بقلم: طالع السعود الأطلسي
التَّنزيل العمَلي لقرار مجلس الأمن 2797 الخاص بنزاع الصحراء المغربية، على مشارف “العشرة أمتار الأخيرة” لخطِّ الوُصول… ماكينة التنزيل، والتي تُشرف على تحريكها الإدارة الأمريكية، لم تتوقّف أو تتباطأ، منذ أن صدر القرار يوم 31 أكتوبر من السنة الماضية…
كما كان مُبَرمجا في القرار نفسه، في هذه الأيام الأخيرة من أبريل الجاري، يجتمع مَجلس الأمن يوم 23 منه لتلقي إحاطة المبعوث الشخصي للأمين العام السيد ستافان ديمستورا، حول معطيات المفاوضات التي جرَت بين الأطراف الأربعة، في مدريد وفي واشنطن… في الاجتماع نفسه، يقدم الجنرال رئيس بِعثة المينورسو تقريرَه السنوي حول أنشطة وملاحظات البِعْثة.
وضعية بعثة المينورسو ومآلها، ستكون موضوع التداوُل في جلسة مجلس الأمن ليوم 30 أبريل الجاري… والمتداول لدى جهات ديبلوماسية تتابع الموضوع، أن المُشرف الأمريكي على تنزيل قرار مجلس الأمن، يستعد لاقتراح حلِّ البِعْثة، وإعادة توجيه مَهامِها، بعد تقليص عدد أفرادها، إلى مواكبة تنزيل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.
نفس تلك المصادر الديبلوماسية، لا تُخفي ارتياحها للتقدُّم المُحرز في المفاوضات الرُّباعية، حول قرار مجلس الأمن… ودليلُها على التقدم، المنوَّه به، هو تحلُّق الأطراف الأربعة حول مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية… حتى بالمقترحات التي تنطلق منه لتناوِرَ بمحاوَلة الشطِّ عنه، باستعمال مُفرداته لتفريغها وشحنها بما يُبطل مفعولها، أملا في وأد المنجز الديبلوماسي المغربي في ركام الكلام الأجْوف… وهي مجرد محاولات عابثة على حاشية المسار الدولي للحل… ويحُدُّ من شغبها أنّ إطار المفاوضات مقنَّن ومفرداتُه محددة، ومُؤدَّياته مرسومة: تنزيل مقترح الحكم الذاتي في أقاليم الصحراء المغربية… وداخل هذه الدائرة تتحرك الأطراف الأربعة، أو ينبغي لها أن تفعل وغير مقبول منها أن تتجاوز ذلك الإطار…
مُتوقَّعٌ، أن تُشاكس الجزائر، مُباشرة أو عبْر إسناد المشاكسة للبوليساريو، في هذا الشوط الإضافي من حمْلها لوَهمٍ انفصالي ضِدَّ المغرب… والمتوقع أكثر، والأقوى فعالية، والملموس، أن يتحمَّس المشرف الأمريكي على مفاوضات تنزيل الحل المقرر دوليا، للتسريع بتنظيف المنطقة من موْقد توتُّر مختنق، ينفث، وحسب، دخان جمرات داخل رماده على مدى أزيد من نصف قرن، وفي موقع استراتيجي حسَّاس بأبعاده ومُوصِلاته الإفريقية، المتوسطية والعربية…
في خلفية الحمَاس الدولي للفعالية في تنزيل القرار الدولي بِحلِّ نزاع الصحراء المغربية، أنه نزاع مفتعل من أصله، و”العقل” الدولي الكامن وراء تدبير التوتُّرات دوليا والتحكم في ميزان حرارتها، على علم بذلك، وهو أدرى بمُسوِّغاته التاريخية والجيواستراتيجية من عدَمها… إنما اليومَ هو نزاعٌ فاقد لصلاحية مَفعوله في مُجريات توترات، تيارات الوضع الدولي وإعادة ترتيب قواه ومَراكز توليد القوة فيها، استراتيجيا، اقتصاديا وعسكريا…
الحق التاريخي للمغرب في أقاليمه الجنوبية الصحراوية، لم يكن موضوعَ لبْس أو جهل لدى القوى الدولية المتصلة تاريخيا، جغرافيا أو استراتيجيا بالنزاع… مؤخرا فقط بات ممكنا، بل ضروريا، الإعلان المدوي لتلك الحقيقة، وإدراجها واضحة في “سجل المحافظة” الدولية للحقوق الترابية الوطنية للبلدان… وذلك ما تابعناه من الإدارة الأمريكية، من فرنسا ومن إسبانيا، وهي الدول التي لها صلة تاريخية استعمارية أو لها ارتباطات استراتيجية بأوضاع شمال إفريقيا، عبر اعترافات قوية بمغربية أقاليمه الصّحراوية…
إنه انْحياز حمَاسيٌّ وعارم للمغرب، والآن، فقط، لأن المغرب، طوّر ممكناته، مقوِّماته وجاذبياته الاقتصادية، العسكرية (وضمنها الأمنية) والاستراتيجية… لا “إكراميات” مَجانية في السياسة الدولية… التدبير الملكي لسياسات المغرب، صان كرامة الوطن وقد ضخها بكرامة المواطنين ومَرَّن عضلات الأبنية السياسية، الاجتماعية والاقتصادية للبلاد على اقتحام تحديات التنمية بتفاؤل الإرادة و”تفاؤل” العقل… ولهذا هو المغرب مُحترمٌ ومُقدَّر وله تمَوقُع هام حتى في رجّات وتدافعات الوضع الدولي… والمغرب مطلوب، بفاعليته، للحضور في تدافُعات وتطورات الوضع الدولي، ولهذا وجب تخليصه من وَخَز شوْكة في حذائه، كان “يفخر” بدَسِّها فيه الراحل هواري بومَدين.
