسات دول؛ واستطاعت الحركة النسوية العالمية تحقيق إنجازات دالة على هذا الصعيد، كما حققت فئات اجتماعية كانت محرومة ومقهورة الكثير من الإنجازات على صعيد نيل حقوقها كالحركة العمالية على سبيل المثال؛ ليتعزز هذا التوجه بإقرار مواثيق دولية ضمنت العديد من الحقوق للعمال.
إن الإنجازات الواردة أعلاه أتت بفضل إعمال مفهوم المواطنة، وسيادة منطق القانون والمساواة؛ بيد أننا نريد أن نشير في هذا السياق إلى أن مبدأ التسامح مبني أساساً على الحقوق، أي حقوق البشر جميعاً والشعوب أيضا

المحور الرابع: إحياء المواطنة في زمن العولمة
إذا كان مفهوم المواطنة قد شكل حصان طروادة في صراع الطبقات السياسية إبان القرن الثامن عشر فإن هذا المفهوم اتخذ أبعادا وتجليات مغايرة نسبيا في عالم العولمة.
إن الفكر الليبرالي لم يؤدِّ إلى تأسيس تجارب ديمقراطية في العالم الغربي فقط، بل أمسى يطرح نفسه كبديل للواقع السياسي والفكري في دول العالم الثالث التي تشهد تحولات نوعيةً في اتجاه غرس ديمقراطية الوصايةّ، كما في أطروحة “نهاية التاريخ” وإعلان انتصار الليبرالية النهائي لباحث مثل فوكوياما، أو كطرف متماسك ومتجانس ومتقدم في مقابل حضارات أخرى (أو أدنى) في أطروحة “صراع الحضارات” لهنتنجتون ؛ فخيار المواطنة صار مقاربة مثالية تروج لها الرأسمالية الليبرالية في الدول غير الغربية، ليتم تقديمها كحل لمشكلات الجنوب “على طريق التقدم” بشكل يرتهن بتحول الرابطة السياسية داخل مجتمعاتها من رابطة أبوية أو أبوية مستحدثة- إلى رابطة تعاقدية .
لقد قادت الكتابات النظرية السياسية الليبرالية الأولى التي كان مفهوم العقلانية والرشد فيها مرتبطًا بالقيم المثالية والفلسفية لتتناول مفهوم المنفعة بمعنى ذاتي/ نفسي ثم بمعنى اقتصادي/ مادي، فربطت في مجملها بين المفاهيم النظرية السياسية والرؤى الاقتصادية وهو ما أسماه البعض بالتحول من الديمقراطية الليبرالية إلى الليبراليةالديمقراطية بتقديم الفاعل الاقتصادي على الفاعل السياسي فأصبحت الشركات العابرة للقارات تتحكم في صياغة القرار السياسي من خلال تحكمها في القادة السياسيين بواسطة تقنية التمويل الانتخابي مثلما هو عليه الحال في الولايات المتحدة الأمريكية ليتمخض عن هذا الوضع غلبة الاتجاه المادي على الفكر الليبرالي؛ فتحول الاقتصاد الليبرالي من ليبرالية كلاسيكية تتحفظ على تدخل الدولة الليبرالية بشكل يفضي إلى تدخل الدولة من أجل تحقيق الرفاه في مجالات الأمن الاجتماعي
فمن ناحية تحولت رابطة “المواطنة” إلى منافع وحقوق مادية محددة يطالب بها المواطن في مجالات الصحة والتعليم.
ومن ناحية أخرى قاد هذا التوجه إلى تحول نوعي في وظائف الدولة في الوقت الذي كانت تحولات العولمة ترشحها للتآكل والذبول، فاستردت دورها في التوزيع السلطوي للقيم -المادية والمعنوية- وما لبثت أن بدلت هذا الدور في ظل تنامي الحديث عن الإدارة السياسية (Governance) عبر الترويج المكثف لفكرة الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني والفاعل الاقتصادي ، رغم أن سلطة الدولة لا تقارن بالطرفين الآخرين، ونفوذها يخترقهما على شتى المستويات.
عبر تفاعل هذه المعطيات تحول مفهوم المواطنة إلى دلالات برغماتية، كما صار مؤسساً على واقع معقد لا يثمر نتائجه المثالية الأصلية المنشودة بسبب وجود الدولة الطاغي، رغم تحول هذا الوجود نوعياً وتغير وجهته وتجلياته بما أوحى للبعض بضعفها أو تراجع دورها لصالح آليات السوق العالمي.
إن هذا التناقض تزامن أيضاً مع بروز تيارين متعارضين:
أولهما: واقعي، يرتبط بالتأكيد المتنامي على المصلحة المباشرة ؛ ليتم تهميش المثاليات الكبرى والمنافع الجماعية والمؤجلة التي تأسست عليها نهضة الرأسمالية الأولى
ثانيهما: تنويري، يتمثل في مناداة بعض الكتابات بإدخال البعد الأخلاقي في النظرية الاقتصادية، أي تجاوز المقاربة الاقتصادية الصرفة بغية استعادة الأبعاد الإنسانية/ الاجتماعية/ الأخلاقية في النظرية والتحليل الاقتصادي، وهو ما يستلزم ربط مفهوم المواطنة عند تحليله بالأسئلة الكلية في الفكر الليبرالي، وأبرزها تصورات الفرد وتعريف السياسة وما يترتب على ذلك من تصور لطبيعة المجتمع السياسي.