الرئيسية / وجهات نظر / المأزق الليبي.. سلطة منتخبة ومليشيات ثورية
bff6bf3dc49857df83a582ccfe56dc65

المأزق الليبي.. سلطة منتخبة ومليشيات ثورية

منح المؤتمر الوطني العام الشرعية للكثير من التشكيلات العسكرية بعد نهاية الحرب مع كتائب القذافي لأسباب رآها مقنعة ومؤقتة، ولكن ما حدث بعد ذلك أن هذه المليشيات وقياداتها استمرأت وجودها وامتيازاتها، كما أن القوى السياسية المتصارعة في المؤتمر وجدت في ظاهرة المليشيات فرصة لتوظفها كأذرع عسكرية في صراعها مع بعضها البعض، الأمر الذي جعل كل الظروف تتضافر لتؤدي لخلق كل العوائق الممكنة التي تقف في وجه إنشاء مؤسستي الجيش والشرطة وتجعلهما مهمة تكاد تكون مستحيلة.
فقد اتضح للقوى السياسية المتصارعة في المؤتمر أن ظهور مؤسسة الجيش الوطني واحتكارها للسلاح يؤدي منطقيا إلى اختفاء هذه المليشيات وهذا يترتب عليه احتمالان كل منهما أسوأ من الآخر بالنسبة لهذه القوى.
الاحتمال الأول هو أن تصبح هذه القوى بدون أسنان في حلبة صراع قد تضطر فيه إحداها إلى الخروج على قواعد اللعبة الديمقراطية إذا كانت نتائجها لا ترضيها ولا تضمن لها مشاركة قوية في السلطة، فمثل هذه المليشيات تبقى أدوات فعالة تلوح بها وتهدد بإسقاط المشهد السياسي على رؤوس الجميع في بلد لا توجد فيه قوة أمنية ولا جيش قوي يخضعان للسلطة الشرعية المنتخبة.
فبواسطة هذه المليشيات التي يمتد جذور بعضها إلى فترة الحرب ضد نظام القذافي، يمكن لهذا الطرف أو ذاك في حلبة الصراع أن يحيد أو يتوقي نتائج التنافس الديمقراطي إذا جاءت في غير مصلحته وذلك بالإيعاز إلى هذه المليشيات لتطل بأسلحتها على مشهد الشرعية الانتخابية تحت راية الشرعية الثورية التي يحق لها إعادة النظر في إحداثيات المشهد السياسي إذا ما اعتبر هؤلاء الثوار ما يجري خطرا يهدد ثورة السابع عشر من فبراير المؤتمنين عليها دون غيرهم من الليبيين.
أما الاحتمال الثاني الذي يترتب على اختفاء هذه المليشيات وظهور جيش قوى فيتمثل في مخاوف بعض القوى من الانقلابات العسكرية التي ظلت تتعاقب على المنطقة العربية منذ منتصف القرن الماضي، وقد زاد من هذه المخاوف وقوع حادثتين إحداهما على الصعيد العربي والأخرى على الصعيد المحلي.
ففي أول سابقة منذ بداية الربيع العربي قام جيش قوي في مصر بإزاحة رئيس منتخب -مهما كانت أخطاؤه- ولم يترك بينه وبين ناخبيه ليخرجوه من السلطة مثلما أتوا به إليها.
وفي ليبيا قام اللواء المتقاعد خليفة حفتر بتشكيل جسم عسكري من خارج شرعية الدولة وأعلن حربا على الإرهاب استهدف فيها المليشيات والتشكيلات المتطرفة وغير المتطرفة ولم يستثن من ذلك تنظيم الإخوان المسلمين وحزب العدالة والبناء أحد أطراف السلطة الشرعية المنتخبة.
لعل مثل هذه الأحداث زاد من إصرار الطرف الإسلامي بالذات على الاحتفاظ بمليشياته، لأنه ترسخ لديه اعتقاد بأن الشرعية الانتخابية وحدها قد لا تكفي ما لم تكن في يده هراوة غليظة يهدد بها حتى وإن كان بعض الممسكين بها معه قد يستحيل التحالف معهم على المدى البعيد.
لقد زادت هذه التطورات المشهد الليبي تعقيدا وأضافت أسبابا أخرى للتمسك بالمليشيات سواء المشرعنة أوغير المشرعنة في نظر من كان يتمسك بها، كما فتحت أبوابا ومسوغات أخرى للصراع أدت إلى تبدل الأهداف والمرجعيات بالنسبة لطرفي الصراع الممثلين في جيش الكرامة ومجلس شورى الثوار.