في هذا الشوط الإضافي، والأخير، من نزاع الصحراء المغربية، التوجه واضح… أمام القرار الدولي، المسار سالك والقاطرة فيه مُتحركة بقيادة أمريكية مُجِدَّة وبتفاعل فرنسي-إسباني حماسي معها… والمعني بهذا الوضع، من الجانب السلبي، هو الجزائر… وهي تدرك أن الأداة الانفصالية في عدائها للمغرب، تعيش نزعها الأخير… وهمُّها الانفصالي يختنق.
في الفضاء الدولي، تتراكم الاقتناعات الدولية بصوابية وفعالية مقترح الحكم الذاتي، عدا عن الاعترافات المتزايدة والوازنة بمغربية الأقاليم الصحراوية المغربية… وبعد صدور قرار مجلس الأمن 2797 المعبِّر عن الإرادة الدولية، الجماعية والمصمِّمة، بات واضحا للقيادة الجزائرية، أو هكذا ينبغي، أن لا سبيل أمامها سوى الالتحاق بالمسار الدولي، بمفرداته وبمؤدياته… وستمضي في ذلك الاتجاه بالضرورة… وبما تراه مناسبا لتسهيل هضمها لحقيقة تاريخية “جاهدت” من أجل تبديدها، ثم تعتيمها، ثم إبطاء وصولها إلى محطتها الجغرافية الأصلية والأصيلة…
الإرادة الدولية واثقة من قرارها ومتحمِّسة لتنزيله، بحيث أنها، اليوم، تبحث في تداعيات وترتيبات ما بعده، في أروقة الأمم المتحدة، دردشات بين الديبلوماسيين تفيد بأن الأمريكي المشرف على مفاوضات الحل، قد يكون أخبر الجزائر بالإعداد لتفكيك مخيمات تندوف، في سياق التنزيل الفعلي للحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية المغربية… ويعزز من مصداقية تلك “الدردشات” أن السيد دوسيت تاباري، المسؤول في مكتب تنسيق شؤون اللاجئين (شمال إفريقيا) بوزارة الخارجية الأمريكية، زار مخيمات تندوف هذه الأيام، بهدف استطلاع أوضاعها وإعداد تصور لمستقبل ساكنتها، خاصة منهم الذين لا يرغبون في العودة إلى الأقاليم المغربية… ومعلوم أن الجزائر لم تفصح أبدا عن عدد سكان تلك المخيمات، فضلا عن أنها تتكتم على الجنسيات الإفريقية التي خالطت الساكنة واستقرت في نفس المخيمات…
والمغرب، وفيٌّ لاختياراته ولتوجُّهاته، يقدم للمسار الدولي، مؤشرات جديته في استشراف تحولات ما بعد تنزيل الحكم الذاتي في أقاليمه الصحراوية، وما تفرضه من إعادة تشكيل هيكلية نظامه السياسي…
في المجلس الوزاري، ليوم 9 أبريل، الذي رأسه الملك محمد السادس، وجّه جلالته إلى حقن المسار التنموي بدفعة قوية، تمكنه من فضاء أكثر دينامية بتقوية الجهوية الموَسّعة، ووضعها في قاعدة التدبير التنموي، عبر تبييئها في الخصوصيات والحاجيات المتصلة بكل جهة على حدة، وإشراك المواطن، عبر المعبِّرات الاجتماعية عنه، في صوغ التصورات وتوجيه الإنجازات، ليحتفظ مركز الدولة بالوظائف التنسيقية، وإعمال الملاءمات الضرورية… وهو مشروع يُقنن الشفافية ويتيح للمواطنة ممارسة ذاتها جهويا لتصليب دعامات كل الوطن… وهو توجُّهٌ يوَفر البيئة الدستورية والتدبيرية لممارسة الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية…
وفي نفس الاجتماع تم إقرار البنيات الجهوية لتدبير الشأن الصحِّي، وتوفير الإطار الحاضن لتضافر عطاءات المبادرات الخاصة والتدبير العمومي للسياسات الصحية… فورا تقرر التوجيه وأنتجت له المبادرة التطبيقية.
ذلك التوجيه يوفرُ البيئة التنظيمية، الإدارية التي لا تُغرّب داخلها ممارسة الحكم الذاتي، حتى والجزائر محاصرة بالانحيازات للحقوق الوطنية المغربية، من جهة دوَل شمال المتوسط، ومن جهة جنوبها، بدوَل الساحل والصحراء…
وبأكثر من 130 دولة في العالم، المغرب جاهز ليفتح لها معابر متعددة… يناديها ويلح عليها إلى الانتقال من سردية مُعادية للمغرب أدمنتها لنصف قرن… وإلى العودة إلى ذاتها بتوجيه اهتمامها لحاجاتها التنموية الداخلية… ويرحب بها للاشتراك معه في حركيته التنموية، تترابح فيها معه، لتتمكن من تجديد مرتكزات نسيجها الاقتصادي، وتقليص اعتماده على ريع الطاقة الأحفورية، لإرساء روافع صناعية وزراعية وخدماتية أقوى وأوفر إنتاجية… المغرب جاهز لمساعدة جارته للعبور إلى المحيط الأطلسي، محفوفة بالتعاوُن معه ومتحركة فيه بالأخوة معه… كل ذلك ممكن، فقط حين تتحرر الجزائر من نزعة العداء للمغرب… وذلك ممكن، ضروري، وحتى إذا تأخر لا بد وأن يتحقق…
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير