بقلم: هيثم شلبي
في مكتب أحد مسؤولي شركة “سوناطراك”، تُعلَّق على الجدار خريطة كبيرة تُظهر شبكة الأنابيب الجزائرية الممتدة نحو أوروبا، وتحتها لافتة تقرأ: “الغاز سلاحنا الاستراتيجي”. لا يُعرف إن كانت اللافتة لا تزال معلقة اليوم، لكن المؤكد أن ذلك “السلاح الاستراتيجي” يحتاج إلى إصلاح شامل، وتحديث جذري، وربما إلى ميزانية لا تجدها الجزائر في خزينتها المثقلة.
بينما شهدت أسواق الغاز الطبيعي المسال في 2026 قفزات قياسية في الأسعار الفورية بنسب تراوحت بين خمسين وثمانٍ وستين بالمئة، كانت الخزينة الجزائرية تتأمل هذه الأرقام من بعيد، كمن يقف أمام واجهة مطعم فاخر ويحمل قسيمة طعام انتهت صلاحيتها منذ عامين. الثروة موجودة، الطلب موجود، الأسعار في السماء. غير أن ثلاثة قيود هيكلية متشابكة تحول دون الاستفادة منها، وخلفها صورة مالية كلية لا تبعث على الارتياح.
العقود القديمة ومنطق عصر آخر
تعتمد جُلّ صادرات الغاز الجزائري على مسارين رئيسيين: أنبوب “ميدغاز” الذي يربط الجزائر بإسبانيا عبر البحر المتوسط، وأنبوب “ترانسميد” الممتد عبر تونس نحو إيطاليا، فضلاً عن شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر ميناء أرزيو. إيطاليا وإسبانيا تستحوذان وحدهما على الحصة الأكبر من هذه الصادرات، وهو ما يجعل الجزائر مورداً شبه حصري لدولتين بعينهما، لا لاعباً في سوق عالمي مفتوح.
هذا التركيز الجغرافي يُفاقم مشكلة أعمق: نظام التسعير. فالعقود الجزائرية طويلة الأمد مع الشركاء الأوروبيين مرتبطة بصيغ سعرية مُعلَّبة، تتعلق في الغالب بسعر “برنت” مع فوارق زمنية في التعديل. الترجمة العملية أن الجزائر تبيع غاز 2026 بأسعار تعكس منطق 2024، وتحصل على “علاوة الاستقرار” بدلاً من “علاوة الأزمة”. وحين ارتفعت الأسعار الفورية في آسيا وأوروبا بتلك النسب المشهودة، لم تر الجزائر من هذه الطفرة إلا ظلالها.
الغاز الذي يُحرق نفسه في الداخل
لكن حتى قبل أن يصل الغاز إلى الموانئ، ثمة ما يلتهمه في الداخل. الاستهلاك المحلي تجاوز حاجز خمسة وأربعين مليار متر مكعب سنوياً، في بلد يعتمد على الغاز لتوليد ما يزيد على خمسة وتسعين بالمئة من كهربائه. هذه ليست إشكالية عابرة، بل هي نتيجة حتمية لسياسة دعم الطاقة المحلية التي تُباع للمواطن بأثمان زهيدة، مما يُولِّد إسرافاً منهجياً لا تجرؤ الدولة على معالجته سياسياً.
والنتيجة الحسابية قاسية: تراجعت تدفقات الأنابيب من نحو اثنين وخمسين مليار متر مكعب عام 2023 إلى حوالي تسعة وأربعين ملياراً في 2024. تراجع يبدو محدوداً في الأرقام المجردة، لكنه في سوق يشهد تنافساً شرساً على كل وحدة غاز يُعدّ إشارة إنذار لا رسالة طمأنينة. الجزائر تجد نفسها أمام خيار لا تحسَد عليه: إما تقليص دعم الطاقة المحلي لتحرير المزيد للتصدير، وهو خيار يفتح أبواب الاحتقان الاجتماعي، وإما الإبقاء على الوضع مع قبول تآكل حصتها في السوق الدولية.
