رمطان لعمامرة.. نهاية “الثعلب” في الخرطوم على أيدي “جنرالات بن عكنون”!

بقلم: هيثم شلبي

لم تكن إقالة رمطان لعمامرة من منصب المبعوث الأممي الخاص إلى السودان في مطلع مارس 2026 مجرد تعديل في طاقم الوساطة الدولية. كانت نهاية مسار. نهاية رجل بنى سمعته على أنه أكثر الدبلوماسيين الجزائريين حنكةً وأطولهم عمراً في دهاليز المؤسسات الدولية، ليسقط في النهاية بتهمة أن مكتبه الأممي تحوّل إلى شيء آخر تماماً.

غوتيريش لا يُقيل مبعوثين في منتصف أزمات. هذه ليست ثقافة الأمم المتحدة ولا أسلوبها. والاستثناء يحتاج دائماً إلى تفسير يتجاوز البيانات الرسمية الباردة. المنظمة الدولية التي تُحسن تحمّل الفشل وتُجيد استيعاب الإخفاق، لا تُنهي مهام رجل في خضم أزمة إلا حين يصبح هذا الرجل هو المشكلة بذاتها.

 

كيف وقع الثعلب في الفخ

ما تكشفه المصادر الدبلوماسية في واشنطن ولندن يرسم صورة أكثر تعقيداً من مجرد “مبعوث منحاز”. لعمامرة لم يكتفِ بأن تتلوّن تقاريره بميول سياسية، وهو أمر يمكن التغاضي عنه في عُرف المؤسسات الدولية. المشكلة كانت في طبيعة ما كانت تتضمنه إحاطاته لمجلس الأمن، والتي وُصفت بأنها أقرب إلى “مرافعات” منها إلى تقييمات ميدانية محايدة.

الأخطر من ذلك ما أشارت إليه التقارير الاستخباراتية الغربية، من أن بعض الإحداثيات والمعطيات العسكرية التي وردت في وثائق صادرة عن مكتبه وصفت تجمعات مدنية بطريقة جعلتها عرضة للاستهداف. حين تبيّن لاحقاً أن هذه “المعطيات” كانت مغلوطة، وأن ضحايا مدنيين سقطوا في مناطق جرى تصنيفها خطأً بهذه الطريقة، لم يعد الأمر خلافاً سياسياً قابلاً للإدارة. أصبح ملفاً جنائياً بالمعنى الدبلوماسي!

غوتيريش، الذي كان يتحفظ بهدوء على أسلوب لعمامرة منذ أشهر، وجد نفسه أمام خيار واحد. الإبقاء على الرجل كان سيعني تحمّل المنظمة تبعات لا يمكن تبريرها. فجاء القرار بإنهاء المهام، والأهم، بالتحفظ على الوثائق، وهو إجراء استثنائي نادراً ما يُلجأ إليه. الأمم المتحدة لا تُجمّد أرشيف مبعوثيها إلا حين تكون الوثائق جزءاً من مشكلة تستدعي التحقيق لا مجرد الإغلاق.

 

الإمارات: الملف الذي لم يُذكر

لفهم ما جرى كاملاً، لا يمكن تجاهل السياق الذي يُشكّل الخلفية الفعلية للمشهد. السودان في مرحلة ما بعد 2023 ليس أزمة إنسانية مجردة، بل ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية متعارضة. والإمارات لاعب رئيسي في هذا المشهد، لها استثمارات، ولها حضور، ولها علاقات مع أطراف متعددة في النزاع السوداني.

الجزائر التي تنظر إلى النفوذ الإماراتي في المنطقة بعين لا تخلو من قلق عميق، وجدت في لعمامرة أداةً ذات شرعية دولية لمعالجة هذا الملف بطريقة غير مباشرة. توظيف منصب أممي لاستهداف نفوذ دولة أخرى ليس جديداً في تاريخ الدبلوماسية، لكن الجديد هنا هو الثمن الذي دُفع حين انكشفت اللعبة.

التنافس الجزائري الإماراتي ليس وليد الأزمة السودانية. جذوره أعمق وامتداداته أوسع، من ليبيا إلى منطقة الساحل، حيث يتقاطع نفوذان يسيران بمنطقَين مختلفَين تماماً: الجزائر تُدير ملفاتها عبر الوكالة والضغط الخفي، والإمارات تبني حضورها عبر الاستثمار والعلاقات المباشرة. في السودان، وجد هذا التنافس ساحة مكشوفة، وأراد النظام العسكري الجزائري توظيف لعمامرة ورقةً في هذه المواجهة. النتيجة كانت عكسية تماماً.

