بقلم: هيثم شلبي
شهدت الخريطة الجيوسياسية والدبلوماسية لجبهة البوليساريو في القارة اللاتينية تراجعاً دراماتيكياً وغير مسبوق، تحولت فيه “العقيات الأيديولوجية” الوهمية التي لطالما تغنت بها الدعاية الجزائرية إلى مجرد أصداء باهتة لزمن سياسي في طور الأفول. فمنذ أن كانت هذه القارة تُحسب خطاً دفاعياً مقدماً لأطروحة الانفصال، تتساقط الحصون تباعاً تحت وطأة الواقعية السياسية وديناميكيات المصالح المشتركة ودبلوماسية الأفعال.
لقد أدى التطور المتسارع في العلاقات الدولية إلى تفكيك الشبكة التقليدية لدعم الكيان الوهمي، لتجد البوليساريو نفسها عاريةً إلا من مظلات مهترئة لا تقي حر التحولات الكبرى، لا سيما بعد الانعطافة الاستراتيجية الكبرى المتمثلة في إعلان كولومبيا تجميد اعترافها بالكيان وتأكيد سيادة المغرب على أقاليمها الصحراوية، تزامناً مع الهزات العنيفة التي ضربت معاقل اليسار الراديكالي وفي مقدمتها سقوط نظام مادورو في فنزويلا، ليتقلص الحجم الجغرافي والسياسي للاعتراف إلى مستويات قياسية تقتصر عملياً على نيكاراغوا، بينما تسود حالة من التجميد الشامل أو الجمود الدبلوماسي في عواصم أخرى كالمكسيك وكوبا وبليز.
المشهد اللاتيني الحالي: خريطة منكمشة واعترافات مجمدة
تُظهر قراءة خارطة الاعترافات الراهنة في أمريكا اللاتينية أن رصيد البوليساريو قد تقلص إلى الحد الأدنى التاريخي. فعلى صعيد الدول التي تحتفظ بعلاقات أو اعترافات شكلية، تبرز نيكاراغوا كآخر معقل صريح ومتحالف بشكل أيديولوجي مباشر مع المحور الجزائري، حيث توفر للكيان الوهمي غطاءً لفظياً باهتاً لا يكفي لستر عورة العزلة الدبلوماسية المتسعة.
في المقابل، دخلت دول أخرى في حالة “اعتراف مجمد عملياً”، حيث توجد النصوص على الورق دون أن يقابلها أي حضور دبلوماسي، أو تبادل تمثيل، أو دعم سياسي حقيقي في المحافل الدولية. وتشمل هذه القائمة المكسيك وكوبا وبليز؛ فالمكسيك، ورغم إرثها الدبلوماسي المرتبط بحركات التحرر، باتت تتعامل مع الملف ببرود شديد وتجاهل تام يقترب من سحب الاعتراف الضمني بحكم الواقع. أما كوبا، التي شكلت تاريخياً حاضنة تدريب وتأطير للكوادر الانفصالية، فهي تعيش اليوم على وقع أزمات وجودية واقتصادية خانقة ومستقبل سياسي ضبابي يجعلها عاجزة عن تقديم أي دعم يذكر، فضلاً عن إعادة تقييم شاملة لدفاتر تركات الحرب الباردة.
وقد توجت هذه التصدعات بالضربة القاضية التي تلقتها البوليساريو من كولومبيا؛ إذ أثبتت الدبلوماسية المغربية، عبر “دبلوماسية الأفعال والمصالح الملموسة”، قدرتها على اختراق العمق اللاتيني وتصحيح التشوهات التاريخية. فقرار كولومبيا بتجميد اعترافها بالكيان الانفصالي وتأكيد مغربية الصحراء لم يكن حدثاً معزولاً، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من اقتناع دول القارة بأن الاستقرار والبراغماتية الاقتصادية هما أساس الشراكة مع المغرب، وليست الشعارات الأيديولوجية الجوفاء.
تهاوي المعاقل وسقوط الدعم الفنزويلي
لم تكن التحولات الدبلوماسية بمعزل عن الزلازل السياسية المحلية التي ضربت حلفاء البوليساريو في المنطقة. ويُعد سقوط نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا النقطة الفارقة الأكثر دموية وإيلاماً بالنسبة للمحور الداعم للبوليساريو (الجزائر-كاراكاس). ففنزويلا لم تكن مجرد دولة معترفة، بل كانت ممولاً رئيسياً وصندوق ودائع مالية وعسكرية سخية وضعت تحت تصرف الجبهة أموالاً طائلة من مقدرات الشعب الفنزويلي لتمويل التسليح والدعاية.
بسقوط منظومة مادورو وانكشاف شبكات التمويل العابر للبحار، حُرمت البوليساريو من شريان حياة مالي ولوجستي لا يَعوض. هذا السقوط أرسل رسالة مدوية لكل الأنظمة الشعبوية أو الماركسية المتبقية في القارة بأن رهان الارتباط بكيانات وهمية مأزومة لا يجر سوى العزلة ومضيعة الموارد في وقت تواجه فيه هذه الدول تحديات تنموية واقتصادية مصيرية. لقد أيقنت عواصم أمريكا اللاتينية أن الجزائر، التي طالما وظفت عائدات المحروقات لتمويل هذا الوهم، عاجزة عن حماية حلفائها أو تعويضهم عن خسائرهم الاستراتيجية.
