الرئيسية / دراسات / السلفية المنهجية: قراءه تجديديه لمفهوم السلفيه
images (18)

السلفية المنهجية: قراءه تجديديه لمفهوم السلفيه

بقلم: د. صبري محمد خليل*

تمهيد
هذه الدراسه هى قراءه لمفهوم السلفيه تستند الى مفهوم التجديد طبقا لضوابطه فى الفكر الاسلامى. وطبقا لها فان الدلاله الاصليه لمصطلح السلفيه يتسق مع الاجتهاد، ويتناقض مع التقليد. فهى قراءه مغايره لقراءه اخرى تجعل السلفيه شكل من اشكال التقليد وبالتالى تتناقض مع الاجتهاد، هذه القراءه اطلقنا عليها اسم  السلفية المنهجيه لانها تنطلق من اعتبار ان السلفيه كاصل هى منهج ، اى جزء من المنهج الاسلامى فى المعرفه واصول الفقه يحدها كما يحد الكل الجزء، وليست منهج قائم بذاته و مستقل عنه، وهى طبقا لهذا المعنى تتصف بالوحده، لكن تقرير الطبيعه المنهجيه للسلفيه لا يعنى نفى ان السلفية كفرع هى مذهب، اى محصله تطبيق هذا المناهج في أزمنه وأمكنه متعدده ، مما يثمر مذاهب متعدده ،وبالتالى لا يجوز ان نقصر صفه السلفيه على مذهب معين، جاء محصله تطبيق هذا المنهج فى زمان ومكان معين، دون غيره من المذاهب  التى جاءت محصله تطبيق ذات المنهج فى ازمنه وامكنه  اخرى. كما تقوم  فى مجال اصول الدين على الالتزام بفهم السلف الصالح للنصوص  اليقينيه القطعيه، والغاء الاضافات التي طراءت علي فهم السلف لهذه الأصول اى البدع، اما فى مجال فروع الدين  فانها تقوم على الاقتداء بالسلف الصالح فى اجتهادهم ،اى وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتهم استجابة للمشاكل التي عاشوها، وذلك بالاجتهاد فى وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتنا استجابة للمشاكل التي نعيشها، مع اعتبار اجتهاداتهم نقطه بداية لاجتهادنا لا نقطه نهايه له. كما ترى وجوب التمييز – لا الفصل – بين السلف الصالح الذين شكلوا حقبه تاريخيه مباركه، والسلفية كمنهج  يتضمن اقتداء المسلمين بالسلف الصالح في كل زمان ومكان،لان الخلط بينهما يؤدى إما إلى المساوه بين السلف الصالح وغيرهم من المسلمين في المرتبة، او اعتبار السلفيه مرحله تاريخيه ونفى كونها جزء من منهج صالح لكل زمان ومكان، وطبقا لهذه القراءه “التى عبرنا عنها بمصطلح السلفيه المنهجيه” فانه يجب تجاوز فان التفسير الصحيح لكثير من المفاهيم والقواعد الاسلاميه كحجيه قول الصحابى وشمول القران والبدعه يبين انها لا تتناقض مع الاجتهاد او تتسق مع التقليد . واخيرا فان السلفيه المنهجيه ترفض الفصل بين الدعوة والجهاد لان كلاهما فرض شرعي ، وبالتالي فالعلاقة بينهما علاقة تكامل لا تناقض.
السلفية لغه واصطلاحا
السلفية نسبه إلى السلف. والسلف لغة الماضي و كل ما تقدم وسبق قال تعالى(عفي الله عما سلف) (المائدة: 95)، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (سلف، السين واللام والفاء أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف : المتقدمون.(وقال الراغب الأصفهاني في المفردات: السلف : المتقدم ، قال الله تعالى: فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (الزخرف:56) أي معتبراً متقدماً… ولفلان سلف كريم: أي آباء متقدمون.)… أما السلف اصطلاحا فهم الصحابة والتابعون وتابعوهم من الأئمة الذين يقتدي بهم. يقول القلشانى(السلف الصالح، وهو الصدر الأول الراسخون في العلم، المهتدون بهدي النبي صلى الله عليهوسلم، الحافظون لسنته، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، وانتخبهم لإقامة دينه، ورضيهم أئمة للأمة، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، وأفرغوا فى نصح الأمة ونفعهم، وبذلوا فى مرضاة الله أنفسهم). وقد دعت النصوص جميع المسلمين إلى الاقتداء بالسلف الصالح:قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه) (التوبة:الآية100).وقال (صلى الله عليه وسلم)(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)( رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم).
