الرئيسية / وجهات نظر / تونس على فوهة البركان الليبي
NIZAR BOULAHYA

تونس على فوهة البركان الليبي

أسبوع واحد فقط بعد استلامها مهامها على رأس وزارة السياحة في حكومة تونس الجديدة، حلت سلمى الرقيق في ميلانو لحضور الدورة الخامسة والثلاثين «للبورصة الدولية للسياحة».
البورصة وهي ملتقى للمهتمين بالشأن السياحي في العالم، كانت أيضا فرصة لها للقاء نظيرها الإيطالي لبحث «امكانيات استعادة السوق الايطالية وتطويرها»، بحسب ما تناقلته مصادر اعلامية محلية. لكن مصير الوعود والتطمينات التي قدمت مع العروض المغرية والجذابة ظل مجهولا، ولم يعرف بعد إن كان هناك على الارض ما يدل على أنها قد تبلغ في القريب أهدافها المرسومة في إقناع قسم واسع من السياح الإيطاليين بالعودة بكثافة إلى بلد اختار رئيس الحكومة ماتيورينزي، مطلع العام الماضي، أن يكون وجهته الخارجية الاولى بعد توليه المنصب، وكال له المديح والثناء الطويل على ديمقراطيته الفتية والاستثنائية، وسط إقليم تعصف به الاضطرابات والهزات. فربما لسوء حظ الوزيرة ومرافقيها كان التوقيت سيئا هذه المرة، ومشحونا بتطورات لافتة على الضفة الجنوبية للمتوسط، ألقت ظلالها بقوة على وجهة الطرفين وبوصلة اهتماماتهما في المستقبل القريب. ففي الوقت الذي كان فيه الجانب التونسي يكثف من اللقاءات والمحادثات مع المعنيين بالشأن السياحي في إيطاليا، ويخطط «لاسترجاع السوق»، كان هناك أفراد آخرون على الجانب المقابل وعلى بعد أميال يخططون «لاستعادة روما» بكاملها، وبـ«رسالة موقعة بالدماء إلى أمة الصليب»، كانت حصيلتها الأولى ذبح أكثر من عشرين مصريا بطريقة شنيعة، وإخراج هوليوودي فائق البراعة. لكن قبل أن يظهر ذلك الشريط الدموي المنسوب لتنظيم «داعش» الليبي، وفي اليوم نفسه الذي التقى فيه الوزيران في ميلانو، خرج المسؤولون الإيطاليون عن لغة التحفظ الدبلوماسي المعتادة، بعد ورود أنباء عن سيطرة التنظيم على محطات إذاعية وتلفزيونية في مدينة سرت الساحلية، بما يعني بداية لتمدده خارج درنة، التي ظلت حتى وقت قريب معقله الأول والوحيد داخل ليبيا، فبادرت السفارة الايطالية في طرابلس بشكل فوري ومفاجئ إلى غلق أبوابها ودعوة رعاياها الى المغادرة على جناح السرعة. ولم يجد وزير الخارجية في مقابلة تلفزيونية بثتها قناة «سكاي تي في 24» بداً من التصريح بقوة بأن بلاده «تؤيد الجهود التي يقوم بها المبعوث الخاص للأمم المتحدة برنار دينوليون لجمع الفصائل المتناحرة حول طاولة التفاوض لمحاولة الوساطة في وقف لإطلاق النار»، قبل أن يضيف بأنه في صورة فشل المحادثات فإن إيطاليا «مستعدة للقتال في إطار بعثة دولية… لأنه لا يمكننا أن نقبل فكرة أن خطرا إرهابيا فعليا يوجد على بعد بضع ساعات بالقرب من إيطاليا». وكان من الواضح أن القرب الذي قصده الوزير لم يكن جغرافيا بالاساس، بل تاريخيا بالدرجة الأولى بفعل المطامع الاستعمارية القديمة التي لم تخبت ابدا بمجرد سقوط الفاشية وتغير موازين القوى بعد الحرب العالمية الثانية، ثم استراتيجيا بفعل المصالح العميقة والمتشعبة لروما في الإقليم، وهو المعنى ذاته الذي قد تكون قصدته أيضا فيدريكا موغريني مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي عندما قالت، في مؤتمر صحافي عقد في العاصمة التونسية على هامش زيارة قصيرة بأن «المشاكل الرئيسية ليست في سوريا والعراق، بل في ليبيا القريبة جدا من هنا». لكن المفارقة الكبرى أن ذلك القرب من ليبيا، سواء كان جغرافيا أو تاريخيا أو حتى استراتيجيا، لا يبدو حاضرا بالشكل العميق والمطلوب في أذهان معظم التونسيين وقياداتهم. فالبلد الشاسع والمفتوح على الصحراء والسابح على ثروة نفطية خيالية يكاد لا يذكر داخل تونس إلا في حالة ما إذا تعلق الأمر بأزمة أو إشكال ظرفي عابر يجري تطويقه عادة بشكل جزئي ومتسرع، ثم تطوى الصفحة ويرجع النسيان أو التناسي إلى حالته الاولى، ويعود معه الانشغال والتفكير بالاساس في العلاقات والروابط بالشمال، وكأن تونس قطعة أصلية من أوروبا، لا جزءا دائما ومستقرا من الشمال الافريقي. وقد تكون الأحداث الاخيرة في الجنوب التونسي مؤشرا إضافيا على ذلك الفهم الغائب والمفقود لثقل التاريخ ووزن الجغرافيا، وهو ما تعمق بشكل مفزع خلال سنوات الاستبداد الطويلة ولم تسمح ظروف البلدين بعد بتطويره والارتقاء به ولو بعض الدرجات البسيطة.
