الرئيسية / وجهات نظر / الصحراء بين الحقوقي والسياسي
54831213dc147a3836e3bc9491f2e068

الصحراء بين الحقوقي والسياسي

أي فرق أن يكون الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون تحدث عن آلية لرقابة أوضاع حقوق الإنسان في الصحراء، أو يكون عرض إلى رقابة دائمة وتحاشى ذكر الآلية. جواب ذلك أن العاهل المغربي الملك محمد السادس دعاه إلى التمسك بالإطار الثابت للمفاوضات ومرجعيات قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمها أن بعثة «مينورسو» في الإقليم المتنازع عليه، تتولى رعاية وقف النار وتسهيل خطة التسوية السلمية. وليس ملف حقوق الإنسان من اختصاصها.
فالأمم المتحدة لها آليات تعمل في هذا النطاق، تتمثل في مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وقضايا حفظ السلام لا تشمل هذه الأوضاع إلا في الحالات المرتبطة بانهيار الدول وتنامي الانتهاكات الجسيمة، ذات العلاقة بالصراعات العرقية والطائفية وحروب الإبادة. والأمر لا ينسحب بأي شكل من الأشكال على ملف الصحراء. كون الخلافات الناشئة حوله انبرت في اتجاه المقاربة الحقوقية للتغطية عن جمود الموقف السياسي ومأزق الأزمة التي تراوح مكانها. بصيغة أخرى فالمشكلة سياسية ولا يمكن اختزالها في الجانب الحقوقي، ومهما كانت نتائج التركيز على البعد الحقوقي، فإنها لا تلغي واقع أن المفاوضات عالقة ووجهات النظر متباينة، والآفاق لا تنفتح إلا لتعاود الانغلاق أمام باب بلا مخرج.
عندما أقر مجلس الأمن صيغة الحل السياسي للنزاع، كان واضحاً أنه يرغب في إيجاد بديل للمقاربات السابقة التي آلت إلى الفشل، ولم يتمكن من استبدال القرارات السابقة بأخرى تستنسخها كلياً، لأنها ملزمة، فكيف له أن يغير في طبيعة ومهام بعثة «مينورسو» من دون أن يشمل المنظور الجديد كل جوانب النزاع، أقله الإعلان صراحة عن إقبار خطة الاستفتاء، طالما أن قراراته تذهب إلى وصف مبادرة الحكم الذاتي بأنها «جدية وواقعية وذات صدقية».
بهذا المعنى يبقى جوهر الخلافات سياسيا، ولا يمكن حله إلا في نطاق سياسي يخص مجالات تعاون الأطراف المعنية في ما بينها والأمم المتحدة، أي اختراق حال الجمود عبر الاتفاق على مرجعية وفاقية تشكل أرضية المفاوضات. غير أن الذهاب قدماً في اتجاه بناء الثقة حول هذا الخيار تحديداً، يتطلب أن يكون هناك مفاوضون يتحملون المسؤولية إزاء اتخاذ القرارات الملزمة. والحال أن شكل المفاوضات لم يطرأ عليه أي تغيير، ولا يزال مفهوم الأطراف المعنية يراوح المكان بين هامش ما هو مباشر وما هو غير مباشر، أي أن الصيغة التي كان أقرها الوسيط الدولي السابق جيمس بيكر عندما كان بصدد وضع ترتيبات خطة التسوية ما زالت هي نفسها، مع أن الانتقال إلى مفهوم «الحل السياسي» كان يتطلب تغييره بواقع جديد. وفي حال الإبقاء على الطابع الفضفاض للأطراف المعنية، يصعب إحراز أي تقدم.
في كل مرة تندلع فيها أزمة في التعاطي وملف الصحراء، ينتبه المغرب إلى ضرورة التمسك بالإطار الذي أقرته الشرعية الدولية، أي مرجعية الحل السياسي وآليات المفاوضات. مصدر ذلك أن أي «انحراف» عن ثوابت الشرعية الدولية يهدد مسار التسوية ويدفع إلى تأزيم الأوضاع أكثر. لذلك يصبح التعاون الكامل مع الأمم المتحدة مطلوباً على مستويات عدة. ليس أبعدها معاودة استئناف المفاوضات من النقطة العالقة التي توقفت عندها. وفي مقدمها خلاصات هامة تفيد أن استقلال إقليم الصحراء «ليس حلاً» وغير قابل للتنفيذ.
بيد أنه بدل العودة إلى طاولة المفاوضات، حرص الموفد الدولي كريستوفر روس الذي تحظى جهوده بدعم دولي على ضمان القدر الأدنى من النجاح لأي مفاوضات مباشرة. ولأجل ذلك جرب تنظيم جولات عدة من المفاوضات غير الرسمية، وهو اليوم بصدد امتزاج الرأي حيال طبعة جديدة للمفاوضات، تبدأ منفصلة ولا تكتمل إلا بدعم الأطراف المعنية كافة. ومن غير الوارد إحراز أي تقدم في هذا الإطار خارج تفعيل المفاوضات، إذ تصبح جوهرية وتنفذ إلى جوهر الموضوع. وقتذاك لن يكون البحث في أي إشكال مستبعداً، وضمنه استخدام ثروات الإقليم لفائدة سكانه وتكريس أوضاع احترام حقوق الإنسان وإقرار مبدأ العودة الطوعية للاجئين في مخيمات تيندوف جنوب غربي الجزائر. وما لم تشمل أي تسوية سبل إدماج العائدين، فإن الاكتفاء بطرح البعد الحقوقي ليس الطريق الأمثل. ويستدل المغاربة على ذلك بأن قرارات مجلس الأمن تركز على تسهيل مهمة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في إحصاء اللاجئين أولاً. فالحديث عن سكان الصحراء لا يكتمل من دون أن تشمل إجراءات بناء الثقة والإدماج كافة المتحدرين من أصول صحراوية. وربما كان الخلل في التعاطي وملف الصحراء نابع من أنه ينظر إلى الأوضاع في الأقاليم الواقعة تحت نفوذ المغرب من دون غيرها. وهنا مصدر الاختلالات التي لا تساعد في تشكيل فكرة مكتملة عن الأزمة من كل جوانبها وأبعادها.
“الحياة” اللندنية