الرئيسية / وجهات نظر / اللخبطة والصراعات الحزبية تدمر الداخل الإسرائيلي
6aabdaed723364867c8266638f415e4f

اللخبطة والصراعات الحزبية تدمر الداخل الإسرائيلي

 

أسفر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والذي أطلقوا عليه بـ “الصخرة الصلبة”، عن مجموعة من الأزمات: السياسية والحزبية والاقتصادية والمالية والأمنية هزت أوصال حكومة “نتنياهو” الائتلافية، رافقها انتقادات لاذعة لأداء القيادتين السياسية والعسكرية، ما زالت آثارها تؤثر على الحياة في إسرائيل، وربما تؤدي إلى تفكيك الائتلاف وانهيار الحكومة، فالمجتمع الإسرائيلي مصاب بداء النسيان، فقد نسوا أجواء الصواريخ التي انهالت عليهم، والأنفاق التي وصلت إلى عقر مستوطناتهم، حتى أن الابتسامة غابت عن وجوه قياداتهم، فهذا  العدوان خلق لهم مشكلة مالية، إضافة إلى المشاكل الأخرى، وأن لب الخلاف على مواجهة موازنة 2015، لكي تغطي خسائر الحرب، ما بين زيادة الضرائب على الإسرائيليين، وبين زيادة العجز المالي السنوي، ليصل إلى 3.4%، وهذا يعني انخفاض نسبة التنمية إلى 1%، وهذا الصراع يدور بين وزير المالية “يائير لبيد” الذي يعارض بشدة فرض ضرائب جديدة، وبين رئيس الوزراء “نتنياهو”، الذي يرى بأن الحل بفرض ضرائب جديدة، وعلى كلا الحالتين، فإن الخدمات الاجتماعية، والتعليم والصحة وغيرها ستتأثر، وسيدفع ثمنها الجماهير الإسرائيلية، إذ أن لعنة غزة تلاحق جيوب الإسرائيليين.
وزير المالية “لبيد” بحث مع ممثلي المعارضة، الانسحاب من الائتلاف الحكومي، بينما يحاول “نتنياهو” استقطاب الأحزاب الدينية، بضمهم لحكومته، غير أنهم يرفضون هذا الانضمام، بعد أن همشهم “نتنياهو” أثناء تشكيل الحكومة، أما رئيس حزب إسرائيل بيتنا “أفيغدور ليبرمان”، فإنه يخير “نتنياهو” بين بقاء التركيبة الحالية للحكومة، أو الذهاب لانتخابات مبكرة للكنيست، ولنفترض أن حزب “يوجد مستقبل” برئاسة “لبيد” نفذ تهديده وترك الائتلاف الحكومي، هذا الائتلاف الذي يعتمد على (68) نائباً، من أصل (120) عدد أعضاء الكنيست فسيبقى في الائتلاف (49) نائباً، ما يؤدي إلى سقوط الحكومة، ولإنقاذ الحكومة فإن نتنياهو فشل أيضاً باستقطاب حزب “العمل” للانضمام إلى الحكومة، ولذلك كثر الحديث عن انتخابات جديدة، غير مرغوب بها حزبياً وسياسياً واقتصادياً.
لكن هذا ليس كل شيء، فهناك صراع بين “نتنياهو” الذي يتزعم حزب الليكود، وبين رئيس مركز حزبه “داني دانون”، وهذا الأخير صعد من حدة الخلاف، حين دعا لاجتماع مركز الحزب في عسقلان، بينما وفي نفس التوقيت، دعا “نتنياهو” لاجتماع مماثل في بيتح تكفا، وانقسم أعضاء مركز الحزب منهم من لبى دعوة رئيس المركز، ومنهم من لبى دعوة رئيس الحكومة، فالصراع بين الاثنين على الصلاحيات، وعن من يمتلك السيطرة على حزب الليكود، وهذا الخلاف قد يؤدي إلى انشقاق الحزب، خاصة بعد إقالة “نتنياهو” لخصمه “دانون”، الذي كان يحتل منصب نائب وزير الجيش، وحسب موقع “واللا العبري 16-9-2014” هناك دعوات في الليكود، تطالب لأول مرة “نتنياهو” بمغادرة الحزب، وجاء في الدعوة “ليفتش له عن حزب آخر”.
في هذه الأثناء، وبينما ما زال “نتنياهو” غارقاً في آثار ونتائج العدوان على  غزة، إضافة إلى الأمور المالية ومفاوضات القاهرة لتعزيز الهدنة، وإلى مشاكل استقرار حكومته، فاجأ وزير الداخلية الليكودي “جدعون ساعر”، باستقالته من الحكومة ومن الكنيست واعتزاله الحياة السياسية لبعض الوقت للراحة، ومع أنه كان الأقرب إلى “نتنياهو”، وقع خلافات بينهما، مع أن “ساعر” حصل على المرتبة الأولى في انتخابات “البرايمرز” التمهيدية لانتخابات الكنيست على دورات متتالية، وهو يحظى بشعبية واسعة، كان يتوقع له منافسة “نتنياهو” على رئاسة الحكومة، فهذه الاستقالة سيكون لها تأثير سلبي على حزب الليكود، لكن هناك من يقول بين المحللين الإسرائيليين، والعارفين ببواطن الأمور، بأن “نتنياهو” تنفس الصعداء باستقالة “ساعر” الذي كان المنافس الأقوى له، والذي يشكل خطراً عليه للاستمرار بالحكم، فـ “نتنيناهو” أخذ “بتطفيش” كل من يحظى بشعبية، تؤدي إلى منافسته، ويشكل خطراً على حكمه، وهناك سوابق أخرى في هذا “التطفيش”، فقد احتلت استقالة “ساعر” عناوين صحف 17-9-2014، محملين “نتنياهو” المسؤولية، في حين أن محللين إسرائيليين يشعرون بأن سفينة حزب الليكود تغرق، وأن الانتخابات تقترب، فالوزير “ساعر” فضل التخلي عن منصبه بدلاً من المواجهة مع “نتنياهو”، وهذا ليس نهاية المطاف، بل قد يعود إلى الحلبة السياسية، بعد مغادرة “نتنياهو” الحكومة، فعلاقته برئيس الحكومة متوترة وأصبحت سيئة خاصة في السنة الأخيرة، فهو لم يعد قادراً مواصلة العمل معه، وأن زمن “نتنياهو” قد ولى.
