الرئيسية / وجهات نظر / كيري في الجزائر والمغرب
b5b911d9cf2a6c396203842ba429d5ba

كيري في الجزائر والمغرب

باختيار الرباط للإعلان أن مفاوضات السلام الفلسطينية – الاسرائيلية «لن تبقى مفتوحة»، يكون رئيس الديبلوماسية الأميركية جون كيري أدار وجهه نحو منطقة الشمال الإفريقي التي لا تنفصل عن المنظومة الإستراتيجية لواشنطن، ضمن شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لكن الأوضاع في الساحل المغاربي، نسبة إلى البحر المتوسط والمحيط الأطلسي ليست أحسن حالاً. فهي أيضاً تتلاطم بين أمواج الخلافات والتوترات وفقدان بوصلة التفاهمات الوفاقية.
ثمة بلدان عربية ذات كثافة بشرية وعمق استراتيجي تنتمي إلى الفضاء الإفريقي، منها مصر والمغرب والجزائر وليبيا والسودان والصومال وتونس وغيرها، وتكاد تشكل خُمس المكونات الإفريقية. واللافت أن واشنطن دعت لعقد أول قمة إفريقية – أميركية، ولم يسبق لها على امتداد علاقاتها وروابطها بالعالم العربي أن دعت لقمة عربية – أميركية. فقد فعلت ذلك بلدان أميركا الجنوبية وتلكأت الولايات المتحدة، لأنها ظلت تفضل الحوارات الثنائية. وما سطرته إزاء التعاطي وأوضاع بلدان الشمال الإفريقي يشي بأن الأميركيين مهتمون بالتهديدات الأمنية التي يتأرجح تأثيرها من الفضاء المغاربي إلى الامتداد الساحلي وصولاً إلى العمق الإفريقي.
بيد أن اقتصار زيارة كيري على الجزائر والمغرب يحمل مؤشرات لجهة البحث في ترتيبات جديدة، على خلفية تداعيات الربيع العربي الذي هز أركان أنظمة حكم استبدادية، وأخفق في إقامة نظم بديلة في الأمدين القصير والمتوسط. وبدا الاهتمام الأميركي منصباً على ملف الإصلاحات الديموقراطية التي لا تهوى على مقومات الدولة، فقد كان درس بنغازي الليبية مؤثراً. إلى درجة أن الأسطول الأميركي تدخل في عرض البحر لوقف ناقلة نفط زودت بمنتوج ليبي خارج القانون. ويفهم من زيارة كيري التي تزامنت وذروة تأجيج منافسات الرئاسة في الجزائر أن واشنطن لا ترغب في التدخل لتغيير مسار الأحداث وتفضل استقراراً في اليد على أكثر من عصفور في الشجرة.
وهي بالنسبة الى المغرب ما فتئت تدعم خيار الإصلاحات الهادئة، وفق جرعات يتقبلها الجسم، على أن تكون أكثر من قدرته على التحمل. وبالتالي فاللغة الأميركية لم تتغير من ذاتها، وإنما عاينت الأسباب الموضوعية الكافية التي جعلتها تعاود النظر في أسلوب الاندفاع الذي قاد إلى ركام من الأزمات، لم تعد منحصرة داخل حدود البلدان التي كانت مسرح تفاعلات حراك الشارع، بل تعدتها إلى تهديد الأمن الإقليمي الذي لا يتجزأ ضمن المنظومة الإستراتيجية للولايات المتحدة، عدا أن اندلاع أزمات أكبر في أوكرانيا واستمرار الوضع السوري أمام الباب المغلق، والحذر القائم إزاء المدى الذي يستطيعه الحوار الغربي – الإيراني حول الملف النووي، كلها قضايا باتت تحتم استقراء موضوعياً للأحداث، يختلف إلى حد ما كانت عليه الصورة خلال فترة هيمنة القطبية الأحادية.
الأميركيون يعطون بيد ويأخذون بأخرى. وفيما التزمت إدارة الرئيس باراك أوباما موقفاً داعماً لخطة الحكم الذاتي الموسع في الصحراء، لم تذهب إلى الحد الذي يفرض وضعه على الطاولة كمرجعية وحيدة، ليس لأن «الحل السياسي» الذي ترعاه الأمم المتحدة يبدو فضفاضاً وقابلاً لاستيعاب التأويلات كافة، ولكن لأن المنطلق الوفاقي في إقرار الحل النهائي يحتم اتفاق كل الأطراف المعنية. وهي تترك أجندة الاتفاق مفتوحة، عدا أنها تراعي مبدأ التوازن في علاقاتها مع المغرب والجزائر، حيث لا تميل الكفة لترجيح طرف على الآخر.
لم تكن زيارة كيري للجزائر والمغرب التي استغرقها الحوار الاستراتيجي بين البلدين كل على حدة، مناسبة سانحة للتداول في حدود نقاط الاتفاق والاختلاف حول هذه المسألة، أقله أن الملف سيعرض على مجلس الأمن قبل نهاية الشهر الجاري. لكنها أفسحت في المجال أمام استخلاص تصورات جديدة، ليس أبعدها أن الحل الوفاقي لا يمكن أن ينتج خارج الوفاق الإقليمي، وتحديداً على مستوى العلاقات المتأزمة بين المغرب والجزائر. وإذ يلوح كيري بحظوظ التنسيق والمشاورات والانسجام في مواجهة التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة برمتها، فإنه يبعث رسائل مشفرة، تمكن قراءتها من عناوينها البارزة. فالتنسيق الأمني كما التحالف، لا يمكن أن ينهض خارج تفاهمات أكبر، ذات مرجعيات سياسية واقتصادية، من قبيل معاودة فتح الحدود البرية المغلقة، والاتجاه نحو دعم جهود الأمم المتحدة، عبر تنفيذ القرارات والالتزامات ذات الصلة.
حين يقول كيري أن المفاوضات لا يمكن أن تبقى مفتوحة، فهو يعني جيداً ما يقوله بالنسبة الى مستقبل السلام في الشرق الأوسط. وفي الإمكان أن ينسحب موقفه على أي إهدار للفرص المتاحة أمام منطقة الشمال الإفريقي بدورها. فقط يتعين إدراك أن انشغالات الأميركيين لا تكون دائماً على قياس ما يفكر فيه الشركاء. ولكن بوسع هؤلاء أن يفكروا بالمنطق الأميركي في تقريب منطق المصالح المتبادلة إقليمياً.
“الحياة” اللندنية