الرئيسية / وجهات نظر / ديموقراطية الصندوق الانتخابية
98841c781e4b136df6efce38180f845e

ديموقراطية الصندوق الانتخابية

يعيش بعض البلدان العربية موسماً انتخابياً لتجديد برلمانات او انتخاب رؤساء، بعضها أنجز وبعضها الآخر على الطريق. تقترن حملات الانتخاب هذه بخطاب سياسي يشدد على الديموقراطية والتزامها المطلق، على اعتبار ان صندوق الانتخاب يمثل أعلى تجليات الديموقراطية في نظر السلطات والأحزاب السياسية القائمة. فهل نحن أمام عرس ديموقراطي حقاً؟
في الجزائر تم انتخاب رئيس للبلاد كان يعيش أيامه الأخيرة منذ زمن غير بعيد، وأتى الى صندوق الاقتراع على كرسي، ولم يتمكن من إلقاء خطاب الرئاسة، وعلى رغم ذلك أعطاه صندوق الانتخاب نسبة 85 في المئة من أصوات المقترعين. لا يخفى على اي قارئ للحدث الانتخابي الجزائري ان يصل الى حكم سياسي ينعى بموجبه الحياة السياسية في الجزائر ومواتها السريري. فانتخاب عبدالعزيز بوتفليقة دعمته المجموعة العسكرية القابضة فعلاً على السلطة منذ عقود، فوجدت في الرئيس، الشكلي في السلطة، وسيلة تسمح لها بقيادة البلاد بما يجنّب انفجار الصراعات العنفية بين هذه المجموعة، الى ان يحسم ميزان القوى داخل كتلها.
في العراق، أُجريت انتخابات برلمانية، أعلنت نتائجها مصحوبة بموجة من الانتقادات المشككة في نزاهتها. لكن صندوق الاقتراع هنا رافقته منذ البداية أعمال عنف وسيارات متفجرة منعت الكثير من العراقيين من الذهاب الى هذه الصناديق. لم تخل الانتخابات والخطاب السياسي الذي رافقها من تحريض طائفي ومذهبي داخل المجموعات العراقية، مما جعل الاصطفافات تغلب عليها الجهوية الصافية في أكثر من مكان. ولأنّ هذه الانتخابات أُجريت وسط صراع على السلطة المحلية ودعائمها الاقليمية، فمن المتوقع ان تؤسس لموجة من العنف الطائفي في البلاد، وسعي لإعادة تكوين السلطة على غرار ما كانت عليه، بما يجعل من إنجازها أمراً شكلياً.
في سورية المقبلة على اعادة تعيين بشار الأسد عبر صندوق الانتخاب، تبدو البراميل المتفجرة الناخب الأكبر في البلاد. في بلد تهجّر نصف سكانه داخل البلاد وخارجها، ويعيش شلال دم متدفقاً كل يوم، يصر النظام السوري ومعه الحلفاء الدوليون والاقليميون على مسرحية انتخابية تشرعن الوضع القائم وتقضي على اي أمل بتسوية سياسية وفق ما كان جارياً في مفاوضات جنيف. اكتملت المهزلة الانتخابية السورية هذه المرة بتفتق عبقري عن منافسة ديموقراطية بين ثلاثة مرشحين من بينهم الرئيس، سبقه إفساح في المجال لترشيحات فاقت العشرين، وذلك للقول للعالم ان سورية، على رغم الهجمة عليها مصرّة على السير في مسار ديموقراطي وانتقال شرعي للسلطة، خلاف العهود السابقة للأب والإبن حيث كان يمتنع ولو بالشكل عن السماح بمرشح يقف امام القائد الخالد الى الأبد.
في مصر، وبعد عام على عزل الرئيس الإخواني الذي أتى عبر صندوق الاقتراع، ولكنه، ومعه تنظيم الإخوان المسلمين، اعتبر ان المسار الديموقراطي ينتهي بمجرد نيل الأكثرية في الانتخابات، وبعدها تصبح الديموقراطية حكم الإخوان المسلمين الأوحد، وتلغى كل المظاهر والمكونات التي تقع في صلب الديموقراطية، من الحفاظ على الحريات السياسية والإعلامية، والاعتراف بالتعددية الحزبية والسياسية… فانتهت قبل عام الى انقلاب سياسي – شعبي – عسكري على حكم الإخوان. بعد عام تتهيأ مصر لانتخاب رئيس في ظل منافسة بين عسكري ومدني. تجرى هذه الانتخابات في مناخ من الإرهاب الذي يمارسه تنظيم الإخوان، ومن أحكام قضائية من أغرب ما عرفه القضاء المصري في تاريخه، حيث صدرت أحكام جماعية بالإعدام طاولت مئات من أفراد التنظيم، كما تجري وسط التهويل بالفوضى المقبلة اذا لم يتم انتخاب المرشح العسكري وسط حملة سياسية وشعبية عنوانها: «السيسي او الفوضى»، وهو شعار قادر بقوة على تجييش الجماهير لمصلحة المرشح العسكري، حيث بات الأمن الوطني والفردي، يشكل المطمح الأول للمواطن المصري الراغب بالحياة والعمل والمأكل قبل كل شيء. لذا لن يكون غريباً ان يعطي صندوق الاقتراع أصواتاً كبيرة لهذا التهديد بانعدام الأمن في مصر.
وأخيراً، وصل لبنان الى نهاية المهلة الدستورية لانتخاب رئيس وسط عجز غير مرئي في نهايته عن انتخاب رئيس. يتغنى اللبنانيون بشعار الديموقراطية وتداول السلطة، لكن الاستقطابات الطائفية والمذهبية وما يرافقها من عصبيات فالتة الى أقصى الحدود، أظهرت هشاشة الطبقة السياسية القائمة بتياراتها المتعددة، الداخلة في السلطة، موالية او معارضة، او من خارجها، فتحولت الديموقراطية الى ديموقراطية التعطيل للانتخابات. مهزلة انتخابات الرئاسة تكبر يوماً بعد يوم، بحيث ينتظر اللبنانيون تعيين رئيسهم بقرار خارجي وبتمثيلية شكلية في البرلمان اللبناني.
يشكل صندوق الاقتراع بالتأكيد أحد عناصر الممارسة الديموقراطية، ولكنه لا يختزلها. تحتاج الديموقراطية الى مكونات اخرى من بينها توافر مؤسسات سياسية ومدنية تحمي المسار الديموقراطي وتعطيه أبعاده الفعلية. في عالم عربي يعيش فوضاه الكيانية الى أقصى الحدود، سيظل صندوق الاقتراع تعبيراً شكلياً عن ديموقراطية منقوصة الى أبعد الحدود.
“الحياة” اللندنية