الرئيسية / ثقافة وفن / الفنان ضياء العزاوي يؤرخ لمذبحة «صبرا وشاتيلا».
064e04289fde081793d8613652850ebe

الفنان ضياء العزاوي يؤرخ لمذبحة «صبرا وشاتيلا».

يعمل هذا الركن على تعريف القارئ وتقريبه من المصادر الكبرى في المعرفة والإبداع، من أعمال فنية، بما فيها الرسوم والمنحوتات والتجهيزات… التي تعتبر من بين أهم ما أسس للمعرفة الجمالية، وما رافقها من أحداث جعلت من هذه الأعمال الفنية شاهدة على العصر بكل تقلباته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ارتبط اسم الفنان التشكيلي العراقي ضياء العزاوي الملقب ب»بيكاسو العرب»، منذ بداياته بتجارب مختلفة وغنية في بعدها الدلالي على مستوى اختياراته الموضوعية المرتبطة بأهم الأحداث السياسية بالوطن العربي، فكانت مساهماته الأولى تصب في صلب هموم الشعب الفلسطيني، قبل أن تتحول هذه المساهمات، للاهتمام بقضية أخرى، لها علاقة بالعراق كموطن أصلي، وما شهده هذا البلد من تدمير وتخريب على جميع المستويات منها ما هو إنساني، وثقافي، واقتصادي… بعدما أن كان في صدارة الركب الحضاري العربي، كامتداد لحضارات سابقة عمرت طويلا بهذه المنطقة كالحضارة السومارية والبابلية والآشورية… وما تحملهما من فلسفة بعمق فكري حد الخيال من خلال الأساطير وما حملته من ملاحم دمغت الذاكرة الإنسانية وأثرت فيها ك «ملحمة كالكامش» و»ملحمة أتربي» أو ما سمي ب»ملحمة الطوفان» وغيرها.
لم يكن الفنان ضياء العزاوي بمعزل عن كل هذا التراث بروافده التاريخية والثقافية والفنية، ولم يكن بعيدا عن القضايا الراهنة في ارتباطها بهذا الموروث الإنساني، الذي حاول الكيان الصهيوني طمسه ليظهر الشرق في موقف ضعف من خلال تجريده من ذاكرة كانت ومازالت مصدر قوته وصموده.
ولكون الفنان ضياء العزاوي ملتزم من حيث المعنى والشكل بجرأته المعهودة، وبمواقفه الثقافية والفنية والسياسية والقومية، كانت نصرته للقضية الفلسطينية من بين انشغالاته وأولوياته الإبداعية، فكانت جل إنتاجاته الإبداعية تصب في هذا المنحى من خلال مجموعاته الفنية لمحفورات gravures ورسوم اتخذت من الكلمة والصورة عنوانا لها، من بينها: «يوميات فدائي في عمان»، «أرض البرتقال»، «سنوات الذبح الفلسطيني»، «النشيد الجسدي»، ورسوم وقصائد لقصص غسان كنفاني وعن «تل الزعتر»… إلى جانب الاشتغال على قصائد غرامية مستوحاة من أعمال الشاعر «ابن حزم الأندلسي» من خلال عمل تحت عنوان «كتاب الحب» صحبة الشاعر المغربي «محمد بنيس»، الذي كان لي شرف طبع غلافه بتقنية السيريغرافيا.
اعتبر الفنان ضياء العزاوي انحيازه الفني لما سمي بالقضايا الحيوية في بعض حواراته، موقفا أخلاقيا، شكل خلافات في علاقاته بالمؤسسات السياسية العربية حسب قوله، سواء الحزبية منها أو الرسمية، باعتباره فنانا صادقا يعمل على مواجهة تحديات البحث الفني في بعده الأخلاقي، ليثبت ضرورة اتخاذ المواقف الواضحة، بما أن الفنان جزء لا يتجزأ من التركيبة المجتمعية التي ينتمي إليها.
يعتبر الفنان ضياء العزاوي من المؤسسين إلى جانب شاكر حسن آل سعيد ورافع الناصري… لحركة «البعد الواحد» بالعراق منذ السبعينيات، حيث اتخذت هذه الحركة من الحرف محورا لاهتماماتها، فكان لها تأثير واضح على الساحة التشكيلية العربية في فترة عرف فيها التشكيل أزمة حول تحديد الهوية كسؤال فرض نفسه زمنيا بعد الانعتاق من هيمنة الاستعمار الأجنبي.
ومن بين القضايا التي تناولتها أعمال العزاوي هي التي تحكيها اللوحة التي تحمل عنوان «صبرا وشاتيلا» المعروضة الآن بشكل دائم بمتحف «تايت» اللندني، تأريخا لهذه المذبحة الرهيبة في مخيم اللاجئين الفلسطينيين الذي تراوح تقديرا عدد القتلى به ما بين 750 و3500.
«صبرا وشاتيلا» هي اللوحة التي لم يحضر فيها الحرف بشكل لافت، بل حضرت الصورة فيها بطريقة مهيمنة، توزعت على مساحة السند ضمن تكوين توزع على مشهدين أفقيين ثنائيين، اشتمل على عناصر تركيبية متناثرة كالكراسي والوجوه والأيادي والطيور… وتقاطع فيها التجريد بالتشخيص ليشكل نافذة كبيرة مشرعة على حدث في بعده السردي للمأساة في قالب تحكمه وحدة متناغمة مرئيا، جعلت من هذه اللوحة تذكيرا في بعده الرمزي بلوحة «الكرنيكا» للفنان بيكاسو، بما تحمله من أشكال وأحداث تعبر وتصب هي الأخرى في الوقائع نفسها وتتقاطع في الفكرة نفسها، التي تتكرر وتعيد نفسها في حلقة تاريخية مغلقة.
تعتبر لوحة «صبرا وشاتيلا»، أيقونة فنية تشكل وحدة متناسقة وامتدادا لتجربته بصفة عامة، لارتباطها بأعمال أخرى يحضر فيها الشعر كنص أدبي، يرافق ويجاور إبداعاته التشكيلية، من خلال عمل مشترك مع شعراء عرب ومغاربة كالطاهر بنجلون تحت عنوان «النشيد الجسدي»، الذي صدر على شكل كتاب فني أنيق جمع بين الصورة والكلمة، وأعمال أخرى بالطريقة نفسها، مناصفة مع الشاعر أبي الطيب المتنبي وابن حزم الأندلسي ومحمد بنيس… وغيرهم، لنخلص إلى أن الفنان ضياء العزاوي يفضل الاشتغال على تيمات محددة تجمع بين المعرفة المرئية والأدبية… كمبدع انتزع النص المقروء من سند الورق ومن رفوف المكتبات، لسند القماش، ليصبح نصا جماليا على مستوى الشكل والتركيب المشهدي.