المفارقة أن الجزائر التي أرادت عبر لعمامرة توجيه ضربة للوجود الإماراتي في السودان، أنتجت في النهاية ما يُعزّز مكانة أبو ظبي في المشهد الدولي ويُخصم من رصيدها هي. الدول التي كانت تتحفظ على الدور الإماراتي في السودان باتت اليوم تنظر بعين مختلفة إلى من كان يرفع عقيرته بالانتقاد.

 

“بن عكنون” في مكتب أممي

السؤال الذي لا تطرحه البيانات الرسمية، لكنه يفرض نفسه على كل من تابع الملف عن كثب: من كان يُغذّي إحاطات لعمامرة؟

الرجل ليس ضابط استخبارات. هو دبلوماسي محترف بتجربة طويلة. وهذا بالضبط ما يجعل ما جرى أكثر إثارة للتساؤل. الدبلوماسيون المحترفون لا يُدرجون إحداثيات عسكرية في وثائقهم الأممية بناءً على اجتهاد شخصي. هذا النوع من المعطيات يأتي من مصدر، ويُمرَّر عبر قناة، ويُوجَّه نحو هدف محدد.

المؤسسات الغربية التي رصدت هذا النمط لم تُصرّح علناً بالتفاصيل، لكن التحفظ على الوثائق بقرار أممي هو في حد ذاته تصريح. الأمم المتحدة لا تُجمّد وثائق مبعوثيها دون سبب يستحق هذا الإجراء الاستثنائي.

ما يُكمل الصورة هو التوقيت. المعطيات التي وردت في وثائق لعمامرة الأخيرة جاءت في مرحلة كانت فيها العمليات العسكرية في مناطق بعينها في أوجها. “المعلومات الأممية” في مثل هذا التوقيت لها وزن مختلف تماماً عن التقارير الاعتيادية. وحين يتزامن التوقيت مع مصلحة واضحة لطرف بعينه في تصعيد العمليات في منطقة محددة، يصبح السؤال عن مصدر هذه المعطيات أكثر إلحاحاً مما تُريد الأطراف المعنية الاعتراف به.

 

رمزية هذه النهاية

لعمامرة ليس شخصاً عادياً في السياق الجزائري. كان وزيراً للخارجية لسنوات طويلة، وممثلاً للجزائر في أكثر المحافل الدولية حساسية، وصاحب سمعة بنيت بعناية على صورة “الحكيم الأفريقي” الذي يُشار إليه حين تستعصي الأزمات. هذه الصورة هي رأس المال الحقيقي الذي يُحوَّل لاحقاً إلى منصب أممي رفيع.

سقوط هذا الرصيد لا يعني فقط نهاية مسار شخصي. يعني أن النموذج بأكمله تعرّض لضربة موصوفة. الدبلوماسية الجزائرية التي تُقدّم نفسها تاريخياً على أنها “صوت الجنوب” و”راعية الحلول الأفريقية”، فقدت في الخرطوم ما يصعب استعادته: المصداقية أمام المؤسسات الغربية التي كانت لا تزال تمنحها هامشاً من الثقة.

المؤسسة العسكرية الجزائرية اعتادت على أن يكون لديها رجل في كل مكان، وأن يؤدي هذا الرجل دوره بالهدوء الكافي الذي يجعل الأمر غير قابل للإثبات. ما حدث مع لعمامرة هو أن الهدوء اختُرق، والأمر أصبح قابلاً للتوثيق بدرجة كافية لتحريك غوتيريش. وحين تنكشف اللعبة بهذه الطريقة العلنية، فإن الخسارة لا تقتصر على الورقة المحروقة، بل تمتد إلى كل الأوراق الأخرى التي تعتمد على نفس الأسلوب في دول ومحافل أخرى.

ثمة دبلوماسيون جزائريون آخرون يشغلون مناصب في هيئات دولية، يتابعون ما جرى لزميلهم بقلق مفهوم. ليس لأنهم يفعلون الشيء ذاته بالضرورة، بل لأن فضيحة الخرطوم ستجعل كل إحاطة تصدر عن مبعوث جزائري في أي منظمة دولية عرضة لمستوى مختلف من التدقيق. هذا هو الثمن الحقيقي لما فعله لعمامرة، ثمن لن يدفعه هو وحده!

اقرأ أيضا

أكادير.. توقيف سينغالي مبحوث عنه دوليا

تمكنت المصالح الأمنية بمدينة أكادير من توقيف مواطن من جنسية سنغالية يشكل موضوع أمر دولي …

بريطانية تكتشف حملها أثناء المخاض

فوجئت المسافرة البريطانية هاتي شيبارد، 21 عاماً، التي كانت في رحلة سياحية إلى أستراليا، بأنها …

مطار تطوان يستقبل أكثر من 19 ألف مسافر خلال يناير الماضي

سجل مطار تطوان سانية الرمل الدولي، خلال شهر يناير الماضي، حركة تجارية بلغت 19 ألفا …