الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر في قلب الإعصار
6c701c78869f59779b08413a9df76c15

الجزائر في قلب الإعصار

تتخذ الأزمة في قمة النظام الجزائري منحنى خطيراً باقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، التي سيُنظم دورها الأول يوم 17 نيسان/أبريل المقبل، ودنوّ اليوم الذي سيتوجب فيه على الرئيس المنتخب اتخاذُ أو تزكية قراراتٍ «عضوية» مهمّة (أي متعلقة بمؤسسات الدولة وبنيتها والمبادئ التي تحكمها). الصراعُ بين الفريق محمد الأمين مدين، المدعو توفيق، الذي يُسيّر منذ 23 سنة البوليسَ السياسي (دائرة الاستعلامات والأمن، أو الاستخبارات العسكرية)، ورئيسِه اسمياً، نائبِ وزير الدفاع وقائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح – المسانَد من قبل الرئيس بوتفيلقة – أصبح صراعاً على الملأ، يجري على خلفية قرارات إبعاد جنرالات من الاستخبارات ومعارك محتدمة مسرحها الصحافة. وقد أرغم نشر الغسيل الوسخ هذا رئيس الدولة، من خلال بيان أصدره في 24 شباط/فبراير الماضي، على التدخل لمحاولة فرضِ الصمت في صفوف النظام. ونجح في ذلك نسبياً. لكنّ هذا الصمت لم يعد يخدع أحداً، فالنزاعُ، وإن خفَت صوتُه، لا تزال رحاه تدور وسيُسفر إن عاجلاً أو آجلاً عن انسحاب أحد الطرفين المتصارعين، ذلك أن الزمن تجاوز التوافق في القمة الذي فُرض في مطلع التسعينيات، تحت إشراف الجنرال العربي بلخير (المتوفّى سنة 2010)، والجنرال خالد نزار (المتقاعد سنة 1994). وقد سرّعت الشرخ داخل المجموعة الحاكمة ضرورة حدوث تجديد جيلي زادت طابعَه الاستعجالي الإخفاقات البيّنة لدائرة الاستعلامات والأمن في مجاليْ مكافحة الإرهاب والوقاية منه، خاصة في جنوب البلاد الصحراوي وفي منطقة الساحل الإفريقي. وتغذي هذا المناخَ الوخيم الخلافات حول ترشح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية رابعة، بينما تدهورت صحته بشكل بالغ.وبعد هذه المنازلات المثيرة للقلق، تمكنت الحملة الانتخابية للرئاسيات – وهي حملة سوريالية بتمام المعنى وكماله – من اكتساب بعض الحضور الإعلامي، وإن كان حضوراً ضعيفاً باهتاً. وقد أوكل المرشح الرئيسي، العاجز عن الحركة والحديث لأكثر من ثوانٍ معدودات، إلى عبد المالك سلال عديم الشعبية، مهمةَ تنشيط حملته. فغادر هذا الأخير مؤقتاً منصبَه كوزير أول لتولي إطلاق النُّكت والدعابات الفجة. لكنه اضطُر إلى تقليص برنامج مهرجاناته الشعبية لأن ظهورَه فيها يثير من السخط عليه أكثر مما يثير من التعاطف مع المرشح الذي يتحدث باسمه.وليس الحال أحسنَ بكثير بالنسبة للمرشحين المكلفين من طرف البوليس السياسي للعب دور «أرانب السباق» لمصلحة بوتفليقة. فأداؤهم أسوأُ من كل المتوقع، إذ لم ينجحوا في غير إنتاج كاريكاتيرِ حملة انتخابية. وفيما يخص من المترشحين أولئك الذين يقتصر دورُهم على تجميل الاقتراع، تلقي المرشحة التروتسكية لويزة حنون خُطَباً طويلةَ متمحورة حول تهديد «اليد الأجنبية» أمام جمهور لا يتكون في بعض الأحيان إلا من أولاد صغار، في حين عجز باقيهم عن الحشد خارج محيطهم الشخصي. أما المعارضةُ الزائفة، التي سُمح لها بالدعوة إلى مقاطعة الاقتراع أو رفض عهدة عبد العزيز بوتفليقة الرابعة، فليست حتى قادرة على ملء قاعات الاجتماع التي وُضعت تحت تصرفها.
