الرئيسية / وجهات نظر / خطاب محمد السادس خريطة طريق
da876a941bc504f6be7d7c0a05e80620

خطاب محمد السادس خريطة طريق

من دون حراك أو ضغوط في الشارع، أبدى العاهل المغربي الملك محمد السادس استعداداً غير مسبوق في ممارسة النقد الذاتي. وأقر أن الأوضاع الاجتماعية في بلاده تنطبع بقدر غير مقبول من التفاوت بين الفئات والمجالات واتساع نطاق الفقر وضعف الخدمات الاجتماعية، بخاصة في الأرياف والأحياء الهامشية.
ذهب أبعد من ذلك إلى طرح تساؤلات عميقة حول الإفادة من الثروة بطرق متكافئة، لا حيف فيها ولا إقصاء. ورأى أن الحاجة ماسة لإعداد تقارير إضافية، تصبح بمثابة خريطة طريق لتجنب هفوات التدبير الذي لم يفلح في ردم فجوات التباعد بين الفئات الاجتماعية الفقيرة والمحظوظة، ما يؤشر إلى إمكان حدوث انقلاب جذري في التصور السائد حول السياسات والخيارات العامة التي حققت تطوراً ملحوظاً. لكنها لم تنعش آمال الفئات العريضة في معاينة تغيير ملموس في أوضاعها على الأرض.
إذا كانت هذه الخلاصة جاءت بعد مرور 15 سنة على تولي العاهل المغربي العرش، فإن أهميتها تكمن في نتائج الزيارات التفقدية التي قام بها إلى كافة أرجاء البلاد، من أكبر مدينة مثل الدار البيضاء، القطب الاقتصادي والمالي للمغرب، إلى قرية « أنفكو» وسط جبال الأطلس المتوسط التي لقي فيها بعض الأطفال حتفهم، نتيجة الصقيع وغياب الخدمات الصحية. فقد استبدل قراءة التقارير التي لا تخلو عادة من مساحيق تجميلية بالذهاب إلى أبعد قرية نائية للوقوف على الحقائق الصادمة، ثم استخلص في غضون ذلك أن الإصلاحات لم تكن كافية لتغيير الواقع.
صحيح أن إقرار دستور أول تموز (يوليو) 2011 اعتبر ثورة في مجال توزيع وتحديد صلاحيات السلطات المختلفة، ومنح الجهاز التنفيذي ورئيس الحكومة صلاحيات واسعة، من دون إغفال دور المعارضة كمكون أساسي في هرم المؤسسات الديموقراطية. وصحيح أن مبادرة الإنصاف والمصالحة اهتمت بتحسين سجل البلاد في احترام أوضاع حقوق الإنسان، من خلال القراءة المتأنية لفترات الاحتقان السياسي والاضطرابات والقلاقل الاجتماعية، وصحيح أن تكريس التعددية الثقافية عبر الارتقاء بالأمازيغية إلى مصاف اللغة الرسمية إلى جانب العربية، كانت بدورها إنصافاً لجزء كبير من مكونات الهوية المغربية.
لكن الصحيح أيضا أن هذه المبادرات وغيرها لم يتسنّ لها أن تنعكس إيجاباً على حياة المواطنين. أي أن ثمار الديموقراطية المتمثلة في الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لا تزال تعتريها النواقص. وليس أبعدها معاينة حقائق التغيير في شكل إجراءات ملموسة تخفف من وطأة الفقر والهشاشة والفوارق الصارخة التي تكاد تحوّل البلاد إلى مغربين يتعايشان بالإكراه، وسط تناقضات مهولة، تعود أساساً إلى محدودية الجهود الإنمائية في بلد تتركز فيه الثروة والخدمات والمرافق على الشريط الساحلي، فيما يغرق عمق الداخل في التهميش.
لعلها المرة الأولى التي يطرح فيها قائد دولة أسئلة محيرة حول الإفادة من الثروة، كونها تتلازم في جزء كبير من معطياتها مع ملاءمة السلطة، على اعتبار أن احتكار الثروة والسلطة يشكل أبرز معضلات الاستبداد وغياب الحوكمة والاستهتار بقيم العدل والمساواة. وإذا كان المغرب اهتدى إلى أسلوب هادئ في إدارة التعاقب على السلطة، كما يستدل على ذلك من تجربة التناوب التي كانت حملت أحزاب المعارضة إلى الحكومة، ونقلت بعد الاستحقاقات الاشتراعية الحزب الإسلامي «العدالة والتنمية» إلى رئاسة الحكومة ضمن ائتلاف الغالبية الحالية، فإنه أخفق في إدارة الشطر الثاني من المعادلة، أي التوزيع العادل للثروة الذي يقوم على مبدأ تساوي الفرص وتوزيع ثمار التنمية ومناهضة أشكال الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي.
غير أن هذا الطرح يلقي باللوم على السلطة التنفيذية والمنتخبين المحليين والرأسمال المحلي ومختلف الفاعليات التي كان في وسعها الانخراط في معركة التغيير، ليس في بعده السياسي فحسب، بل في انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالرأسمال المحلي استفاد من فترات الرخاء وإجراءات التقويم الاقتصادي، مثل «المغربة» وسياسة التخصيص والإعفاء الضريبي. فيما أن السلطة التنفيذية تكاد تكتفي بتدبير الأزمة للحؤول دون حدوث المزيد من التدهور الاجتماعي، ولا يمكن للمنتخبين المحليين والبلاد على مشارف إقرار النظام الجهوي الذي يمنح الديموقراطية المحلية صلاحيات واسعة أقرب إلى الحكم الذاتي، أن تستمر على النهج نفسه الذي يطاول التدبير العادي لقطاع الخدمات، من دون ابتكار حلول بناءة لتجاوز الفوارق الحادة.
خريطة طريق ذات معالم واضحة ميزت مقاربة العاهل المغربي الذي لم يكن يجد أي حرج في أن يوصف بأنه «ملك الفقراء» وهو يجاهر اليوم بأن الأوضاع لا يمكن أن تستمر على حالها، لأن اختلالات عميقة تطبع علاقات الناس بالثروة التي توجد في أماكن آمنة ولا تغامر بالنزول إلى أرض المعركة.
“الحياة” اللندنية