الرئيسية / وجهات نظر / موريتانيا والتحديات الديمقراطية
4e781c525a89304ff24c8101d89d891d

موريتانيا والتحديات الديمقراطية

قام الجنرال محمد ولد عبدالعزيز بانقلاب عسكري في 6 أغسطس 2008، أطاح بحكم الرئيس ولد الشيخ عبدالله المنتخب ديمقراطيا في يوليو2007، وفي ظل التجاذب بين العسكر والمعارضة الديمقراطية، أقرَّ الجنرال محمد ولد عبدالعزيز ومعارضوه بقبول الوساطة السنغالية التي جرت تحت إشراف مجموعة الاتصال الدولية الخاصة ببحث الأزمة الموريتانية، والتي شملت الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية ومنظمة الفرنكوفونية الدولية والأمم المتحدة. وفي18 يوليو2009تم انتخاب الجنرال محمد ولد عبدالعزيز رئيسا لموريتانيا.
وفي الانتخابات الأخيرة التي جرت يوم السبت 21يونيو الجاري، أشارت النتائج الرسمية للجنة الموريتانية المستقلة للانتخابات الرئاسية، إلى فوز الرئيس الموريتاني المنتهية ولايته محمد ولد عبدالعزيز علي بنحو 81.89في المائة من الأصوات، ضامناً بذلك غالبية واسعة أمام منافسيه الأربعة، ومحتلاً المرتبة الأولى أمام بيرام ولد داه ولد عبيد الذي حصد 8.67 في المائة. أما المرشح بيجيل ولد هميد فقد حصل على نسبة 4.5 في المائة من الأصوات، واحتل زعيم «حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية» إبراهيم صار المركز الرابع بحصوله على نسبة 4.44 في المائة، وجاءت في المرتبة الأخيرة المرأة الوحيدة في القائمة للا مريم بنت مولاي إدريس، المقربة من الحكومة، حيث حصلت على 0.49في المائة فقط. وكان الموريتانيون توجهوا إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس للبلاد، في انتخابات شهدت مقاطعة ائتلاف المعارضة المتمثل في «المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة». وراقب هذه الانتخابات أكثر من 200 مراقب عربي ودولي، بقيادة كل من أحمد محمد الجروان رئيس البرلمان العربي، والباجي قائد السبسي، الوزير الأول التونسي السابق ورئيس بعثة الاتحاد الإفريقي، والسفير علاء الزهيري رئيس بعثة الجامعة العربية، ومنسق وفد الأمانة العامة لتجمع دول الساحل والصحراء عبدالرؤوف عبدالعال. ووصلت نسبة المشاركة للناخبين إلى 56.54 في المائة، من أصل 1.3 مليون ناخب يحق لهم الإدلاء بأصواتهم في موريتانيا التي يبلغ عدد سكانها 3.8 مليون. وكانت المفاجأة التي حملتها نتائج الانتخابات الرئاسية هي المكاسب التي حققها الناشط الحقوقي المثير للجدل بيرام ولد أعبيدي الذي يتبنى ملف العبودية في موريتانيا، وصرح أكثر من مرة عزمه وضع حد لحكم «العرب البيض» لموريتانيا. وكان بيرام ولد داه ولد عبيد، أحد المرشحين الذي واجه الرئيس المنتهية ولايته، والمعروف بنضاله من أجل أن ينال الحاراتين(المنحدرون من العبودية) حقوقهم. وكانت موريتانيا ألغت نظام الرق في عام 1981، واعتبرته جريمة في عام 2007. كما نص دستور 2012 على منع نظام الرق، وإن كانت الممارسات لا تزال قائمة بحدود ضئيلة. ويمثل الحاراتين نسبة 40 في المائة من السكان.
