الرئيسية / وجهات نظر / بين الاجتماعي والإيديولوجي
61833fbba6189a3a415b47d89bae5973

بين الاجتماعي والإيديولوجي

مرة أخرى يتجدد النقاش حول قانون الأسرة في المغرب، هذه المرة احتدم النقاش داخل المؤسسة البرلمانية حول السن القانوني للزواج.
مدونة الأسرة الحالية اعتبرت السن القانوني للزواج هو 18 سنة، لكنها فتحت هامشا للسلطة التقديرية للقاضي الذي يمكنه أن يأذن بزواج من هم/ هن أقل من 18 سنة إذا توفرت مجموعة من الشروط.
وحسب الإحصائيات المتوفرة فإن ظاهرة زواج القاصرات عرفت ارتفاعا ملحوظا منذ سن القانون الجديد للأسرة إلى حدود سنة 2011، ومنذ 2012 بدأت هذه الظاهرة في الانخفاض..
البعض يرى بأن النقاش أخذ بعدا جديدا يهدد بتقاطب حاد داخل المؤسسة البرلمانية وحتى بين أحزاب الأغلبية، ففي الوقت الذي يدافع حزب العدالة والتنمية على الحد من سن الزواج القانوني إلى 16 سنة وتجريد القاضي من أي سلطة تقديرية في هذا الباب، تتمسك أحزاب أخرى باعتبار سن 18 سنة هو السن الأدنى للزواج وعدم السماح بزواج القاصرات كيفما كانت الظروف..
البعض يعيد التذكير بالأجواء التي سبق أن عاشها المغرب في سنة 2000 عندما حصل تقاطب حاد بين جبهتين: الإسلاميون والحداثيون، وتطور الصراع إلى الشارع الذي انقسم بدوره إلى قطبين قطب معارض للمشروع يقوده الإسلاميون وقطب مساند له تقوده المنظمات النسائية وجزء من الحكومة آنذاك، قبل أن يتدخل الملك لحسم الخلاف بتشكيل لجنة من العلماء في مختلف التخصصات استمعت إلى آراء الجميع وتقدمت بمشروع متوازن نال رضى الجميع قبل أن يحال إلى المؤسسة التشريعية لتتبناه في صيغة قانون..
جرت مياه عديدة، وأتصور أن الواقع الآن مختلف تماما عن تلك اللحظة، ومن المفيد أن نحرر النقاش حول هذا الموضوع من أي نزعة إيديولوجية..
ذلك أن مركزية مؤسسة الأسرة ومكانة العائلة ليست خاصية عربية إسلامية ولكن العديد من الحضارات أولت لها عناية خاصة، ففي الثقافة المسيحية الكاثوليكية يمثل الزواج رباطا دينيا قبل أن يكون عقدا مدنيا، وفي الحضارة الصينية تمثل العائلة التي تستند إلى علاقات الزواج والدم، وتتكون من الآباء والأبناء وكبار السن ممن يقتسمون بيتا واحدا، تمثل دورا مركزيا في الحياة الاجتماعية للصينيين، وتحافظ على تقاليد عريقة في التاريخ الصيني، بحيث يمكن اعتبار جميع العلاقات الاجتماعية الصينية تنبع أصلا من العائلة وهو مفهوم متجذر في الثقافة الصينية.
موضوع الأسرة من المواضيع الذي تتقاطع في ملامسته مجموعة من الأبعاد، فهناك البعد الاجتماعي الذي ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاجتماعية التي تحتضن هذه المؤسسة التي تمثل الوحدة الدنيا في المجتمع، وهناك البعد الحقوقي الذي يرسم حقوقا ثابتة لمختلف الأطراف المشكلة للأسرة، وهناك البعد الديني والحضاري الذي يضع مكانة خاصة لهذه المؤسسة في الاجتماع الإسلامي ويخصها ببعض التشريعات التي تلامس بعض جوانب هذه المؤسسة، ويعتبر الزواج بمثابة ميثاق غليظ بين الرجل والمرأة.
في المغرب هناك نقاش داخل المؤسسة البرلمانية حول السن القانوني للزواج، وهو نقاش ينبغي أن يستحضر مجموعة من الأبعاد التي تجعل التشريع في موضوع الأسرة مختلف عن باقي التشريعات التي تهم موضوعات أخرى، ومن الطبيعي جدا أن يتم الاستئناس برأي جميع المقاربات الاجتماعية والحقوقية والدينية.
طبعا، لا يمكن مصادرة حق البرلمان في التشريع في هذا المجال، والكلمة النهائية تبقى له في جميع الأحوال، وحسب فهمي المتواضع فإن أحكام الشريعة الإسلامية ليست توقيفية في هذا الموضوع، ولم تحدد سنا معينا لإبرام عقد الزواج، وبالتالي فإن الاجتهاد في هذا الباب مفتوح على جميع الخيارات التي تحقق مصلحة المجتمع وتستجيب لمقاصد استقرار مؤسسة الأسرة كما أوصت بذلك الشريعة وكما اهتمت بها أيضا المواثيق الدولية ذات الصلة.
القاعدة القانونية هي قاعدة اجتماعية، ومن الطبيعي أن تسترشد السلطة التشريعية بآراء كل المتدخلين، وأن تأخذ بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي الملموس.
الموضوع أعقد من أن نتعامل معه باعتبارات إيديولوجية محضة، لنأخذ نسبة زواج من هن أقل من 18 سنة فقد أثبتت الدراسات المنجزة حول الموضوع من طرف وزارة العدل والحريات أنها كانت مرتفعة قبل سنة 2011، لكن منذ سنتين بدأت في التراجع.. لكن، هل علينا أن نطمئن؟
لا، فالقاضي الذي يرفض الإذن بالزواج لفتاة أقل من 18 سنة يفاجأ بعد سنتين أو ثلاث سنوات بنفس الفتاة وهي تباشر أمامه مسطرة ثبوت الزوجية بعدما تكون قد تزوجت بالفاتحة، وأنجبت أولادا حتى..!!
في محاكم الدار البيضاء جرى الاجتهاد القضائي على عدم الإذن بالزواج إلا لمن بلغت 17 سنة، وهذا اجتهاد محمود وجريء، لكن النتيجة أن المعنيين بالأمر لجأوا إلى محاكم من خارج الدار البيضاء وقضوا أغراضهم..
في النهاية، القاضي المستنير الذي يتحرك بوازع من ضميره المهني مستحضرا جميع الأبعاد المحيطة بعملية الزواج، يملك سلطة تقديرية تجعله يتعامل مع كل حالة بالطريقة الملائمة وبالحكمة المطلوبة..
الموضوع أكبر من معركة إيديولوجية، الموضوع يسائل السياسات العمومية في مجال التعليم والنهوض بالعالم القروي التي تسمح لفتاة لم تجد مكانها في المدرسة العمومية أو في الجامعة وأصبحت تشكل عبئا على أبويها اللذين يفضلان التخلص منها عند أول خاطب يطرق الباب..
تلكم هي المشكلة الحقيقية..فلننتبه
“القدس العربي”