فلم تعد مرجعية أي طرف هي السلطة الشرعية المنتخبة ولا هدفه حمايتها، حيث تبنى أحد الأطراف محاربة الإرهاب كمرجعية وهدف بينما تبنى الطرف المواجه له الدفاع عن الثورة كهدف معلن وكمرجعية، وبالتالي فإن الشرعية الانتخابية أخذت تتقهقر إلى خلفية المشهد السياسي الذي بدأت تطغى عليه وتتداول فيه مفردات ومصطلحات من أمثال قسورة، وفجر ليبيا، والكرامة، وادخلوها من الباب.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن النخبة الليبية قد فشلت فشلا ذريعا خلال السنوات الثلاث الماضية في قيادة مجتمع صغير غني يكاد يخلو من الفسيفساء العرقية والتعدد الطائفي، بل استثمرت هذه النخبة ثروته في تنمية وخلق كل ما يمكن أن يكون سببا في الصراع والتناحر والاحتراب، فتحولت ليبيا إلى مشروع لدولة فاشلة مشرعة الأبواب أمام كل الطامحين والمغامرين.
لقد أصبحت ليبيا وتجربتها الديمقراطية أسيرة لمليشياتها وتشكيلاتها العسكرية التي ولد القليل منها إبان الحرب مع كتائب القذافي والكثير منها ظهر بعدها، حيث تكاثرت المليشيات الجهوية والمناطقية والدينية مستفيدة من أسباب ثلاثة.
أولها غياب مؤسستي الجيش والشرطة اللتين تستطيعان جمع السلاح ومنع انتشاره بين أفراد المجتمع.
ثانيها يتمثل في وجود تشجيع ضمني لاستمرار هذه المليشيات وذلك بصرف الرواتب المرتفعة والعطايا لمنتسبيها، فأصبح الاحتفاظ بالبندقية وظيفة تدر دخلا لا ترقى إليه دخول الوظائف التي تنتظر العاطلين عن العمل وأصحاب المهن البسيطة والكثير من الطلبة أيضا.
ثالث هذه الأسباب هو التكتل والاصطفاف بين القوى السياسية التي وصلت إلى المؤتمر الوطني العام، الذي بدلا من أن يكون أول مؤسسة منتخبة منذ نصف قرن حيث ينبغي أن يتم فيه -بالتوافق والتراضي- وضع أسس دولة ليبيا المستقبل، تحول إلى حلبة مغالبة يبيح فيها كل طرف لنفسه استخدام كل الوسائل من أجل فرض رؤيته وجعلها هي الوحيدة التي تتحكم في السلطة والدولة في ليبيا ما بعد الثورة.
كان أحد هذه الوسائل وأخطرها هي المليشيات المسلحة التي وجدت سوقا رائجا في ساحة المغالبة السياسية سواء لأسباب أيديولوجية أو مناطقية أو مادية صرفة، ولهذا فقد التقت رغبات ومصالح الكثير من المليشيات وبعض القوى السياسية في محاربة كل الظروف التي تؤدى إلى نشوء جيش وطني قوي لا يخضع لأي من هذه القوى السياسية.
لقد استبشر الليبيون بانتخاب برلمان لأول مرة منذ ما يقارب خمسين عاما، وذلك ليخلف المؤتمر الوطني العام الذي انتهت ولايته، ولكن سرعان ما وجد هذا البرلمان نفسه يغوص في وحل تركة السنوات الثلاث الماضية والتي أثقل ما فيها المليشيات والتشكيلات المسلحة إلى جانب التكتل والصراع السياسي.
وجد هذا البرلمان أمامه مليشيات مشرعنة وأخرى غير مشرعنة تعيث في البلاد حربا واقتتالا ولا تقيم وزنا لشرعيته ولا لقراراته، ولم يجد في تركة هذه السنوات الثلاث جيشا قويا يستطيع أن يضع حدا لاقتتال المليشيات والتشكيلات الذي طال المدن الكبيرة والمراكز الحيوية منذرا بكارثة حرب أهلية.
ولهذا فقد اتجه الرأي الغالب في البرلمان إلى طلب مساعدة المجتمع الدولي لإنقاذ البلاد مما يراه كارثة وشيكة الوقوع وهذا ما اعتبره خصوم البرلمان المقاطعون لجلساته دعوة للتدخل الأجنبي واستعداء للخارج ضد الوطن وذلك في إطار التهم والتهم المضادة في معمعة الخصومة بين الطرفين، مما أدخل البرلمان في دوامة التفسير والتوضيح والنفي وربما التراجع، وهذا ما يراه البعض يصب في قناة التيار الإسلامي الخصم الذي يعتقد أنه بفضل المليشيات صار قريبا من حسم الصراع بفوهة البندقية ولا يريد دخول طرف دولي قوي يفوت عليه فرصة القبض على السلطة مرة أخرى بعد أن مني بهزيمة ديمقراطية.