حركة «بركات» لم تمد جسراً مع الرأي العام
لا صدى يُذكر لهذه الحملة الانتخابية الطامحة إلى كسر جدار اللامبالاة الذي أقامه المجتمع حول نفسه. فالأحياء الشعبية في كبرى المدن بعيدة تماماً عن تحرّكات يتحكم في خيوطها، بدرجة أو بأخرى، الدائرون في فلك السلطة. ويرى الكثيرون أن هذا الوضع أفضل من غيره، فلو انفجر غضب الشرائح الاجتماعية المحرومة من فوائد الريع فهو سيدمر كلّ شيء، النظام وزبائنَه، ولكن أيضاً – وهو ما يخشاه عديد الملاحظين – البلد والمجتمع بأسرهما.ولا ضرورةَ للتمتع ببصيرة نافذة لندرك أن الجزائريين المثخنين بجراح «الحرب على الأهالي» في التسعينيات، المنظور إليهم اليوم بازدراء من طرف «بارونات»/ لصوص النظام، متردّدون بين لامبالاة تامة وتبرم عميق. وباستثناء زبائن السلطة، ممن ينالون بعض فتات الريع، لا يصغي المواطنون إلى دعاة التحجّر السياسي والاقتصادي المتخفي في رداء «الاستقرار»، ولا إلى أولئك الذين يتمحور موقفُهم على رفض عهدة بوتفليقة الرابعة ويعدّون أمراً ثانوياً إعادةَ النظر في نظام سياسي معادٍ للحريات عديم الفاعلية ومستشري الفساد.«بركات» – وهي حركة تنشّطُها شخصيات ظهرت إلى الوجود عفوياً، ولا يعرفها على الساحة أحد وإن كانت تنتمي، على ما يبدو، إلى الطبقات الوسطى – لم تتمكن هي الأخرى من مدّ جسر بينها وبين الرأي العام. فرغم تغطية إعلامية واسعة ونشاط محموم على الشبكات الاجتماعية (أو ربما تحديداً بسببهما) تجتذب المظاهرات التي تحاول تنظيمَها من عناصر الشرطة أكثر مما تجتذب من المتعاطفين.وكما لا يُقرّ الجزائريون بأية مصداقية للنخب ذات الحضور الإعلامي الطاغي، ينظرون بريبة إلى الحركات من قبيل «الربيع العربي»، فهم لا يُبدون الرغبة في قصف «ديموقراطي» غربي. ورغم أنهم، في مجملهم، لم يكونوا يُكنّون للعقيد القذافي كثيراً من الودّ، لم يستطيبوا البتة رؤيةَ بلد عربي مسلم آخر، ليبيا بعد العراق، يُدمَّر باسم التحرير الديموقراطي الزائف من طرف قوى استعمارية سابقة تدعمها الولايات المتحدة الأميركية. كذلك، لا يجهلون أن الثورة العربية الحقة الوحيدة هي تلك التي يقوم بها الشعب التونسي. أما كل الأخريات فأفسدتها التأثيرات الأجنبية، من اليمن، الذي تُمسك بخناقه المملكةُ العربية السعودية، إلى سوريا، التي تحوّلت إلى ميدان معركة جيو – إستراتيجية، مروراً بمصر الرازحة تحت نير دكتاتورية عسكرية. ويُنظر إلى الرهانات السياسية في الشرق الأوسط على المستوى الشعبي من زاوية أساسية تخص قضية الشعب الفلسطيني. فرؤية الغرب وملوك الخليج يهبّون لنجدة «المعارضات» المسلحة في هذه البلدان لا نتيجةَ له سوى إفقادهم كل مصداقية في نظر الجزائريين الذين دَفعوا، في عزلة التسعينيات الرهيبة، ثمنَ حرب طاحنة من أجل اقتسام الريع. وتُميز هذه الحساسية السياسية الخصوصية الجزائر مثلما يُميزها تاريخُها الحديث، وهي ما يفسر صبر الجزائريين على الطغاة المتسلطين على رقابهم رغم إدراكهم مدى خستهم تمامَ الإدراك.