علامات الاستفهام الكبرى: مستقبل كوبا ومآلات “الأوراق الميتة“
تتجه الأنظار اليوم نحو حلقة الوصل التاريخية الأخير فيما يسمى بـ “المحور الثوري” القديم في القارة: كوبا. تعاني هافانا من أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وتآكل تدريجي لشرعيتها الثورية أمام جيل جديد من القادة البراغماتيين في أمريكا اللاتينية الذين لا يملكون أي ارتباط عاطفي أو أيديولوجي بصراعات القرن العشرين. إن استمرار الاعتراف الكوبي بالبوليساريو بات يتحول إلى عبء دبلوماسي ورمز لعزلة هافانا، وسط تساؤلات جدية حول مدى قدرة النظام الكوبي على الصمود طويلاً دون تغيير جذري في مواقفه الخارجية تمليه ضرورات الانفتاح الاقتصادي والتقارب مع القوى الإقليمية الوازنة وفي مقدمتها المغرب.
أما الدول التي تحتفظ بالاعتراف “على الورق” فقط، فإن الواقع يفرض عليها منطق التجاوز. فالاعتراف غير المدعوم بالواقع، والذي لا ينعكس في الموقف السياسي اليومي ولا يحظى بأي تمثيل دبلوماسي فاعل، هو في حقيقته “اعتراف ميت مسبقاً”. إن استمرار هذا الوجود الشكلي للبوليساريو في بعض الدساتير أو الأرشيفات الدبلوماسية اللاتينية يعود بالدرجة الأولى إلى حالة من الإهمال البيروقراطي أو الضغوط المتبقية لفلول اليسار الكلاسيكي، وهي جدران تتداعى تدريجياً تحت ضربات المصالح الاستراتيجية المتبادلة مع الرباط.
الآفاق المستقبلية: رصاصة الرحمة على الوهم الأممي
يؤشر المدى المنظور إلى أن ما تبقى من أوراق البوليساريو في أمريكا اللاتينية في طريقه إلى التبخر الكامل. فمع تراجع تأثير التيارات الراديكالية وانكفاء الجزائر نحو مشاكلها الداخلية، تفقد الأطروحة الانفصالية آخر ما كان يستر عجزها من دعم جغرافي سياسي عابر للقارات.
إن مآلات هذا المشهد تتلخص في حتمية تصفية آخر جيوب الوهم الدبلوماسي في القارة اللاتينية، وتحول المنطقة برمتها إلى فضاء منسجم مع الشرعية الدولية ووحدة الأراضي المغربية. وبذلك، تكون أمريكا اللاتينية قد طوت، أو تكاد، صفحة من التباكي الأيديولوجي، لتبحر في شراكات واعدة ومثمرة تُبنى على أرضية الواقع والوضوح، لا على أوهام الجغرافيا السياسية البائدة.
الانعكاس المباشر على لجنة ال 24
أبرز انعكاسات الواقع الجديد بدا جليا خلال اجتماعات لجنة ال 24 الأممية (لجنة تصفية الاستعمار) التي توسعت حاليا لتضم 29 دولة من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. فمن أصل هذه الدول، عبرت 17 منها (قرابة 60%) عن مواقف داعمة للطرح المغربي المتمثل في مقترح الحكم الذاتي، بينما آثرت 7 دول الوقوف على الحياد بالدعوة إلى تسوية سياسية واقعية تستند إلى المسار الأممي (المعبر عنه ضمنيا في قرار مجلس الأمن 2797 الذي عبر عن دعم صريح للمقاربة المغربية، وبدا لافتا اشتراك بعض الدول التي لا تزال تعترف -على الورق- بجبهة البوليساريو في الوقف المحايد مثل إثيوبيا وتنزانيا، ناهيك عن دول أخرى من أمريكا اللاتينية كبوليفيا وتشيلي وإكوادور؛ لتقتصر لائحة الدول التقليدية المترافعة عن الطرح الانفصالي في كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، إضافة لإيران وتيمور الشرقية وهي دول لا تشكل أكثر من 17% من أعضاء اللجنة. بمعنى آخر، أن قرابة 83% من الدول الأعضاء في اللجنة انفضت من حول الاطروحة الجزائرية الانفصالية، في انتظار التطورات السياسية المتلاحقة التي تشهدها كوبا وفنزويلا، وربما إيران ونيكاراغوا.
هكذا، وشيئا فشيئا، يمكن القول بثقة أن الطرح الانفصالي الجزائري تقلص إلى حدود 6 دول أفريقية (الجزائر وجنوب أفريقيا وشقيقاتها المجاورة الأربعة)، و3 دول أسيوية منبوذة (إيران وكوريا الشمالية وتيمور الشرقية) ودولة واحدة في أمريكا اللاتينية هي نيكاراغوا، وذلك نزولا من أزيد من 85 دولة كانت تعترف بالبوليساريو أواخر الثمانينيات، وهو ما يؤشر بقوة إلى انتهاء هذا النزاع المفتعل حول الوحدة الترابية المغربية.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير