الرئيسية / هكذا نراها / الرسائل المتبادلة بين نظام جزائري “مأزوم”، ونظام مغربي “مطمئن”

الرسائل المتبادلة بين نظام جزائري “مأزوم”، ونظام مغربي “مطمئن”

ها هو الرئيس القديم الجديد عبد العزيز بوتفليقة يعلن عن فوزه بنسبة تصويت ونجاح ستسيل الكثير من المداد دون أن تفلح في إقناع أحد في الجزائر بدقتها، لا لمجرد الطعن في الأرقام الرسمية أيا كان موضوعها، وهي عادة عربية متجذرة لا تخص الجزائر وحدها، بسبب غياب المصداقية عموما لدى من يتقلدون أمورنا العامة، ولكنه تشكيك ينبع بالأساس من الطيف الواسع للمقاطعين من إسلاميين وأمازيغ ومواطنين لا تعنيهم الانتخابات أيا كان الفائز فيها، وهو معسكر يصعب جدا تصديق أنه يشكل أقل من نصف المصوتين.
وبعيدا عن هذا الجدل، فما يعنينا هنا هو التنبيه إلى أن الجهات التي تقف وراء اختيار أن يخلف الرئيس بوتفليقة نفسه، إنما تعبر بخيارها هذا وطريقة إدارتها له عن أزمة داخلية طاحنة، تقول مبدئيا بتعذر الاتفاق على خلف لبوتفليقة حتى من رجالاته المقربين كرؤساء الوزراء السابقين أويحيى وبلخادم والسلال أو غيرهم، والخوف من الاحتكام الحقيقي لصندوق الاقتراع وما يمكن أن تأتي به عملية انتخابية نزيهة، ناهيك عن الاستجابة لمنطق الحراك العربي الذي زعزع، وإن لم يزلزل جميع الكيانات العربية السلطوية دون استثناء، مع اختلاف درجات ونوعيات الاستجابة لهذا الزلزال.
إن الهروب إلى الأمام ومحاولة تجميد اللحظة الراهنة هو خيار فاشل وكارثي النتائج لا في الجزائر وحدها بل في كل مكان، وإن أعطى أكله على المدى القصير، لأن المواجهة الشجاعة للأزمات هي المنهج الوحيد الناجح لإدارتها والتغلب عليها، وهو ما لا يبدو في سلوك المدافعين عن العهدة الرابعة لبوتفليقة أنهم يحسنونه أو يؤمنون به.
وللمقارنة فقط، وإذا حاولنا قراءة ما بين سطور الأحداث ورسائلها الواضحة والمشفرة، للتدليل على سبل التعامل مع المستقبل، بمنطق الخائف والمتوجس الذي ذكرناه، أو بمنطق الواثق المطمئن الذي يجد ترجمته في سلوك الجار المغربي، يطالعنا خبر قد لا يكون الكثيرون قد انتبهو له رغم غناه الشديد بالدلالات، ألا وهو خبر زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس لمدينة الداخلة الجنوبية وصلاته الجمعة في مسجدها “السلام”..
صورتان ومشهدان: وزير داخلية الجزائر يعلن تكريس الانقسام السياسي في مشهد مضطرب، واختيار الهروب للأمام بالإصرار على ترشيح رئيس على كرسي متحرك في محيط عربي يوجد مطلب تحديد ولايات الرئيس باثنتين على رأس قائمة مطالبه، ومنافس يطعن بالنتائج ويعلن رفضه لها، ومقاطعة واسعة من مختلف الأطياف السياسية، واضطرابات تشتعل في أكثر من منطقة على خلفيات مذهبية وعرقية، وإصرار غريب و “مشين” على التنكر لروابط الجوار والنضال والدم بدعم وتمويل جماعات من المرتزقة تسعى لتقسيم بلد جار، وإقفال للحدود يقطع أواصر القربى بين شعبي الجزائر والمغرب.. وبالمقابل، ملك بجلس مطمئنا في “صحرائه”، يستمع لدعاء المنبر له بالفلاح وطول العمر في تجديد للبيعة التي ما فتئ شيوخ هذه البقاع يجددونها للجالس على عرش المملكة منذ قرون وقرون، بعد أن استجاب لجميع مطالب شعبه وممثليه السياسيين والاجتماعيين بعد ثمانية عشر يوما فقط من تقديمها، ليلتفت الجميع إلى مواجهة تحديات التنمية والمحاربة الفقر والبطالة ومكافحة الفساد ودمقرطة الممارسة السياسية وتحصين المكتسبات الحقوقية وصيانة الوحدة الثقافية والتنوع الثقافي، وغيرها من التحديات المطروحة على بلداننا العربية والمغرب واحدة منها.
إن بلاغة الرد المغربي على ما يجري في الجزائر تتجلى في عدة صور يتمثل أبرزها في اختيار العاهل المغربي لزيارة أقاليم بلاده الصحراوية خلال الانتخابات الجزائرية تحديدا، والتي تثبت أن لا جديد لدى المتنفذين في النظام الجزائري، ليقول لهم أنا هنا في صحرائي ولتهنأو بمرتزقتكم في “تيندوف”. ولعل الصدفة وحدها اختارت أن يتزامن إعلان نتائج الانتخابات ومعه إعلان أزمة النظام الجزائري، في يوم الجمعة، فكانت مناسبة سانحة لنظام المغرب أن يكمل سلسلة الرسائل البليغة والواثقة: اصطحاب الملك محمد السادس لوزير داخلية الكوت ديفوار للصلاة، في تأكيد لعمق المغرب الإفريقي، واختيار مسجد “السلام” للصلاة مع ما لهذه الكلمة من دلالات بليغة، وأخيرا اختيار موضوع الخطبة التي تذكر أشقاء الدم بالرسالة التي يتناساها قادتهم: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أولئك هم المفلحون” .. نداء إلهي نردده جميعا في أرجاء هذه الوطن العربي الفسيح، بأن يلهم الممسكين بزمام أمور هذا الشعب الجزائري العظيم إلى طريق الخير، وصلة الرحم مع أشقاء الدم وشركاء النضال، والبعد عما يمزق الأوطان ويضر بمصالح المواطنين، وكل منكر يضر بمصالح الشعبين، حتى يكونو من المفلحين.. فهل من مجيب؟؟