الرئيسية / وجهات نظر / هل تحرق تونس جبلها بمن فيه؟
69162c7f6746141dc1ca4131d0f1fb35

هل تحرق تونس جبلها بمن فيه؟

«آخر الطب الكي» وآخر الحلول التي لجأت اليها السلطات في تونس للقضاء على ما سمته بظاهرة استعصاء بعض المساجد وخروجها عن سيطرة الدولة، هو الامر بإغلاقها في وجه الجميع معتدلين ومتطرفين. وفقا لتصريح وزير الشؤون الدينية في المؤتمر الصحافي الذي عقده اياما قليلة قبل حلول شهر رمضان، فالتصنيف المذكور يخص 42 مسجدا بقيت تحت سيطرة المتشددين.
اما الحكومة التي اتخذت قرارها في اليوم الثالث والاخير من حداد رسمي على ضحايا عملية ارهابية أودت بحياة خمسة عشر جنديا في السادس عشر من الشهر الجاري، فلم تكن بحاجة لتقديم مبررات لحزمة القرارات التي اعلنتها، وتضمنت ايضا غلقا للقنوات التلفزيونية ومحطات الاذاعات الخاصة غير المرخص لها، والداعية للكراهية والعنف، واعتبار المؤسستين الامنية والعسكرية خطين احمرين لا يجوز القدح فيهما، بالاضافة الى اتخاذ ما وصف بالاجراءات المناسبة للتصدي لصفحات التواصل الاجتماعي المحرضة على العنف.
الدعوات «لحرب طويلة الامد ضد الارهاب والاستعداد النفسي لتقبل مزيد من الخسائر»، كانت اولى كلمات قائد اركان جيش البر بعد الاعلان عن سقوط العشرات من الجنود بين قتلى وجرحى في جبل الشعانبي على الحدود الغربية للبلاد. فيما وجد البعض الاخر الفرصة مناسبة لتوجيه سهامهم صوب المساجد المستعصية، او التي احتفل فيها بمقتل الجنود، والجمعيات الخيرية والاذاعات وقنوات التلفزيون الخاصة والمتهمة كلها بنظرهم برعاية الارهاب والتحريض عليه، ووضعها على اعلى سلم اولويات تلك الحرب واهدافها. حالة التردد والارتباك التي ظهرت على المتحدثين في المؤتمرات الصحافية التي تلت العملية، وتأخر السلطات في اذاعة الخبر حتى الساعات الاولى من صباح اليوم الموالي، فتح الباب امام الاشاعات والتأويلات حول اعداد الضحايا وحجم العملية، لكنه القى بالمقابل ستارا كثيفا من الغموض، دفع الكثــــيرين للتساؤل عن ان استعداد السلطات، بعد كل التحذيرات والتوقعات بحدوث اعمال ارهابية خلال شهر رمضان، لم يكـــن بالدرجة المطلوبة، وان كان الأوان قد حان الان لمنح العسكريين والامنيين «تفويضا مطلقا ومفتوحا» لمجابهة الارهاب، وهو ما طالب به بعض السياسيين والنقابييــن، خصوصا في اعقاب صدور بيان نسب لتنظيم «القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي»، يتبنى فيه عملية الاعتداء على منزل وزير الداخلية اواخر مايو/ ايارالماضي، التي أودت بحياة اربعة من الحراس.
ليس الوقت مناسبا للحديث عن حقوق الانسان ولا معنى لها مادام البلد قد دفع الى حرب مفتوحة مع هذا الغول، تقول اصوات الغاضبين التي تلقى سندا ودعما قويا من بعض السياسيين ووسائل الاعلام. لكن اذا صدقنا كل ذلك وتركنا حقوق الانسان والحرية جانبا، وقلنا اننا لسنا بحاجة اليها في هذا الوقت بالذات، فمن الذي يضمن لنا عودتها ورجوعها مرة اخرى بعد استعادة الهدوء ومرور الزوبعة بسلام؟ وما الحل الافضل والاسلم لاستئصال الارهاب من ارضنا؟ «نحرق الجبل بمن فيه» في اشارة الى جبل الشعانبي الذي جرت فيه حادثة الاعتداء على الجنود، تجيب افتتاحية ظهرت على صحيفة يومية بعد يومين من الحادثة. اما كيف نفعل ذلك، فهو ببساطة بالعودة الفورية لتطبيق القانون الذي وضعه الرئيس المخلوع بن علي في 2003 تحت مسمى مكافحة الارهاب، والذي زج بموجبه بالالاف من خصومه السياسيين في السجون لمجرد وشايات او شبهات غير مؤكدة في معظم الاحيان، بدون انتظار مصادقة المجلس التأسيسي على قانون بديل طال الجدل بشأنه، ويعتقد انه لن يكون متعارضا او متناقضا مع ما يكفله الدستور