بين المنهج والمذهب: المنهج لغة الطريق، أما في الاصطلاح الشرعي فهو مجموعه القواعد التي مصدرها الوحي والتي تحدد حركه الإنسان ، وقد أشار القران إلى المنهج كما في قوله تعالى(لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، كما أشارت له السنة كما قوله صلى الله عليه وسلم(….ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) . وفى الاصطلاح المعرفي (منهج المعرفة) هو طريقه او أسلوب حل المشاكل المتجددة ، وهو يتصف  بالوحده والثبات، أما المنهج في اصطلاح علماء اصول الفقه (المنهج الاصولى) فهو البحث في أساليب وطرق تحديد الأصول (قواعد السلوك العامة ، المجردة ،الملزمة ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) للفروع (قواعد السلوك التي مصدرها النصوص الظنية الورود). والسلفية كأصل هي منهج، ومن هنا جاء مصطلح السلفية المنهجية.
والسلفية كمنهج قائمه معرفيا (فى مجال منهج المعرفة الاسلامى)على الاستناد إلى او الانطلاق من فهم السلف لمجموعه القواعد التي تحدد نمط معرفه المشاكل التي يواجهها الإنسان ، ونمط الفكر اللازم لحلها، وأسلوب العمل اللازم لتنفيذ هذه الحلول في الواقع، والتي مصدرها الوحي ، فهي جزء من منهج المعرفة الاسلامى يحده كما يحد الكل الجزء، وليست منهج معرفه قائم بذاته و مستقل عنه. كما أنها قائمه أصوليا (في مجال منهج اصولالفقه) على الاستناد إلى او الانطلاق من أساليب وطرق تحديد الأصول للفروع التي وضعها السلف ، فهي جزء من منهج اصول الفقه الاسلامى يجده كما يحد الكل الجزء، وليست منهج اصولى قائم بذاته ومستقل عنه.
أما المذهب لغة فاسم لمكان الذهاب. أما في الاصطلاح الشرعي فهو حقيقة عرفية تطلق على الأحكام التي استخرجها إمام مجتهدٌ أو خرجت على قواعده وأصوله من قِبَلِ أصحابه المجتهدين التابعين لأصوله في التخريج. أما في الاصطلاح المعرفي فهو مجموعه من الحلول للمشاكل التي يطرحها واقع معين زمانا ومكانا ..
وإذا كانت السلفية المنهجية قائمه على ان  السلفية كأصل هي منهج ،فإنها لا تنفى ان السلفية كفرع هي مذهب ، والمقصود بالمذهب السلفي ما جاء كمحصله لتطبيق المنهج السلفي في زمان ومكان معينين. وهنا نوضح خطا من يقر بالسلفية كمنهج وينكرها كمذهب، لأنه لا وجود لمنهج بدون مذهب ، فالأخير هو تطبيق للأول .غير انه يجب تقرير الاتى:
• ان صفه (مذهب) تطلق على اجتهاد بعض السلف في كل او بعض الفروع ، مثلا مذهب الأمام احمد بن حنبل، او مذهب الإمام الشافعي في الزكاة… ، أما كل اجتهادات السلف الصالح في كل الفروع فيطلق عليها صفه (مذاهب السلف) وليس (مذهب السلف)، لأنهم اجتهدوا واختلفوا إلى مذاهب متعددة.
• ان تطبيق المنهج الاسلامى “وخاصه فى حقلى المعرفه واصول الفقه” (والذى تشكل السلفيه جزء منه وليس منهج قائم بذاته)، والتى تتصف بالوحده ، في أزمنه وأمكنه متعددة  يثمر مذاهب سلفيه متعددة ، ففي مجال الفقه مثلا نجد ان المذاهب الحنبلي والمالكي والشافعي ومذاهب الاوزاعى والثوري… كلها مذاهب فقهيه سلفيه لأنها محصله تطبيق ذات المنهج الاسلامى “المعرفى /الاصولى” الواحد) والذى تشكل السلفيه جزء منه (لكن على أزمنه وأمكنه متعددة   .
