الرئيسية / وجهات نظر / لا «تبرغت»
90c5a687abb7f6cf7f897113e2b2bb3c

لا «تبرغت»

كان الحبيب بورقيبة فقيرا مثل تونس في تلك الأيام. ما هي أولويات الفقير؟ إنها الخبز. هكذا أثبت لنا محمد البوعزيزي عندما أحرق نفسه لأنه لم يكن قادرا على العودة إلى أمه ذلك المساء ومعه ربطة من الخبز وعلبة من الهريسة. والهريسة طماطم مطعَّمة بالفلفل، كان يعيش عليها طلاب تونس في السوربون، تقريبا طوال العام. فالمجاهد الأكبر علمهم أن التعليم أهم من الرغيف. وفيما كانت الأنظمة تدعم الطحين والأرز، قرر بورقيبة أن يدعم التعليم الإجباري.
يحار الجميع اليوم في تفسير سلوك تونس المدني بعدما بدأت ربيع العرب الذي تمرمغ في كل مكان. أعتقد أن جزءا من السبب هو نظام التعليم. جميع أطفال العرب يبدأون تعلُّم الإعراب بمثل «ضرب زيد عمرا». في مدارس تونس يميل زيد دائما إلى مصافحة عمر. وإلى الإصغاء إليه. ولا يعد أن التراث قد أهين إذا تلقّى درس الفيزياء بالفرنسية أو الإنجليزية. لأن المهندسين الذين صنعوا «إيرباص 380» التي تحمل 600 مسافر مع مياه الحمامات وأدوات الرياضة، ليس بينهم عربي واحد. ولأن سفينة «كوين ماري» التي تعبر المحيطات وعليها الترف والجاه وأموال المتقاعدين، تستطيع في حالة الحرب أن تنقل 400 ألف مسافر، إذا وزعت مقاعدها على نظام طائرة. وليس من عربي في الكوين ماري سوى رواد الكازينو عليها.
قرر الفنلنديون أن الثلوج تبيد الزراعة دوما ولا بد من دخل آخر. غيروا نظام التعليم وتعلموا الإنجليزية وصاروا بلد «نوكيا» التي يفوق حجم أعمالها دخل مصر القومي. ووجدوا وظائف سعيدة لأبنائهم البارعين. ولا تزال سوريا تفاخر بأنها تطرد اللغات الأجنبية من قلب العروبة النابض. لكن رئيسها رأى، عندما قرر التخصص في الطب، أن جامعات بريطانيا لا تدرِّس العربية إلا للمستشرقين.
لم يضرب زيد عمرا. أعاره آخر كتاب حصل عليه. تبارى معه في أجمل أبيات الشعر العربي. قال له لا كارثة في أن تلحن بعين المضارع، لكن الكارثة أن تخطئ في حق أرضك وشعبك وأهلك. وقال له تعال نبحث عن مدخل آخر للغة غير «أكلوني البراغيث». لم يعد في بلادنا براغيث ولا ملاريا. القليل من البراغش.
“الشرق الأوسط”