وهناك مسألة العبودية في موريتانيا، فالخصوصية الحقيقية لنظام العربي- البربري أو الموري في موريتانيا، لا تعود إلى أنواع السلوك العبودي التي مورست، وإنما إلى الدرجة التي بلغتها في مستوى السلوك العبودي العام، كما يمكن تبنيه لجماعة الحاراتين التي تشكل شريحة واسعة من العبيد الموريين «المحررين» وذريتهم. وكان في العهد الماضي أحد أكثر الملفات سخونة، فالسلطات وموالوها سياسياً ينكرون وجود العبودية، ويعترفون بآثار لهذه الممارسة متمثلة أساساً في فقر الأرقاء السابقين، ووضعت برامج مكافحة الفقر للتغلب على هذا المشكل. ويقول حملة لواء الدفاع عن العبودية، وفي مقدمهم التياران القومي العروبي والإسلامي، إن قضية الرق في موريتانيا يمكن أن تحل بطريقتين: إما بثورة دموية، وهذا ما لا تقدر عليه البلاد، وإما بتطور المجتمع البطيء بفضل التنمية الاقتصادية، وهذا ما يجب تحقيقه. ويعتبر «ملف الزنوج الموريتانيين» أو ملف الأقلية الإفريقية، أحد الملفات الشائكة التي ستدور حولها المعارك البرلمانية، إذ لا يزال عشرات الآلاف من الأفارقة الذين هجّرهم نظام الرئيس السابق معاوية ولد الطايع لاجئين في مخيمات على الحدود في دول الجوار، خصوصاً مالي والسنغال، منذ 1989 (ما بين 25 و60 ألفاً بحسب إحصاءات كل طرف)، ويتعلق الخلاف في هذا الملف بكيفية عودة هؤلاء المبعدين وتعويضهم، ووضع آلية لتحديد هوياتهم والتمييز بينهم وبين مواطني الدول المقيمين فيها.
وكان الرئيس المرشح الفائز في الانتخابات محمد ولد عبدالعزيز، ركز في خطاباته الدعائية على الهجوم على الأحزاب المقاطعة للانتخابات، حيث اتهمها في أكثر من محطة من جولاته الانتخابية بالفساد والإجرام، وأكد سعيهم لجر البلاد إلى الفوضى من خلال ما يقول إن المعارضين يطلقون عليه «الثورة» معتبرا أنهم لو كانوا «ثوارا حقا لثاروا في العام 2005، أو العام 2004 أو ما قبلها»، وأضاف أنهم «لم يثوروا حينها لأنهم هم من كانوا في الحكم، ولا يمكنهم أن يثوروا على أنفسهم». ومن إنجازات الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز في ولايته الأولى، انتهاجه إستراتيجية حازمة في محاربة الإرهاب، حيث حقق الأمن للموريتانيين، في بلد تحول منذ العام 2005 إلى هدف مفضل لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ». فقد وضع الرئيس إستراتيجية فعالة تقوم على إصلاح المؤسسة العسكرية، والقيام بهجمات منظمة ضد تنظيم «القاعدة» في شمال مالي، حظيت بالدعم الكامل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا. واستطاع الجيش الموريتاني في سنة 2010أن يقضي على مواقع لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي »في شمال مالي. ويعتبر الرئيس محمد ولد عبدالعزيز أن موريتانيا في عهده تحولت إلى دولة قوية في محاربة الإرهاب، وأصبح الجيش الموريتاني الذي تمرس على خوض المعارك ضد تنظيم القاعدة في الصحراء من أقوى جيوش المنطقة. أما في الجانب الاقتصادي فإن تفاصيل كثيرة لا يسهب ولد عبدالعزيز فيها، مقتصرا ـ غالبا ـ في أن موريتانيا قبل توليه الحكم 2008 كان نموها في حدود ناقص واحد، وفي 2013 ارتفع ليصل 6.7. ويرى الرئيس ولد عبدالعزيز أن موريتانيا في مجال الكهرباء انتقلت من العجز التام عام 2009، إلى تصدير الكهرباء خلال مأموريته. وفي مجال المياه يعدد الرئيس جملة من الإنجازات يقول إنها تحققت في عهده، والمدن التي يعدد أنها حصلت على المياه، لكن في نفس الإنجازات يعدد مشاريع يقول إنه سيعمل عليها، وأخرى بدأ العمل بها، أي أنها تنتظر الولاية الثانية على الأقل. وفي دقائق تفاصيل ما يعد الرئيس ولد عبدالعزيز من إنجازاته ربط موريتانيا بالكابل البحري، و1084 من الطرق المعبدة، ومطار نواكشوط الدولي، وإعادة تأهيل وترميم مطار سيلبابي.
هناك عوائق بنيوية تقف بين الدولة الموريتانية التي هيمن عليها العسكر لأكثر من أربعة عقود وانتصار الفكرة الديمقراطية والحريات في بلد لا يزال يحبو على طريق الحداثة، مثل موريتانيا، الذي رغم أنه عرف نموا كبيرا لحركات معارضة فإنها لم تستطع أن تكون مجتمعا مدنيا قادرا على الصمود أمام وطأة الدولة، وعلى التفاوض مع هذه الدولة، وبالتالي على تزويد المجتمع السياسي باستقلاليته الفعلية.
“الشرق”