• انه إذا كان من الممكن ان نطلق صفه السلفية على مذهب معين، فانه لا يصح ان نقصرها عليه، لان هذا يعنى الغاء لعموم دعوه القران والسنة لجميع المسلمين للاقتداء بالسلف الصالح، وإنكار لخصوبة المنهج الاسلامى(والذى تشكل السلفيه جزء منه وليس منهج مستقل عنه )وقابليته للتطبيق على أمكنه وازمنه متعددة ،و بالتالي إنتاج مذهب متعددة.
بين اصول الدين وفروعه: الأصل لغه ُ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَأَصْلِ الْجِدَارِ، أَيْ: أَسَاسِهِ. وَأَصْلُ الشَّجَرَةِ، أَيْ: طَرَفُهَا الثَّابِتُ فِي الْأَرْضِ( شرح المحلي على الورقات(.أما الأصل اصطلاحا فهو كل نص يقيني الورود(من عند الله تعالى او الرسول(ص)) قطعي الدلالة (لا يحتمل التأويل)
والسلفية المنهجية قائمه هنا على الالتزام بفهم السلف الصالح لهذه النصوص ، وما تتضمنه من عقائد وعبادات وأصول معاملات، لذا قال العلماء ان (قول الصحابي في الأمور التي لا مجال فيها للراى او الاجتهاد له حكم الرفع فالاستدلال والاحتجاج،وذلك حملا لقوله في هذا الباب على التوقف والسماع والتنصيص من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يظن بهم المجازفة في القول ولا يجوز أن يحمل قولهم على الكذب فإن طريق الدين من النصوص إنما انتقل إلينا بروايتهم)(علاء الدين عبد العزير بن أحمد البخاري ،كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، دار الكتاب العربي ،1997، ط3،ج3، ص410).
كما أنها قائمه على الغاء الاضافات التي طراءت علي فهم السلف لهذه الأصول ،اى البدع إذ البدعة هي الاضافه إلى اصول الدين.
أما الْفرْعِ فهو لغة مُقَابِلُ الْأَصْلِ: اى مَا يُبْنَى عَلَى غَيْرِهِ. كَفُرُوعِ الشَّجَرَةِ لِأَصْلِهَا، وَفُرُوعِ الْفِقْهِ لِأُصُولِهِ ( شرح المحلي على الورقات)أما اصطلاحا فهو كل نص ظني ورود اوالدلالهِ . والسلفية المنهجية  قائمه هنا على الاقتداء بالسلف الصالح فى اجتهادهم فى وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتهم استجابة للمشاكل التي عاشوها، وذلك بالاجتهاد فى وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتنا استجابة للمشاكل التي نعيشها ، غير ان هذا لا يعنى الغاء القواعد الفرعية التي وضعها السلف الصالح ،بل اعتبارها تجسيدا لماضي الامه وخبرتها، وبالتالي اتخاذها نقطه بداية لاجتهادنا لا نقطه نهايه له، وذلك بالالتزام بالقواعد الفرعية التي وضعوها كما هى ، او بعد الترجيح بينها ، او وضع قواعد جديدة استجابة لمشاكل جديده لم يعايشوها..
بين التقليد والاجتهاد: التَّقْلِيدِ بالاصطلاح الشرعي قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ بِلَا حُجَّةٍ يَذْكُرُهَا ( شرح المحلي على الورقات(. وقد ذم القران التقليد (واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه إباءنا)(لقمان:21) كما نهى عنه الائمه :
يقول الإمام أبو حنيفة(حرام على من لم يعرف دليلي ان يفتى بكلامي، فاننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا(ابن عبد البر، فى فضائل الائمه والفقهاء، ص145).
ويقول الإمام الشافعي(من استبان له سنه الرسول لم يحل له ان يدعها لقول احد) (ابن القيم، أعلام الموقعين، ج2 ، ص361).
ويقول الإمام احمد بن حنبل(لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وخذوا من حيث اخذوا) (ابن القيم أعلام الموقعين،ج2، ص302).
