الرئيسية / وجهات نظر / المغرب وتونس: تلازم مسار الوحدة بالاختيار الديموقراطي
0b2ce512cff592dacc26e2b8c8e9834e

المغرب وتونس: تلازم مسار الوحدة بالاختيار الديموقراطي

العلاقات المغربية – التونسية قفزت إلى مستوى متقدم من الناحية السياسية والاقتصادية.. صحيح أن العلاقات بين البلدين كانت علاقات متميزة سواء في مرحلة ما قبل الثورة أو بعدها، لكن الزيارة الأخيرة للملك محمد السادس إلى تونس بدعوة من الرئيس منصف المرزوقي تحمل دلالات خاصة.
ففي معاكسة واضحة للمزاج العام السائد في الملكيات العربية المتوجس من ثورات الربيع العربي، يقرر الملك محمد السادس أن يقدم دفعة قوية لمسار الإصلاحات السياسية الجارية في تونس، ومعها يقرر ضمنيا بأن أفق المملكة المغربية لا يمكن أن يكون إلا أفقا ديمقراطيا وأن هذا الأفق لا يمكن إلا ضمن دينامية الوحدة بين دول المغرب العربي.
إن تمتين العلاقات السياسية بين البلدين يخدم سياسة التحول الديمقراطي الجارية داخل البلدين، ويقدم دعما معنويا لجميع الديمقراطيين في المنطقة بأن هناك إرادة سياسية لدى قيادة البلدين لا تساير القراءات التراجعية المتوجسة من الحكومات المنبثقة عن الثروات العربية.
اختار الملك محمد السادس أن يرافقه في هذه الزيارة وفد حكومي رفيع المستوى (12 وزيرا) بالإضافة إلى ممثلي قطاع المال والأعمال ورؤساء بعض المؤسسات الوطنية(100 شخصية)، توج بالتوقيع على 23 اتفاقية مست العديد من المجالات الحيوية الأمن، والصناعة، والسياحة، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتكنولوجيات الجديدة… ، كما اختار أن يلقي خطابا أمام المجلس الوطني التأسيسي في إشارة واضحة لدعم مسار التوافق السياسي وروح الإدماج المؤسساتي لجميع المكونات السياسية بغض النظر عن خلفيتها الفكرية والسياسية، وهذا معناه أن المملكة تنظر بشكل إيجابي لمنهج الاعتدال وللمرونة السياسية وتغليب مصلحة البلاد على الأنانيات الحزبية الضيقة التي أبدتها الطبقة السياسية التونسية وبصفة خاصة الحركة الإسلامية في تونس ممثلة في حزب النهضة للخروج بالبلاد من الأزمة السياسية التي وجدت نفسها داخلها بفعل تفاعل العديد من المعطيات المحلية والإقليمية والدولية. وهو ما يؤكد بأن مرحلة الانتقال الديمقراطي تحتاج إلى الاستعداد للتنازل من جميع الأطراف، لكنها تحتاج أيضا إلى محيط إقليمي مساعد..لقد نجحت تجربة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا والبرتغال في منتصف الثمانينات من القرن الماضي بفعل الإرادة السياسية التي عبرت عنها الأطراف السياسية (مؤسسة الجيش والتيارات السياسية المختلفة)، لكن أيضا بفعل الدعم السياسي والاقتصادي الذي قدمته السوق الأوروبية المشتركة آنذاك لكلا البلدين لتجاوز مرحلة الخطر في الفترة الانتقالية.
هذه الزيارة تعني أيضا، أن قطار المغرب العربي الذي توقف منذ عدة سنوات، لا يمكن أن ينهض من جديد إلا بواسطة أنظمة سياسية ديمقراطية تعبر عن التطلعات الحقيقية لشعوبها، ولذلك فإن تعزيز العلاقات الثنائية بين بلدين قررا الاختيار الديمقراطي منهجا في الحكم هو رسالة واضحة لشعوب المنطقة بأن مسار بناء المغرب العربي هو مسار متلازم مع مسار البناء الديمقراطي، وهو ما يعني بأن لغة المصالح المتبادلة والاندماج الاقتصادي وبناء التكتلات الاقتصادية ينبغي أن يمر عبر مسار الإصلاح السياسي أولا وضخ الجرعات الديمقراطية اللازمة لضمان بناء كيان سياسي واقتصادي كبير قابل للحياة..
وهو ما يمثل رسالة واضحة إلى الأشقاء الجزائريين بأن المأزق السياسي الذي دخلته البلاد بعد إعادة انتخاب رجل عاجز عن الحركة ولا يستطيع أن يفتح فمه فبالأحرى قيادة دولة، هو من المعوقات الحقيقية لبناء المغرب العربي.
رسائل الخطاب الملكي أمام المجلس الوطني التأسيسي كانت واضحة بأن المستقبل هو للتكتلات الاقتصادية والسياسية وليس للكيانات القطرية المفككة «فمخطئ من يعتقد أن دولة لوحدها قادرة على معالجة القضايا التنموية، والاستجابة للتطلعات المشروعة لشعبها، وخاصة مطالب الشباب المغاربي الذي يعد ثروتنا الحقيقية، ومخطئ أيضا من يتوهم أن دولة بمفردها قادرة على حل مشاكل الأمن والاستقرار. فقد أكدت التجارب فشل المقاربات الإقصائية في مواجهة المخاطر الأمنية التي تهدد المنطقة، خاصة في ظل ما يشهده فضاء الساحل والصحراء من تحديات أمنية وتنموية، ومخطئ كذلك من يعتقد أن الإبقاء على الوضع القائم، وعلى حالة الجمود التي يعيشها مغربنا الكبير، يمكن أن يصبح إستراتيجية ناجحة، وخاصة التمادي في إغلاق الحدود الذي لا يتماشى مع الميثاق المؤسس للاتحاد، ولا مع منطق التاريخ ومستلزمات الترابط والتكامل الجغرافي. بل إنه يسير ضد مصالح الشعوب المغاربية، التي تتطلع إلى الوحدة والاندماج. إن الاتحاد المغاربي لم يعد أمرا اختياريا، أو ترفا سياسيا، بل أصبح مطلبا شعبيا ملحا وحتمية إقليمية إستراتيجية».
فمن الواضح إذن أن العلاقات المغربية – التونسية لا تندرج ضمن سياسة المحاور، التي يمكن أن تقطع الطريق أمام خيار الوحدة المغاربية، ولكنها تندرج في إطار تقوية العلاقات الثنائية للرقي بالعلاقات المغاربية إلى المستوى النموذجي الذي ينبغي تكون عليه. دون أن تتنازل – بطبيعة الحال- عن تحميل المسؤولية السياسية لمن يقوم بتعطيل مسار البناء المغاربي ويصر على إغلاق الحدود، والمقصود بذلك الجزائر.. وهو ما يؤكد الارتباط الجدلي بين فكرة الديمقراطية والوحدة المغاربية.. ولذلك فإن الخطاب الرسمي المغربي شدد على ضرورة إعادة تأسيس اتحاد المغرب العربي انطلاقا من رؤية جديدة تتأسس على روح معاهدة 17 شباط/فبراير 1989، وتجدد مضامينها على ضوء التحولات المتسارعة المؤثرة في المنطقة محليا وإقليميا ودوليا وتنتصر بالدرجة الأولى لقيم الثقة، والاحترام المتبادل، والإرادة الجماعية للعيش المشترك، والإيمان بالتكامل الاقتصادي، في أفق بناء نظام مغاربي جديد يستجيب لآمال شعوب المنطقة وتطلعاتها في الحرية والتقدم والازدهار..
“القدس العربي”