إن الساحة السياسية-الحزبية-الإسرائيلية ليست سليمة، بل أنها تعتمد على المزايدة والتطرف لأبعد الحدود، لتعزيز شعبيتها، والحصول على أصوات الناخبين، فالشارع الإسرائيلي متطرف، والأحزاب السياسية تركب موجة التطرف للحصول على الشعبية، وهذا خطر بحد ذاته على الإسرائيليين أولاً، وعلى استقرار المنطقة للوصول إلى السلام المخسوف، فماذا نتوقع من “نتنياهو” أن يقول في تهنئته للشعب الإسرائيلي بمناسبة عيد السنة العبرية الجديدة، فبدلاً من أن يزف أقوالاً تؤدي إلى السلام والاستقرار وتحسين أوضاع المعيشة، فإنه يبشر بأن مبادرة السلام العربية، التي لم يكن يحلم أباطرة إسرائيل بمثيلها، أصبحت من الماضي، ولم تعد ذات صلة بالواقع، فحين يسمع المواطن الإسرائيلي بمثل هذه الأقوال، وبالقوانين العنصرية التي تؤدي إلى الكراهية، وإلى التحريض والقتل فقط على خلفية قومية، فالقيادة الإسرائيلية هي التي تغدي الإسرائيليين على التطرف والعنف، فرئيس حزب البيت اليهودي “نفتالي بينت” الذي يحتل منصب وزاري، أخذ ينافس “ليبرمان” سيء الذكر على التحريض والكراهية لتعزيز شعبيته، وأصبح يحتل المرتبة الأولى بالتطرف، وبالتشريعات العنصرية ضد العرب، فقد عقد حزبه مؤتمره بتاريخ “10-9-2014″، ليقرر فتح أبوابه أمام الجماهير العلمانية المتطرفة، إضافة للمتدينة، فقد انتزع “بينت” في هذا المؤتمر صلاحيات جديدة وصفت بالدكتاتورية، مما أثار الخلافات والتوترات الشديدة بين أعضاء هذا الحزب، الذين رأوا بتحويل حزبهم إلى ليكود من الدرجة الثانية، ليصبح حزب اليمين الرائد والقائد الذي يهدف إلى انتزاعه رئاسة الحكومة، أما الإيجابي من هذا التوجه، هو تأجيج الصراع بينه وبين “نتنياهو” و”ليبرمان” على التطرف الذي قد يؤدي لتدمير المجتمع الإسرائيلي.
في آخر استطلاع للرأي العام الإسرائيلي حسب “هآرتس 19-9-2014″، تبين أن لا منافس لـ “نتنياهو” على رئاسة الحكومة، إذ حصل على 38% من المستطلعين، أي في المكان الأول، يليه “إسحاق هرتسوغ” رئيس حزب العمل 7% أي بفارق كبير، ثم “ليبيرمان” 6% يليه بينت 5%، موشيه كحلون، “جدعون ساعر” “تسيفي ليفني” لكل منهم 5% أما “يائير لبيد” فإنه حظي بـ 4% فالفارق بين “نتنياهو” وباقي المرشحين كبير جداً، لكن المرشح لرئاسة الحكومة لا ينتخب من قبل المواطنين، بل من قبل نواب الكنيست حسب توجيه أحزابهم ومصالحهم ومكاسبهم من تأييد هذا المرشح أو ذاك.
وحسب استطلاع آخر للرأي العام أجرته جريدة “يديعوت احرونوت 24-9-2014” فإن توجهات الناخبين في حال أجريت الانتخابات اليوم، فإن الاتجاهات تصب لصالح أحزاب اليمين، فحزب الليكود سيحصل على (20) مقعداً، والبيت اليهودي على (16) وحزب العمل (14) مقعداً، وإسرائيل بيتنا على (11) مقعداً، وحزب “موشيه كحلون” المنشق عن الليكود سيحصل على (10) مقاعد، وشاس على (9) مقاعد ويهدوت هتوراة على (7) مقاعد، ويوجد مستقبل على(11) مقعداً وميرتس على (6) مقاعد، وحزب الحركة “ليفني” على مقعدين، وستحصل الأحزاب العربية على(12) مقعداً، وبذلك سيكون لأحزاب اليمين (76) نائباً، أي أن الحكومة القادمة ستكون يمينية، بزيادة عدد النواب المؤيدين لها عن الحكومة الحالية، الأمر الذي سيزيد من التهامها لما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وفي زيادة تشريعاتها العنصرية، وممارساتها القمعية، فماذا أعددنا لمواجهة المستقبل؟ فإسرائيل ضعيفة من الداخل، لكن قوتها بضعفنا وتشتتنا، والاستنتاج القاطع بأن طريق السلام والتسوية مغلق، بل ويزداد إغلاقاً.