ويقول الإمام مالك بن انس(ليس لأحد بعد النبي إلا يؤخذ قوله ويترك) (بن عبد البر، الجامع ،ص112).
فالسلفية المنهجية اذا تتناقض مع التقليد،لان النصوص ذمته ، ولان السلف الصالح نهوا عنه ، ولان مضمون الاقتداء بالسلف الصالح(جوهر السلفية) أما الاستناد إلى فهمهم لأصول الدين التي مصدرها النصوص اليقينه الورود القطعية الدلالة ، لأنهم كانوا اقرب منا زمانا بعهد الرسول(ص)، وأكثر فهما منا لدلاله لغة القران، او الانطلاق من اجتهادهم فى فروع الدين التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة لأنه تجسيد لماضي الامه وخبرتها. وبالتالي فإنها في كلا الحالتين قبول مع حجه او دليل (هو النص اليقيني الورود القطعي الدلالة في الحالة الأولى او النص الظني الورود والدلالة في الحالة الثانية)، ولانه في كلا الحالتين ليس من بين حجج قبول أقوالهم انها مكافئه للكتاب او السنة التي هي المصدر الوحيد للاصول .
كما ان السلفيه المنهجيه تتناقض مع التقليد لأنها قائمه في مجال الفروع على اتخاذ اجتهادات السلف نقطه بدايه للاجتهاد لا نقطه نهايه له، بخلاف القول الأخير الذى يترتب عليه الغاء الاجتهاد ،و يتناقض مع الاقتداء السلففى اجتهادهم، فهو يعبر عن شكل عن أشكال التقليد، ولا يعبر عن جوهر السلفيه. وطبقا لما سبق فاننا نرفض ان يستخدم مصطلح السلفيه للدلاله على مصطلح التقليد،اى نرفض اعتبار ان المصطلحان متطابقان، كما يشيع فى بعض كتابات بعض الكتاب المنتمين لتيارات التغريب.
أما الاجتهاد لغة فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض، أما اصطلاحا فهو هو بذل الوسع في النظر في الأدلة الشرعية باستنباط الأحكام منها.
و السلفيه المنهجيه قائمه هنا على الاجتهاد، لان النصوص أمرت به، ولان السلف الصالح دعوا إليه والتزموا به فاجتهدوا في فروع الدين ، غير ان هذا الاجتهاد – كما سبق بيانه- ليس مقطوع الصلة بالماضي وليس له نقطه بدايه، بل يتخذ اجتهادهم نقطه بدايه له باعتباره تجسيدا لماضي الامه وخبرتها.
السلفيه اقتداء بحقبه تاريخيه مباركه فى كل زمان ومكان : كما ترى السلفيه المنهجيه وجوب التمييز بين السلف الصالح الذين شكلوا حقبه تاريخيه مباركه، والسلفية كمنهج قائم على الاقتداء بالسلف الصالح في كل زمان ومكان،والخلط بينهما يؤدى إما إلى المساوه بين السلف الصالح وغيرهم من المسلمين في المرتبة، او اعتبار السلفيه مرحله تاريخيه ونفى كونها منهج صالح لكل زمان ومكان.
التجديد: التجديد لغة : اعاده الشيء إلى سيرته الأولى (جدد الثوب تجديدا: صيره جديدا. وتجدد الشيء تجددا: صار جديدا، تقول: جدده فتجدد وأجده أى الثوب وجدده واستجده: صيره، أو لبسه جديدا فتجدد. والجديد نقيض البلى والخلق. (لسان العرب 3/111، الصحاح للجوهرى 2/454)
أما التجديد في الاصطلاح الشرعي فهو اجتهاد فى فروع الدين المتغيرة مقيد (محدود) بأصوله الثابتة قال (ص) “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” (سنن أبى داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر فى قرن المائة ح رقم 3740 والحاكم في المستدرك 4/522)
عرف العلماء التجديد في الحديث(بإحياء ما اندرس من معالم الدين، وانطمس من أحكام الشريعة وما ذهب من السنن، وخفي من العلوم الظاهرة والباطنة)(فيض القدير 1/ 10- 2/282.(كما عرفوا المجدد بأنه من (له حنكة رد المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق والنظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته) (فيض القدير 1/10، عون المعبود 11/389،391 ).فالتجديد اذا ليس هو التغريب (كما يرى البعض) لان مضمون الأخير الاعتقاد بان تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية. وبمنظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه.بناءا على ما تقدم فان السلفيه المنهجيه لا تتناقض مع التجديد، بل ان التجديد طبقا لمعناه الاصطلاحي الشرعي الأنف الذكر هو احد مكوناتها.