فساد مستشرٍ وإهدار للموارد
ويزيد مشقةَ احتمال العجز شبه الكامل عن إدارة البلاد والفساد المخيف الذي يمسّ كلَّ القطاعات لكون نهاية ريع المحروقات الأحفورية (97 في المئة من مداخيل الجزائر الخارجية) ليس وهماً من نسج الخيال. صادرات الغاز لم تتجاوز 45 مليار متر مكعب في 2013، وانخفاضُها هذا هو جزئياً أحد تداعيات الهجوم الإرهابي على موقع تغنتورين الغازي في 16 كانون الثاني/يناير 2013 الذي سبّب فقدان طاقة تصديرية قوامُها 8 مليارات متر مكعب. لكن خبراء جزائريين يرون أن الميل التراجعي للإنتاج الغازي بدأ قبل هذا الهجوم. وقد وصل هذا الإنتاج أعلى قممِه في 2005 بـ 65 مليار متر مكعب، وما أبعد هذا الرقم عن التوقعات بإنتاج 85 مليار متر مكعب في 2012.الإنتاج البترولي هو أيضاً في طور التراجع فالاكتشافات الجديدة هي لحقول متوسطة الأهمية لا غير، ولم يستبعد مسؤول سابق لشركة البترول والغاز (سوناتراك) أن تجد الجزائر نفسَها، إذا لم تبذل جهوداً كبيرة في التنقيب ولم تتبع سياسة فعالية طاقوية ناجعة، عاجزة في 2030 عن الوفاء بالتزاماتها التصديرية تجاه زبائنها. ويؤكد الخبراء أن استغلال الغاز الصخري لن يكفي لتعويض التراجع الحتمي للقدرات الإنتاجية الوطنية، وأنه في أحسن الأحوال، سيتمكن فحسب من تخفيف آثار انحسار إنتاج الغاز التقليدي في السنوات المقبلة. ولا تقلّل هذه الآفاق المظلمة مطلقاً جشع مسيري دفّة البلاد الفعليين والأوليغارشيا النافذة وزبائنِها ممن يطبقون، منذ سنين، سياسة اقتصادية هي في الواقع سياسة نهب حقيقي.وتساهم في تسميم المناخ العام بشكل كبير سياسة توزيع الريع بمنأى عن كل مساواة (عدد المليارديرات الذين نشأوا من عدم ليس أقلّ إثارة للدهشة من مستوى بؤس شرائح بأكملها من السكان). وتبدو استراتيجية «الرشوة العامة» بهدف تهدئة الغليان الاجتماعي باهظة التكلفة بقدر ما هي عديمة الفعالية، فنصف الخمسة وثلاثين مليون جزائري لا يعيشون في مساكن مناسبة، وإن مرضوا لا يحصلون على علاج مناسب. ومثَلُها مثل المنظومة الصحية، تعيش المنظومة التعليمية، من الطور الابتدائي إلى الجامعة، انتكاسةً تامة. وتُعد نسبة البطالة المرتفعة، خاصة في أوساط الشباب، أبلغ دليل على أن الاقتصاد الجزائري مبنيّ كلّيّة على تصدير للمحروقات هو في طور الانحسار، واستيراد في نمو مستمر، موجَّه بالأساس للاستهلاك. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الفائض التجاري انمحى بعد أن كانت قيمتُه 20 مليار دولار في 2011، وإلى أن كفّتيْ ميزان المدفوعات كانتا شبه متكافئتين في نهاية 2013، فموارد صادرات المحروقات انهارت من 70 مليار دولار في 2012 إلى 63 مليار دولار في 2013، في حين نمت الصادرات بنسبة 7 في المئة.
