الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا: استعصاء الدولة والسلطة والاقتصاد
205bca721172719462a4e1ef692283f7

ليبيا: استعصاء الدولة والسلطة والاقتصاد

هذه لمحة موجزة عن الحال في ليبيا اليوم . رئيس الوزراء المعين العقيد المتقاعد عبدالله الثني الغدامسي قدم الاثنين اعتذاره عن تشكيل الحكومة، بعد أن تعرض لاعتداء مسلح هو وعائلته على طريق المطار ونهبت سيارته، علماً أنه كان وزيراً للدفاع في حكومة علي زيدان المستقيلة . معروف أن زيدان نفسه كان قد تعرض للخطف قبل أن تتم إقالته، بزعم إخفاقه في السيطرة على موانئ تصدير النفط شرق ليبيا، مع الإشارة إلى أن الحكومة المستقيلة لم تكن تضم وزيراً للداخلية في بلد يعاني الانفلات الأمني المطلق، حيث يتم قتل القضاة وأعضاء الأجهزة الأمنية والأجانب يومياً في كل مناطق ليبيا، خاصة في الشرق الذي ثار على النظام السابق .
رئيس الوزراء السابق علي زيدان يتسلل هرباً إلى خارج ليبيا ويهدد بالعودة إليها ل”تحريرها من التيار الإخواني” بعد أن كان هذا التيار يوفر التغطية البرلمانية للرئيس المستقيل الذي كانت تحميه ميليشيات الزنتان . أما عجز زيدان عن حماية موانئ تصدير النفط شرق ليبيا فمرده إلى سيطرة الرجل القوي في إقليم برقة إبراهيم الحضران على تلك الموانئ، بحجة أن عائدات النفط الليبي يجب أن توزع بطريقة عادلة بين أقاليم البلد الثلاثة، أي برقة وفزان وطرابلس، وما لم يتم الاتفاق على ذلك فالموانئ ستظل مقفلة حتى إشعار آخر . وقد أدى إقفالها إلى انخفاض تصدير النفط من مليون ونصف المليون برميل يومياً إلى 110 آلاف لا تكاد تكفي لصرف رواتب قسم صغير من الموظفين .
معروف أن الحضران قائد سابق في شرطة حماية موانئ النفط وقد نجح حتى الآن في تجنيد أكثر من عشرين ألف مقاتل وتزويدهم بالأسلحة الحديثة، وحاز ثقة الجنرال خليفة حفتر قائد الانقلاب الأخير الفاشل وزعماء القبائل والعائلات المهمة والملكيين وبعض أبرز قدامى عهد القذافي، فضلاً عن تعيينه لحكومة إقليمية يعمل على توفير الاعتراف الدولي والإقليمي بها . في هذا الوقت تعلن ميليشيات مصراتة المقربة من الإخوان المسلمين عن محاكمة نجلي القذافي سيف الإسلام والساعدي من دون القدرة على نقلهما إلى المحكمة في طرابلس العاصمة، وفي هذا الوقت أيضاً تتمركز قوات مختار بلمختار في جنوب ليبيا، وقد نجح هذا القائد السابق في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي في توحيد جماعته المعروفة باسم “الموقعون بالدم” مع جماعات أخرى تحت اسم “المرابطون” . وإذا ما جمعنا هذه القوة في الجنوب مع قوات إبراهيم الحضران في الشرق، ومع ميليشيات مصراتة وميليشيات الزنتان ومع غيرها من الجماعات المسلحة الصغيرة هنا وهناك وهنالك، نصل إلى حصيلة أساسية أكدتها المنظمات الدولية، هي أن ليبيا أصبحت البلد الأكثر فلتاناً أمنياً في العالم، ولعل هذا ما يفسر اتفاق بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة على تحذير رعاياها من التوجه إلى ليبيا، وإعلان واشنطن عن فدية مالية لمن يأتي بمختار بلمختار حياً أو ميتاً .
يفصح ما سبق عن استعصاء سياسي وأمني ليبي متعدد الوجوه والمستويات، من أبرز أسبابه أن جميع القوى التي ثارت على النظام الليبي السابق كانت متفقة على الإطاحة بالقذافي ومختلفة على كل شيء آخر . وكان من الطبيعي أن تجد نفسها في مواجهة بعضها البعض غداة سقوطه . والسبب الثاني يكمن في فشل الإخوان المسلمين في الإمساك بمفاتيح اللعبة السياسية في البلاد . فهم يسيطرون على البرلمان بالاتفاق مع الليبراليين المشتتين، وقد بدا هذا الفشل جلياً للعيان في بداية فبراير/ شباط الماضي عندما قرر البرلمان التمديد لنفسه حتى نهاية العام ،2014 الأمر الذي أثار حفيظة الناس في مختلف المناطق، ما أدى إلى تراجعه والإعلان عن انتخابات مبكرة من دون تحديد موعد لها حتى الآن . وإذا كان من المتعذر إجراء هذه الانتخابات بلا حكومة، وإذا كان تشكيل الحكومة متعذراً كما تبين من استقالة الثني، فهذا يعني أن الدولة الليبية متعذرة، ومع تعذرها ينفتح الوضع الليبي على كل الاحتمالات، ولعل أخطرها انفصال الأقاليم الليبية عن بعضها البعض، وإعلان كل منها دولة مستقلة . والواضح أن الشرق الليبي صار شبه مستقل في حكومته وموارده وجيشه، وهو يضع بقية المناطق الليبية أمام خيارين لا ثالث لهما: الانفصال أو الفيدرالية .
في المقابل لا يملك الإخوان المسلمون الوسائل التي تتيح لهم الحفاظ على ليبيا موحدة، فهم شاؤوا أم أبوا يستندون إلى قوة ونفوذ إقليم واحد أو بعض هذا الإقليم، وبالتالي من الصعب أن يقهروا إبراهيم الحضران ويجبرونه على العودة عن الخيار الفيدرالي، وإن حاولوا استخدام القوة ربما يدفعوه نحو الانفصال .
من جهتهم لا يحتفظ الليبراليون أيضاً بوسائل تتيح لهم الانتقال بليبيا من القذافية إلى الليبرالية، فهم يصدرون عن تمثيل اجتماعي مشتت، وعن تجربة سياسية حديثة، وتمثيل عارض من الصعب ضمان استمراره في الانتخابات المقبلة، ولعل هذا ما يفسر أيضاً تواطؤهم مع الإخوان المسلمين على تعطيل الاستحقاق البرلماني .
والبادي في هذا المشهد الفوضوي أن القوات المسلحة النظامية هي الأضغف في بازار السلاح والمسلحين، وبالتالي لا يمكنها حماية دولة ناهضة أو الحفاظ على وحدتها في حال المجابهة مع الميليشيات المسلحة، وقد اختبرت الحكومة عجز الجيش أمام خطف رئيسها، وأمام فشله في مواجهة المسيطرين على موانئ الشرق .
قصارى القول إن المشهد الليبي يضمر استعصاءات متعددة عسكرية وسياسية وأمنية واقتصادية تنمو في تضاعيفها قوة إسلامية متطرفة، قد تكون الأكبر والأخطر في العالم بعد أفغانستان، وتولد من هذه الاستعصاءات خيارات مصيرية تتراوح بين الفيدرالية والانفصال والحرب الأهلية المفتوحة، ليتضح هنا أيضاً أن ربيع الإخوان الليبي يبدأ بأزمة انتقالية، ومن ثم الفيدرالية أو/والحرب الأهلية الدائمة .
“الخليج”