من حريات وحقوق. التصريح الشهير لرئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون لما تصدت الشرطة في بلده بقسوة لاحداث شغب، الذي جاء فيه انه «عندما يتعرض الوطن للخطر لا تحدثوني عن حقوق الانسان» صار بنظر دعاة «حرق الجبل بمن فيه» مرجعا وحجة دامغة، على انه ينبغي ان نطلق ايدي الامنيين ولا نكبلها تحت اي مبرر كان. ويبدو انه كتب على هذا البلد الصغير المسالم والمحشور بين جارين عملاقين، الا يعيش بعيدا عن هاجس الدفاع عن نفسه من الاعداء. في زمن الاستبداد كان النظام يصور نفسه درعا حصينا امام الاصولية المتطرفة، واطلق الرئيس المخلوع على نفسه لقب حامي حمى الوطن والدين. لكن لا الوطن كان حرا وكريما ولا الدين ظل مصانا ومحفوظا. بهروبه ودخول البلد مرحلة جديدة من التاريخ ظهرت رؤيتان لما يمكن ان يوصف بالخطر او التهديد الجدي القادم، الاولى جعلته محصورا فقط في هيبة الدولة وما لحقها من ترهل وضعف بانحسار قبضتها الامنية وتحول الحرية انفلاتا وتحطيما لكل الرموز ودوسا وتجاهلا للانظمة والقوانين. اما الثانية فاعتبرت ان التهديد الاكبر هو لكامل المسار الانتقالي الذي بدأت تونس تخطو بثبات نحو استكمال آخر حلقاته، ببناء ديمقراطية قد لا تسر الشقيق ولا الصديق. الاغتيالات والاعتداءات التي حصلت طوال السنوات الاخيرة هي، بنظر الفريق الاول، عدوان على الدولة واستغلال لضعفها ووهنها، وهي بالنسبة للطرف الاخر ارباك مقصود ومتعمد هدفه تعطيل العملية الديمقراطية واجهاضها، ولذلك لا يبدو الان من الواضح حتى بعد الحشد الاعلامي الاخير لوحدة وطنية ضد الارهاب ان يحصل التقاء او تقارب فوري وحقيقي بين كلا الرؤيتين. ذلك التباعد لاحظه الجميع في المسيرة المناهضة للارهاب التي جاءت بدعوة من رعاة الحوار الوطني، فتحولت الى معركة اخرى لتبادل الاتهامات والشتائم، وانتهت بوحدة وطنية مزيفة ووهمية لا وجود لها سوى على الورق، فيما بقيت القلوب والضمائر على حقدها الدفين وبغضها المعتاد.
ما يؤكده تقرير صادر اوائل هذا الشهر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بدافـــــوس حول الاستــــقطاب في العالم العربي هو «انه عندما يكتب النجاح للعملية الديمقراطية، كما يبدو الحال في تونس، يمكن للمرء ان يتوقع للمجتمعات ان تصبح اقل انقساما مع مرور الزمن».
لكن حتى يحصل ذلك يبقى الاشكال الحقيقي في تونس هو في الوصول الى نهاية آمنة وطبيعية للمرحلة الانتقالية الحالية، والقدرة على الصبر على آلام الطريق وتلقي الضربات والهزات بثقة وهدوء. هذا الامر لا يرتبط بالسياسيين ودوائر القرار والتأثير اقليميا ودوليا فحسب، بل ايضا بتقبل الناس وتحملهم واستعدادهم للتضحية في سبيل ادراك تلك الغاية. ما تشير اليه بعض الدراسات، ومن بينها واحدة صدرت مؤخرا عن معهد بيو الامريكي لاستطلاعات الرأي هو، ان ثمانين بالمئة من التونسيين قلقون من التطرف والارهاب. غير ان جولة قصيرة في مدن تونس وقراها قد تكون كافية لنقض كل تلك الاستطلاعات والارقام. فالقلق الوحيد الذي يسيطر على معظم التونسيين ويظهر في سلوكهم وتصرفاتهم هو قلق القوت. الحرية وحقوق الانسان التطرف والارهاب تبقى كلها حتى الان شعارات مبهمة وبلا معنى، وسط ذلك القلق المتمدد على الحاضر والمستقبل. وربما من اجل ذلك لا يبدو ان هناك استعدادا كافيا او واضحا للتضحية، لا من اجل الديمقراطية، ولا ايضا ضد ما يمكن ان يعد ارهابا مهددا للدولة. الناس مشغولون للآخر بحرب القوت و»احراق الجبل بمن فيه» او تركه على حاله قد لا يعني لهم في النهاية شيئا، مادام الامر لا يشكل خطرا حتى الان على الجيوب العامرة والخاوية على حد سواء.
٭ كاتب وصحافي من تونس
“القدس العربي”