لقد جعل ذلك تونس تعيش زمنين أو عصرين معا، فيعدل نصفها الأعلى وقته على دقات الضفة الشمالية في ما يضبط نصفها السفلي ساعاته بحسب توقيت الجوار في طرابلس. ومن الناحية العملية كان ذلك يعني ببساطة أن الدولة تترك أهل الجنوب لتدبر أمرهم مع الجيران، من دون ان تمنحهم أدنى اهتمام أو عناية في البرامج والمخططات، وتقصر النظرة الى العلاقات مع الطرف المقابل في الحدود على الجوانب المالية فقط، أي مقدار ما يدره وجود الليبيين داخل تونس من عوائد على الاقتصاد المحلي. إنها الخزان المالي الخلفي للبلد، وهي أيضا منذ السابع عشر من فبراير 2011 وبفعل التطورات التي حصلت، خزان خلفي آخر لسلاح تدفق بفعل الانفلات الامني، ليبث الرعب والتهديد للمسار الانتقالي الهش. الإشكال هنا انه لم تكن هناك رؤية او تصور لا على المستوى المالي او الاقتصادي ولا حتى في الجانب الأمني، وظل المنطق السائد في التعامل مع تعقيدات الوضع في ليبيا هو ما عبر عنه الباجي قائد السبسي ذات مرة بقوله «دعهم، أي الليبيين، يتقاتلون حتى تنفذ ذخيرتهم فيضطرون للجلوس حينها إلى طاولة التفاوض». لا احد تقريبا داخل تونس من حشود الخبراء والمحللين الذين تواتر ظهورهم على الفضائيات كان يملك فكرة دقيقة وواضحة عما يجري في بيت الجار، فاحيانا يطلقون على ليبيا لقب الدولة الفاشلة، وأحيانا أخرى يعتبرونها فقدت صفة الدولة بعد ان صارت بلدا في قبضة الميليشيات. فمع من سنتحدث إذن، يقولون بشيء من الحيرة المصطنعة؟
هل مع طرابلس أم مع طبرق؟ حتى المستوى الرسمي لم يعثر بعد على الجواب، فالمعابر الحدودية التي أثير الجدل بشأنها هذه الايام هي فعليا تحت سيطرة قوات فجر ليبيا، والعاصمة وأجزاء واسعة من الشرق كذلك. أما الغرب فتتحكم في أجزاء منه قوات اللواء المتقاعد حفتر. لكن أزمة المعابر وتفجر الأوضاع في الجنوب ثم تداعيات إعدام الرهائن المصريين، وسحب الرعايا واغلاق السفارات وبداية تشكل ائتلاف اقليمي او دولي للتدخل العسكري الفعلي والمباشر على الاراضي الليبية، لن يترك الامور على حالها، بل سيدفع التونسيين لحسم امورهم بشكل سريع. الخطر هنا انه وعلى عكس مصر مثلا التي سعى نظامها وحرص على التدخل في ليبيا تحت مبررات مقاومة الإرهاب، فإن السلطات في تونس لا تملك هامشا واسعا للمناورة والتحرك، وتبدو الخيارات أمامها ضيقة ومحدودة، حيث أن إعلانها الصريح عن الانضمام أو المشاركة في عمل عسكري ضد طرف من اطراف الازمة الليبية قد تكون له تداعيات سلبية وخيمة على وضع رخو ومضطرب في الجنوب، وحتى على كامل البلد بوجود ما يقرب المليوني لاجئ او مقيم ليبي حتى الان داخل التراب التونسي. ويبدو أن الامور ستتضح اكثر بعد زيارة مرتقبة للشيخ راشد الغنوشي الى الجزائر، واخرى للباجي قائد السبسي الى الامارات، وقد تثمران توليفة وفاقية تنتج موقفا مشتركا من الاحداث والتطورات. ولكن الارجح في كل الاحوال هو أن تستمر السلطات في مسك العصا من الوسط ومحاولة النأي عن التورط المباشر والعلني في دعم طرف أو جهة محددة داخل ليبيا، الامر الذي فعلته بنجاح منذ اربعة اعوام عند بداية التحرك ضد نظام العقيد الراحل القذافي.
لكن لعبة المشي على الحبال التي اجادها التونسيون وبرعوا فيها حتى الان قد لا تستمر طويلا وبشكل مفتوح في صورة ما اذا ما قرر زوار الشمال القدوم على ظهور حاملات الطائرات والاستيطان في الجنوب، لا كسياح مؤقتين في بورصة السياحة الدولية، بل كمحتلين دائمين متخفين في أقنعة المكافح لارهاب داعشي حرك المشاعر الانسانية وجعل الغرب يتجشم المشاق والصعاب لانقاذ العالم من ويلاته. في ذلك الوقت فقط سوف يكتشف التونسيون أنهم صاروا بالفعل قريبين جدا من ليبيا، بل على فوهة بركانها الصاخب والمتفجر في وجه الجميع.

٭ كاتب وصحافي من تونس/”القدس العربي”