كما ألقت تركة السنوات الثلاث على كاهل البرلمان الوليد بثقل ركيزتها الثانية والمتمثلة في الصراع السياسي والتكتل، فقد اكتنفت هذه الروح المشهد السياسي منذ الأيام الأولى لإعلان نتائج الانتخابات فدوت صيحات النصر بشكل لا يخلو من استفزاز لا تتحمله الحالة التي عليها البلد، بينما انكفأ التيار الإسلامي الذي اعتبر نفسه خاسرا، يفكر ويتدبر ويبحث عن كل الوسائل التي يحرم بها خصمه من هذا الانتصار ويجعله كومة من رماد.
من هنا بدأت سلسلة من الأفعال وردود الأفعال، فقد انتاب التيار الإسلامي غضب شديد عندما رأى معظم أصوات المقترعين الليبيين تذهب إلى من يسميهم الليبراليين والعلمانيين فيتقزم حجمه في البرلمان الجديد وهو الذي يعتبر نفسه رأس الحربة في الحرب على نظام القذافي وصاحب اليد الطولى  في خروج الليبيين من دكتاتورية القذافي إلى المسار الديمقراطي.
ومن جانبه فإن الطرف الآخر أي ما يسمى بالطرف الليبرالي، الذي حازت أطروحاته رضا غالبية المقترعين الليبيين، لم يراع الحكمة والتدبر في بعض تصرفاته، فلم يجار الشكليات الإجرائية التي يراها البعض غاية في الأهمية ولم يقدم تنازلات من موقعه القوي ديمقراطيا، ولم يمد يده في لحظة حرجة من تاريخ ليبيا إلى خصمه ليساعده على الخروج من حالته وأزمته بقدر ما يستطيع حتى لا ينطلق هذا الخصم في البحث عن كل حجة مهما كانت واهية وعن كل زلة مهما كانت صغيرة ليبرر لنفسه خيارات أخرى خارج المسار الديمقراطي.
هكذا يبدو المشهد السياسي الليبي بعد انتخابات البرلمان محكوما بنفس المعادلة التي كانت سائدة طوال السنوات الثلاث الماضية والتي طرفاها سلطة منتخبة ومليشيات وتشكيلات عسكرية، مع فارق وحيد ولكنه جوهري في العلاقة بين الطرفين، وهو أن المؤتمر الوطني تبنى وشرعن الكثير من هذه المليشيات حسب مصلحة الكتل التي كانت تتصارع تحت قبة المؤتمر، بينما لا تربط البرلمان الجديد حتى الآن أية علاقة بهذه المليشيات ولم يشرعن أيا منها وقد ينزع الغطاء عنها جميعا.
ولكن هذه الميليشيات وفي ظل الصراع الذي يجري خارج قبة البرلمان لم تعد في حاجة إلى شرعنتها من قبل السلطة التي اختارها الشعب الليبي، طالما أنها قد اكتفت بدثار الشرعية الثورية التي تجب فوهة بندقيتها كل الإرادات.
لا شك إن إعلان الشرعية الثورية تحت ظلال البنادق وعدم الخضوع والقبول بخيارات الإرادة العامة للشعب الليبي من خلال الآليات الديمقراطية، يضع هؤلاء في مصاف أي دكتاتور واثق من نفسه ومن صحة ما يعتقد، مما يسوغ له فرضها بالقوة، فلا يكفي أن يصف المرء نفسه بالثائر ليفرض رأيه على الشعب بالقوة، فالقذافي أيضا لم يكن يسمي نفسه شيطانا رجيما، بل يصف نفسه ثائرا وبيده بندقية حتى افتكها منه الثوار وأخذوا يصوبونها على كل من يقتنع أغلبية الليبيين ديمقراطيا بوجهة نظره المخالفة لوجهة نظرهم.
إن لم يتم الاتفاق نهائيا على انتهاء الشرعية الثورية وتجاوزها إلى الشرعية المنتخبة ديمقراطيا، فإن هذه المليشيات سيظل لديها الكثير مما تقوله وتفعله وستظل السلطة المنتخبة لديها الكثير مما تقوله والقليل مما تستطيع فعله في بلد إن لم تنقذه نخبته فإنه ذاهب إلى قاع سحيق.
“الجزيرة”