الرئيسية / هكذا نراها / امتلاك الرؤية أهم من امتلاك النفط: الرد المغربي على الفكر المتطرف!!
1435440196

امتلاك الرؤية أهم من امتلاك النفط: الرد المغربي على الفكر المتطرف!!

مرة أخرى، يثبت العاهل المغربي تحديدا، والنظام في المغرب بشكل عام تمايزه عن محيطه الإقليمي والعربي، وذلك من خلال الفعل السياسي المبادر وليس ترحيل المشاكل وإدارة الأزمات والتهرب من مواجهة الواقع. مرة أخرى، يكرس المغرب منهجه في استباق الأحداث بل وصناعتها، بدلا من شراء الزمن والسلم الأهلي بالهبات المالية داخليا وخارجيا، تهربا من دفع استحقاقات هي لا بدّ آتية.
مناسبة هذا الحديث ما أعلن عنه من تشكيل “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة” بمبادرة وإشراف فعلي ملكيين، وهي المبادرة التي من شأنها أن تسهم في مزيد من التمتين لعلاقات المغرب بمحيطه الإفريقي الضاربة في عمق التاريخ. فخلافا لما جرت عليه عادة الأنظمة السياسية العربية من الاكتفاء بالتغني بأمجاد الماضي، دون الالتفات لحقائق الحاضر وتبعاتها، انتقل المغرب، بواسطة الملك محمد السادس أساسا، من تقوية علاقاته السياسية والاقتصادية بدول غرب إفريقيا، محيطه الحيوي، إلى استثمار علاقاته الروحية بهذه الدول، للمساهمة في تحصينها ضد تيارات التطرف والتشدد غير القائم على أساس ديني متين.
ويأتي الإعلان عن إنشاء مؤسسة العلماء الأفارقة، أياما بعد الزيارة الملكية لعدد من دول الغرب الإفريقي، والتي شهدت التوقيع على العديد من اتفاقيات التعاون السياسي وكذا المشاريع الاقتصادية التي من شأنها دفع عجلة التنمية في هذه البلدان. زيارة أثبتت أن امتلاك الرؤية كفيل بتعويض النقص في الموارد المالية الضخمة التي يمكن أن يجلبها النفط والغاز. وهكذا، وإضافة للوشائج الروحية المتينة بين المغرب وشعوب إفريقيا جنوب الصحراء، لاسيما غرب القارة، والتي تبني على التراث الصوفي المشترك، أصبح اليوم لدى المغرب وباقي أشقائه الأفارقة مؤسسة علمية ستسهم في الحفاظ على الوحدة الروحية للمنطقة، وتتصدى لأباطيل التنظيمات الإرهابية التي تنسب أفعالها للإسلام زورا وبهتانا، ويكتوي بنارها معظم أقطار شمال وغرب إفريقيا، لتضاف إلى “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات” الذي سيشكل الذراع العملي لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة حديثة التكوين.
وبعيدا عن روابط التاريخ والجغرافيا، يبدو المغرب دون غيره مؤهلا اليوم للعب دور الرائد والمنسق لجهود إيصال الرسالة السمحة للإسلام، كدين رفق ووسطية واعتدال، لا لحفاظه على تماسكه الروحي طيلة قرون وجود الإسلام فيه فحسب، بل لقدرته على تنزيل المفاهيم الأساسية لإسلام الرحمة في مختلف البرامج والسياسات، وهو ما تم التنصيص عليه في ديباجة إنشاء المؤسسة الجديدة، التي ستحرص على “تفعيل قيم الدين الإسلامي في كل إصلاح تتوقف عليه عملية التنمية في إفريقيا”، وهو ما تفتقده شعوب ومواطني عالمنا الإسلامي قاطبة. فقيم الإسلام المتعلقة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية لمجتمعاتنا هي المعطّلة عمليا، مقابل سيادة خطاب الإصلاح الأخلاقي والقيمي المنفصل عن واقعه وزمنه.
هذا الفهم الناضج لضرورات المرحلة، هو ما يميز المغرب حقيقة عن باقي دول العالم الإسلامي، ويجعله مؤهلا لا لقيادة عملية الإصلاح الديني في غرب إفريقيا فقط، وإنما في عموم العالم الإسلامي. فمجتمعاتنا بحاجة لمن يصلح لهم دنياهم بالأساس، ويعينهم على القيام بمهمة عمارة الأرض بالعمل الصالح، لا لمن يخرجهم من هذه الدنيا وهو يظن أنه يدخلهم الجنة قسرا، ويحرمهم بالتالي بسبب عجزه وقصور فهمه لرسالة الإسلام الخالدة من الانخراط في العصر.
كلمة أخيرة نقولها للصحف الجزائرية التي خرجت علينا بخرافة كون المغرب “يشتري” سلمه وأمنه الاجتماعيين “برشوة داعش”: من ينشئ “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة” للتصدي للأفكار المتطرفة لداعش ومثيلاتها، بما يتجاوز حدوده الوطنية، هو عمليا شخص اختار الاشتباك مع داعش دون أن يخافها، بدل اختيار شراء ثمن سكوتها عن مهاجمته. إن ما يجعل المغرب بمأمن من ضربات “داعش” وإرهابها هو بناء استقراره السياسي وأمنه الاجتماعي على عملية معقدة متكاملة العناصر، يشترك فيها الإصلاح السياسي بالتربية الروحية والتنمية الاجتماعية والتنوع الاقتصادي واليقظة الأمنية، وهي العناصر التي تحرم “داعش” ومثيلاتها من أية بيئة حاضنة، وهي نفسها العناصر التي يعلم القاصي والداني أنها غائبة تماما عن تفكير وسلوك أصحاب القرار في النظام الجزائري المنكشف أمام جميع التهديدات.