الرئيسية / وجهات نظر / اعتذار عن انتصار!
dc45d97d317db289b2907a7ee244a4e2

اعتذار عن انتصار!

كان على الموت أن ينتظر قليلاً، وكان على الهواء النقي أن ينتظر.. قليلاً. والأمواج أن تبقى هادئة رغم الصيف وموسم الصيد، والرمال أن تبقى ساكنة رغم أقدام الصياديين التائهة وحوافر الخيل.
كان على الموت أن ينتظر محمد ليستمتع بعطلة الصيف، وينتظر ليان لتبدأ أول يوم دراسي لها، وأن ينتظر عشرات العائلات التي قضت نحبها وكانت تخطط لرحلة إلى البحر.. ربما.
كان علينا أن نصلي وأن لا نترك أحد يتعبد بسماءنا، وأن نصوم العام بأكمله، ولا نترك الموسم الدراسي حتى في الصيف، وأن نتصالح مع ذاتنا وغيرنا وحتى مع عزرائيل!
كان علينا أن لا نتجبر، ولا نكذب، ولا نخون، ولا نسرق ولا نقتل ….
كان على الموت في غزة أن ينتظرنا أكثر كي نفعل أكثر فنكون شعباً واحداً يكف عن صناعة الصبر، بل وأن نلقي آلة الصبر على كل الظلم الموجود حولنا، وأن نمحو من قاموسنا كلمة “صمود” لأنه بات أمرا عاديا لشعب لا حول له ولا قوة، لشعب يملك أكثر ما يملك قوة العقل والحق والمنطق، لكننا تركنا هذه القوة وأفرغناها في كلمة “صمود” واكتفينا، وكأننا أول شعب يصمد. وصار الصمود من عجائب الدنيا السبع. فهل كنا نستطيع أن نخطف أرواحنا بأيدينا ونرتاح؟ هل كنا نستطيع أن نترك الوطن ونهرب من غزة الجريحة والمحاصرة؟ لقد صمدنا بأن بقينا على قيد الحياة رغم القتل.
ومع هذا فإن صمودنا هو أسطورة القرن الواحد والعشرين.. لكننا يجب أن نتخطاها فهذه ليست الحرب الأولى، ونتخطى كل الشعارات ومهرجانات “النصر”، الصمود في الأرض والبقاء على الثوابت ليس منة ولا جميل بل هو واقع وردة فعل طبيعية لأصحاب الحق.
اليوم علينا أن نتسلح بكل الدماء، بكل الحب الذي يملأنا، بكل القهر الذي نعيشه تحت الاحتلال، لنعمل وفق استراتيجية جماعية اعلامية وسياسية ودبلوماسية جنباً إلى جنب مع المقاومة الشعبية والكفاح المسلح. لأن كفة الصراع لن ترجح لصالحنا طالما بقيت العواطف سيدة الموقف، وطالما فقدنا أحد هذه العناصر.
أعتذر لغزة.. لأنني لا أستطيع أن أفرح بعد 45 يوماً من القتل.
أعتذر للمقاومة وأبطالها.. لا استطيع أن أشعر بالنصر لأننا لم نتحرر “ببساطة” وهو ليس ذنبكم، بل ذنبنا جميعاً لأننا نعمل بفوضى وعشوائية.
أعتذر لبحر غزة الهائج والمجنون والباكي على دماء الضحايا.
أعتذر لنفسي لأنني لم أستطع أن أفعل شيئاً أمام حجم الدمار.
أعتذر باسم الضفة التي لم “تتجيش” إعلاميا لتخبر العالم قصة كل روح سقطت وكل بيت هدم، وعن معنى كل حجر وشجر تناثر وتفجر وتفتت..
أعتذر للعالم الذي يقول إن اسرائيل شنت حربها رداً على صواريخ المقاومة بينما هي حرب مستمرة ضد الفلسطينيين.
أعتذر للعالم لأننا نفرح بنصر لم يُعِد لنا شيئاً من غزة.. فأغلقَ العالم التلفاز دون أن يشعر بأن اسرائيل يجب أن تحاسب على جرائمها، أغلق التلفاز معتقداً أن الحرب انتهت.. فقد انتصرنا!
أعتذر للعالم الذي رأى وسمع كيف يصور الاعلام اهالي الشهداء يزغردون لأن ابنائهم شهداء ولم ننجح بتصوير تفاصيل حياتهم بعيداً عن هذه الشاشات… يعيشون تفاصيل موت ابنائهم.. يموتون موتاً بطيئاً على الغياب دون أن يعلم أحد.
أعتذر لنفسي وعن نفسي لأنني لم استطع الصمت فقلت متعجبة “عن أي انتصار تتحدثون؟” في وقت يريد فيه الفلسطينيين أن يفرحوا.. وقد حرمت على نفسي الفرحة متطلعة إلى البعيد الذي تجرنا إليه اسرائيل. وأعتذر لأنني لم أقلها صراحة “بأن المقاومة حق شرعي”..  كما قال لي البعض، لم أقلها فقلت أن المقاومة وحدها لا تكفي.
اسرائيل قالت للعالم: لم نحقق أهدافنا؟ ففرحنا واعتقدنا أننا منتصرين وكل انجازات وتقدم المقاومة لم نستثمره بإدارة المعركة اعلامياً. كان على اسرائيل أن تمسح غزة عن بكرة أبيها.. لتحقق اهدافها!
وأخيراً أعتذر لكل فلسطيني “منتصر” لأن آرائي لم تعجبه، فليس مسموح أن لا تعجبه…. الاختلاف في فلسطين أمر غير صحي، وأمر يجلب العداء من البعض والاحترام من البعض الآخر بلا حلول وسط بلا حوار.
اعتذر.