العدّ العكسي بدأ
وإذا كان واضحا أن لا أحد يتمنى «اضطراباً جزائرياً» شاملا، بالنظر إلى أخطار انتقال عدواه، فواضح أيضاً للعديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين أن إضعاف الجزائر بصورة مستدامة يخدم استراتيجياتِهم الإقليمية. وفضلاً عن أنها أُعطبت سياسياً واقتصادياً، فالجزائر اليوم مكمّمة الفم ديبلوماسياً، والشاهد على ذلك تكاثر المجموعات الجهادية في الساحل الإفريقي وعودة القوة الاستعمارية السابقة، فرنسا، إليه عسكرياً. ويساعد تحييد تأثير الجزائر – الذي يتجلى بخاصة من خلال مساندتها للقضايا العادلة وأهمُّها قضيةُ الشعب الفلسطيني – على تحقيق أغراض أولئك الذين يطمحون إلى إبقاء المنطقة المغاربية في حدود مجال نفوذ للقوى العظمى لا غير. هذا هو السياق الذي ينبغي أن تُقرأ فيه زيارةُ رئيس الديبلوماسية الأميركية، جون كيري، إلى العاصمة الجزائرية. فلا ثقةَ للقادة الأميركان في القادة الجزائريين، وتصريحاتُهم الودية مجرد كلام، وإن كانوا حقيقة، ومنذ 2001، طرحوا جانباً اعتراضاتِهم على وضع حقوق الإنسان لمصلحة التعاون مع السلطات الجزائرية في الحرب الأبدية على الإرهاب. إن أميركا راضية كل الرضى عما هو عليه دور الجزائر الجيوسياسي، ولذا لا تطلب منها دمقرطة نظامها الذي منحه وزير خارجيتها تزكية سياسية أساسية – وهي إن قامت بذلك، فدون أدنى ذرة من الصدق.لكن الدعم الخارجي، أياً كانت أهميتُه – وبخاصة والنظام فاقد إلى هذه الدرجة الدعم الشعبي – لا تعني أن العدّ العكسي لم يبدأ. وإذا لم تُغلَّب الحكمة ولم يُغلَّب العقل، لا يُستبعد أن تدخل الجزائر في منطقة اضطرابات شديدة الخطر. وقد تبيّن هذا الخطر خلال آخر ظهور تلفزيوني للرئيس بوتفليقة، حين منح قائد أركان الجيش، الفريقَ أحمد قايد صالح، مطلق الصلاحيات لحلّ المشاكل الأمنية، واضعاً بذلك تحت إمرته الفريقَ توفيق، رئيسَ دائرة الاستعلامات والأمن: هل سيُصغى إلى صوت الرئيس؟ هل بمقدور الفريق أحمد قايد صالح فرض سلطته على الجيش واستخباراته؟ وهل بمستطاع الفريق توفيق فك هذا التحالف (بين قيادة الأركان ورئاسة الجمهورية) بما يتيح له مواصلة إطباق قبضته الخانقة على أجهزة الدولة؟إن الجزائر في قلب الإعصار، وإذا لم تسلَّم مقاليد السلطة داخل الجيش إلى أجيال جديدة من الضباط ولم يُتَوصَّل إلى تسوية جديدة بين مجمل القوى السياسية، بما فيها المؤسسة العسكرية، فمستقبل البلاد مهدّد بشكل مباشر. وفي ظل التفتت الحالي للجبهة السياسية، فإن الانقطاعات العنيفة ليست فرضيات نظرية محضة. من الوهم تصوّر حلّ الأزمة بمعزل عن الجيش وشُقّ من النظام، وإذا لم يتجسد التوافق الديموقراطي فالباب مفتوح على مصراعيه لأسوأ الاحتمالات لأن كلَّ مكونات أزمة متعددة الأبعاد مجتمعة، من الإغراءات الجهوية إلى شره أوليغارشيا الريع بالغة السطوة، مروراً بصراعات النفوذ بين القوى العظمى.
“السفير”