الرئيسية / هكذا نراها / أي عرش يحتفي به المغاربة: عرش المبادرة والرؤية الاستراتيجية (1)

أي عرش يحتفي به المغاربة: عرش المبادرة والرؤية الاستراتيجية (1)

من نافل القول، أن إعلامية تافهة من مخلفات نظام مبارك، كل مؤهلاتها الصحفية –كما أقرانها الذين يحتلون المشهد الإعلامي المصري حاليا- قدرتهم على مدح مبارك ومن بعده الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي بشكل فج وغبي بعيدا عن أي حصافة أو خجل، نقول، إعلامية بهذه المواصفات لا تستحق الرد ولا الالتفات إلى ما تتفوه به من أقوال مدحا أو ذما في أي شخص أو جهة كانت. لكننا اليوم بصدد الإجابة بشكل مقتضب جدا على تساؤلات الكثيرين من أهلنا في المشرق العربي، الذين يشغلهم “سر” استقرار المغرب، رسوخ ملكيته، والتفاف المواطنين طواعية حول الجالس عليه، ومن ورث أمانة إدارة شؤونهم، الملك محمد السادس، الذي يحتفل بالمناسبة بعد أيام، بالذكرى الخامسة عشر لجلوسه على العرش.
ولأن الإجابة على هذا التساؤل ترجع إلى خليط من الأسباب المتداخلة والمتشعبة، سنحاول سريعا بسط أهمها في عدد من الأجزاء على مدى الأيام المقبلة.
ربما يكون أول ما يتبادر إلى الذهن ويلفت الانتباه نجاة المغرب من عواصف الحراك العربي التي تهب على وطننا العربي منذ أزيد من ثلاث سنوات، بشكل يجعله استثناء عربيا فريدا تستحق تجربته أن تدرس (بتسكين وتشديد التاء). ولا يظنن أحد أن ما جعله بمنأى عن هذه العواصف هو مجرد قيامه بالإصلاح الدستوري في 2011، وإنما يجب الرجوع قبل ذلك بكثير، على الأقل قبلها بعقدين من الزمن، عندما كسر العاهل الراحل الملك الحسن الثاني رحمه الله أحد الطابوهات السياسية العربية المتوارثة منذ قرون، وابتدع تجربة التناوب التي أتت باليسار، برئاسة الزعيم الذي كان محكوما بالإعدام قبلها بسنوات عبد الرحمن اليوسفي وسلمه رئاسة الوزراء.
هذه الخطوة يمكن أن تلقي الضوء على أحد أبرز مميزات العرش المغربي، وتفسر كونه أقدم الملكيات في العالم، وثاني أقدم الأسر الحاكمة، ونعني بذلك: قدرته الاستشرافية. هذه القدرة التي يتوارثها ملوك المغرب أبا عن جد، لدرجة أصبحت معها من التقاليد الراسخة، تخرج العاهل المغربي من خانة ردود الأفعال الضيقة إلى رحابة المبادرة والفعل الاستباقي. ويمكن القياس على ذلك في الكثير من المفاصل التي تلت تجربة التناوب وواكبتها، من قبيل المبادرة الخلاقة –رغم جميع الملاحظات التي تورد عليها- التي دشنها الملك الحسن الثاني وفعلها وأشرف على إيصالها إلى نهايتها الملك محمد السادس، والمتعلقة باعتراف الدولة بماضي أجهزتها الأمنية القمعي، ومسؤوليتها عن الخروقات والمآسي التي واكبت سنوات الرصاص في السبعينيات والثمانينيات، والاعتراف بالمخطوفين والمعذبين وتسليم رفات من مات منهم لذويهم، وتعويض الضحايا وورثتهم تعويضات لائقة تساعد على بناء حياة جديدة وجبر الضرر الذي لحق بهم، وما واكب هذه الخطوة من شجاعة نادرة تمثلت في بث جلسات تلفزيونية حية للضحايا وهم يقدمون شهادات مباشرة حول ما تعرضو له من انتهاكات جسيمة.
هذا التخلص من المكابرة والعناد، اللذان يكادان يكونان صفة أصيلة وشرطا في جميع من يجلسون على عروش الحكم في وطننا العربي، تمكننا من تفهم التنظير الجديد للعاهل المغربي الشاب الملك محمد السادس حول “المفهوم الجديد للسلطة” والذي أتى به بمجرد اعتلائه سدة الحكم، محاولا مصالحة المغاربة مع أجهزة أمنهم، وهو الجهد الذي دعمه العمل الكبير الذي قامت وتقوم به الجمعيات الأهلية العاملة في مجال حقوق الإنسان، والذي توج بدسترة حقوق الإنسان، وإصباغ الطابع الدستوري الدائم والمستقل على الهياكل المشرفة على هذا الأمر. لم تكن منّة أو هبة، ولم يتفوه العاهل المغربي يوما بكلمة تجعل شعبه يحس بأن هذه الحقوق التي ينعم بها إنما هي منحة أو هبة عليه مقابلها أن يلهج بالثناء والحمد لصاحب الفضل والنعمة.
وكما أسعفت الرؤية الاستشرافية للملك الحسن الثاني رحمه الله في نزع فتيل التوتر، وطي صفحة الإقصاء التي لطالما عانى منها اليسار المغربي والاشتراكيون تحديدا، ترجم الملك محمد السادس إمارته للمؤمنين وصفته كحكم بين الفرقاء بحمايته للفصيل الإسلامي الذي يمارس العمل السياسي تحت قبة البرلمان بنضج ومسؤولية، عندما سنّت السكاكين مطالبة بالإجهاز عليهم في أعقاب تفجيرات الدار البيضاء في مايو 2003، بل وتحميلهم مسؤولية إدارة التجربة الحكومية في حقبة الحراك العربي، في الوقت الذي انقلب فيه الجميع عليهم.
ولعل رأس المبادرات الاستشرافية الشجاعة تلك المتمثلة في مبادرة “الحكم الذاتي” للأقاليم الصحراوية، وهي تجربة فريدة عربيا تعطي درسا عميقا في إدارة التمايزات الاجتماعية التي كانت لتجنب العرب جميعا ما نراه في سوريا وليبيا والعراق ومصر والجزائر وبعض دول الخليج. إن تمكين السكان من إدارة شؤونهم المحلية، جباية ضرائبهم، ترتيب أولوياتهم، تحت سيادة دولة مركزية قوية هو الجواب الذي يخرجنا من خانة المفاضلة بين الانفصال والكيان الفيدرالي. تجربة لاقت استحسان العالم أجمع إلا أشقاء الدم في الجزائر، وهم لعمري الأولى بتدعيم هذه التجربة علّها تفيدهم في إدارة ملف القبايل والاحتجاجات الدائمة لسكانها الأمازيغ الذين تعلو وسطهم أصوات المطالبة بالانفصال.