أرزيو: بين الماضي المجيد والحاضر الصدئ
لنفترض جدلاً أن الجزائر تخلصت من قيود عقودها وحلّت معضلة استهلاكها المحلي، وقررت أخيراً الدخول بثقل إلى سوق الغاز المسال الفوري. ماذا ستجد؟ ستجد محطات التسييل في مجمع أرزيو بعظمتها التاريخية وشيخوختها التقنية. الطاقة التصميمية الاسمية تبلغ ثلاثين مليون طن سنوياً، لكن الواقع التشغيلي يروي قصة أخرى تماماً. في عام 2025 وحده، أسفرت الأعطال المتكررة وتقادم التجهيزات عن خسارة ما يعادل مئتين وثلاثين مليون متر مكعب من المبيعات المحتملة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي ترجمة لعقود من الاستثمار المتقطع وسياسات الصيانة المؤجلة. والأشد إيلاماً أن التحديث المطلوب لهذه المنشآت يُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، وهو رقم يطرح تساؤلاً جوهرياً: من أين تأتي الجزائر بهذا التمويل؟
الصورة المالية الكلية: حين تضيق الخيارات
هنا يكتمل المشهد بأبعاده الحقيقية. فالأزمة الطاقية ليست معزولة عن سياق مالي كلي ضاغط تعيش في قلبه الجزائر اليوم. احتياطيات النقد الأجنبي تراجعت إلى ما دون عتبة الستين مليار دولار، وهو مستوى لم تعرفه البلاد منذ سنوات، وتحوَّل في الخطاب الداخلي غير الرسمي إلى خط أحمر نفسي بامتياز. عجز الموازنة بلغ مستويات تاريخية تعكس الفجوة المتسعة بين الإنفاق العام السخي ومحدودية الإيرادات.
وفي المقابل، لا تُخفف الصادرات غير النفطية من هذا الضغط بأي قدر يُذكر، إذ لا تتجاوز خمسة مليارات دولار سنوياً. رقم يكشف بجلاء مدى فشل مساعي التنويع الاقتصادي التي تُعلَن في كل خطة خمسية منذ عقود. في المقابل، تتوسع فاتورة الاستيراد باستمرار لتغذية اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، وتتناقص عائدات المحروقات عاماً بعد آخر بفعل تراجع الصادرات وتذبذب الأسعار الدولية.
ولتأزيم المشهد أكثر، تتمسك الجزائر بموقفها التاريخي الرافض للاستدانة الخارجية كمبدأ سيادي. وهو موقف مفهوم في سياقه التاريخي، لكنه يصبح عبئاً حين تضيق قنوات التمويل الذاتي ويتسع الاحتياج الاستثماري. التحديث المطلوب في قطاع الغاز وحده -من تجديد منشآت التسييل إلى تطوير حقول جديدة وبناء طاقات تصديرية مرنة- يستلزم أموالاً لا تجدها الجزائر في وضعها الراهن دون شراكات خارجية حقيقية، أو ديون تتناقض مع خطابها السيادي.
أما مشروع التحول نحو الطاقات المتجددة، الذي يُقدِّمه المسؤولون كحل سحري لتحرير الغاز المحلي نحو التصدير، فيحتاج هو الآخر إلى استثمارات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات على مدى عقد، في وقت لا يتسع فيه هامش الإنفاق العام لمثل هذه المغامرات التحويلية.
منافسون لا ينتظرون
في الأثناء، العالم لا يقف انتظاراً لأن تحل الجزائر معضلاتها. المنافسون في قطر وأستراليا والولايات المتحدة يبنون طاقات تصديرية جديدة، ويُبرمون عقوداً بصيغ أكثر مرونة، ويصلون إلى الأسواق الآسيوية التي تدفع أعلى علاوات الأسعار في العالم. أوروبا من جهتها، في خضم إعادة هيكلة كاملة لمنظومتها الطاقية، تبحث بجدية عن تنويع مصادرها وتقليص اعتمادها على أي مورد منفرد. هذا يعني أن الحصة السوقية الجزائرية، حتى في أوروبا التي تهيمن عليها تقليدياً، ليست في مأمن.
ختاماً: حين تتقاطع الأزمات
تظل الجزائر دولة تمتلك ثروة طبيعية حقيقية لا خلاف على حجمها. لكن الثروة وحدها لا تترجم تلقائياً إلى قوة اقتصادية فعلية حين تتقاطع أزمات هيكلية متعددة في آنٍ واحد: عقود تُقيِّد السعر، استهلاك محلي يلتهم الفائض، منشآت طال تقادمها، واحتياطيات عملة تتآكل، في مواجهة عجز موازنة متصاعد، وواردات لا تتوقف، وصادرات غير نفطية تكاد تكون معدومة.
المفارقة المُرّة أن اللحظة التاريخية الذهبية، حين ارتفعت الأسعار الفورية إلى مستويات قياسية واشتعل العالم طلباً على الغاز، مرت أمام الجزائر كموجة لم تستطع ركوبها. ومعركة “سيادة الأسعار” التي خُسِرت اليوم لن تُكسَب غداً بتصريحات تُعلن أن الغاز سلاح استراتيجي في كل مناسبة، بل بإصلاحات هيكلية تتطلب ما تملكه الجزائر أقل فأقل كل عام: المال، والوقت، والإرادة السياسية.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير