الرئيسية / وجهات نظر / حكومة بنكيران تحت المجهر
30d1f851c90b4ea2793126cbcf954f61

حكومة بنكيران تحت المجهر

صارت لحية رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران، قصيرةً وناعمة، منذ دخل إلى الحكومة، ولم تعد ربطة العنق تفارق قمصانه، بعدما كان يرفض استعمالها، ويده لم تعد تتردد في السلام على النساء، على غير حاله لمّا كان إسلامياً معارضاً، وخطيبَ جمعة يعظ الناس كل أسبوع.
هل مازال حزب العدالة والتنمية الإسلامي يخيف خصومه في الداخل والخارج، بعدما أمضى قرابة سنتين ونصف سنة في الحكومة، وهي ائتلافية من أربعة أحزاب، اشتراكي وإسلامي وليبراليين؟ هل تطور حزب بنكيران، فكرياً وسياسياً وأيديولوجياً، مع مرور الزمن والاحتكاك بالواقع وشؤون الحكم، أم هو حزب فكره مغلق، وعقله بلا مفاتيح، يستعمل التقية السياسية، ويخفي برنامجاً وخططاً وكتائب سرية، تهدّد الحريات الفردية للمغاربة، وحقوق المرأة المكتسبة، وتعبيرات الفن المختلفة في مملكةٍ، تبعد ١٢ كيلومتر عن أوروبا؟
هنا، باختصار، نماذج قرارات وسياسات للحكومة التي يقودها حزب إسلامي، في مجالاتٍ حساسة، ونترك الحكم للتاريخ على هذه التجربة، والتي مازالت صامدةً في زمن الخريف العربي، بعد انهيار تجربة الإسلاميين في مصر، وتراجعها في تونس.
عقد المهرجان الدولي للسينما في مراكش، في العامين، الجاري والماضي، في وقته، وبالدعم نفسه الذي تساهم فيه وزارة الإعلام، وهذه يديرها وزير إسلامي لم يتدخل، إلى الآن، في برنامج المهرجان، ولا في ضيوفه، ولا في لباس نجومه على السجادة الحمراء، مع العلم أن الحزب الحاكم، لما كان في المعاضة، كان دائم الانتقاد للمهرجان، وكان يأخذ عليه طابعه (المتغرب)، وانفتاحه على السينما العالمية، من دون ضوابط أخلاقية، يراها الحزب ضروريةً لما يسميه الفن النظيف.
ولم يعيّن الوزير الإسلامي رئيساً للجنة الدعم السينمائي، المكلفة بصرف حوالى ستة ملايين دولار كل سنة على المخرجين ومشاريعهم السينمائية، عضواً من حركة التوحيد والإصلاح (حركة دينية بمثابة الذراع الأيديولوجية لحزب العدالة والتنمية) لتطبيق نظرية الفن النظيف. اختار رجل اقتصاد علمانياً، معروفاً باستقلاليته واختلافه الفكري مع حكومة بنكيران، اسمه إدريس بنعلي (توفي أخيراً)، ووزعت اللجنة دعم الحكومة للأفلام السينمائية، بناء على دفتر تحملات (معايير مالية) ومعايير فنية، من دون شروط أيديولوجية، ولا إلزام الوزارة (الاسلامية) المخرجين السينمائيين بتغطية رؤوس الفنانات، وإزالة قارورات “الشمبانيا” من المشاهد الساخنة للأفلام.
وصرفت وزارة الأسرة والتضامن، (تقودها امرأة محجبة من حزب العدالة والتنمية)، هذه السنة، حوالى مليون دولار، دعماً حكومياً على نشاط 225 جمعية نسائية، تنحدر من مختلف الأطياف السياسية والأيديولوجية، من دون تمييز، ومن دون وضع قيود أيديولوجية على نشاطها للحصول على الدعم الحكومي، مع العلم أن منها جمعيات مناهضة كلياً للحزب الاسلامي الحاكم، ومنها ما تدعو إلى إباحة الإجهاض بقانون، وتدافع عن منظور(غربي) لأوضاع المرأة في المغرب.
منذ مجيء الحكومة (الملتحية)، جرى تعيين أكثر من أربعمئة موظف كبير في الدولة (سفراء، ولاة، وكلاء وزارات، مديرون كبار في الإدارة، رجال سلطة في المدن والمحافظات..). من بين هؤلاء، لم يضع عبد الإله بنكيران، من حزبه الإسلامي سوى ثلاثة أو أربعة موظفين، اختارتهم لجان متخصصة، بناءً على معايير قانونية، والباقي تكنوقراط، أو كوادر (أطر بالتعبير المغربي)، تابعة لأحزاب معارضة، أي أن تهمة (أخونة الدولة) لا تصمد أمام هذه الوقائع الملموسة.
هل يخفي الحزب الإسلامي أجندةً سريةُ لأسلمة المجتمع المغربي، وأن الوقت لم يحن له بعد، ليكشف عن وجهه الحقيقي؟ هذا سؤال مشروع، لكنه بشأن النوايا (أو النيات). جوابه في علم الغيب، وفي السياسة، لا يُحكم على الغيب، بل على الواقع والحقائق على الأرض، وهذه كلها تقول، اليوم، إن الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة يتصرف كحزب خدمة، لا كحزب أيديولوجيا، وهمومه هي البطالة ومحاربة الفساد ونسب النمو ومعدلات التضخم وتوازنات المالية العمومية، وليس لباس المغاربة وعقائدهم وأذواقهم. وعندما شرع في التدبير اليومي للسلطة، بدأ يراجع أفكاره، وعندما بدأ يغيّر، بدا هو نفسه يتغير، وإذا استمر على هذا المنوال، فقد يصير غداً حزباً على منوال حزب العدالة والتنمية التركي، مع جرعةٍ زائدةٍ من المحافظة، لأن المجتمع المغربي أكثر محافظة من التركي.
إدارة السلطة، وتدبير شؤون 34 مليون نسمة، باختلاف توجهاتهم وأفكارهم وأنماط عيشهم ومصالحهم، لابد من أن يؤثر في أي حزبٍ، أو جماعة، مهما كان المعدن الذي صنعا منه. نعم، مازالت هناك رؤوس “صلبة”، تعاند مسلسل المراجعات الهادئ في فكر الحزب والحركة، لكن العبرة بالاتجاه العام وسط الإسلاميين، إنها إحدى ثمار الربيع العربي الذي أخرج الإسلاميين من الأوهام إلى عالم الحقائق.
 “العربي الجديد”