مفاهيم وقواعد:
حجية قول الصحابي: تعددت أراء العلماء في حجية قول الصحابي:
ا/ قول الصحابي في الأمور التي لا مجال فيها للاجتهاد  له حكم الرفع فالاستدلال والاحتجاج[ (علاء الدين عبد العزير بن أحمد البخاري ،كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي،ج3/410،ط3، 1997،دار الكتاب العربي).
ب/ قول الصحابي إذا انتشر، ولم يعرف له مخالف فهو يعد من قبيل الإجماع السكوتي، وهو حجة
يقول ابن تيمية( فصل وأما أقوال الصحابة فان انتشرت ولم تنكر فى زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء ) (مجموع الفتاوى،ج20/14)
ج/ قول الصحابي إذا خالف صحابيا آخر وجب على المجتهد أن يأخذ من أقوالهم حسب الدليل ،وعندئذ يكون الأخذ بالدليل لا بقول الصحابي  .قال ابن تيمية( وان تنازعوا رد ما تنازعوا فيه الى الله والرسول ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء)(مجموع الفتاوى،ج20/14)
د/ قول الصحابي إذا لم يخالفه صحابي آخر، أو لم يشتهر بين الصحابة، أو لم يعلم اشتهاره من عدمه، وكان هذا القول في مسائل للاجتهاد فيها مجال: 1/أنه حجة شرعية مقدمة على القياس وقال بهذا أبو حنيفة وكثير من أصحابه ، وهو قول مالك وكثير من أتباعه أيضا،وهو مذهب الشافعي في القديم والجديد،ومذهب أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وجمهور أهل الحديث) إجمال الإصابة في أقوال الصحابة،ص36،وأعلام الموقعين،ج5/5482. (/أنه ليس بحجة مطلقا.قال الشوكاني: وهو قول الجمهور. ونسبه ابن القيم إلى بعض المتأخرين من الحنفية والمالكية والحنابلة وكثير من المتكلمين.وهو رواية عن أحمد،ونسبه أصحاب الشافعي إليه في الجديد وهو قول أبوالخطاب من الحنابلة (إرشاد الفحول ج2/995 ، إعلام الموقعين ج5/555، التمهيد ج3/3313.(/انه حجة إذا كان مما لا يدرك بالقياس وهو قول الكرخي من الحنفية وأبو زيد ونقله العلائي عن البزدوي وابن الساعاتي.4/أن الحجة في قول الخلفاء الأربعة الراشدين.العلائي نسبه إلى القاضي أبو حازم من الحنفية وإلى الإمام أحمد) إجمال الإصابة، ص51( .5/أن الحجة في قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقط نقله العلائي عن جماعة من المصنفين(المرجع السابق).6/أنه حجة إذا انضم إليه القياس،فيقدم حينئذ على قول صحابي آخر. ، يرى البعض انه ظاهر مذهب الشافعي في الجديد (أصول الفقه، وهبةالزحيلي،ج2/881).استنادا إلى العرض السابق نرى ان مرجع تعدد أراء العلماء في حجية قول الصحابى تعدد  الزوايا التي نظر من خلالها العلماء الى قول الصحابى وحجيته، من هذه الزوايا:
1/طبيعة موضوع قول الصحابى :  إذا كان أصلا (من الأمور التي لا مجال فيها للاجتهاد) فله حكم الرفع فالاستدلال والاحتجاج ، وإذا كان فرعا (في مسائل للاجتهاد فيها مجال) ، فالراى الغالب انه حجه مع اختلاف العلماء في طبيعة الحجية فيه .2/مدى مخالفته  لقول صحابى أخر :  إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع سكوتي، و إذا خالف صحابيا يأخذ من أقوالهم حسب الدليل.3/طبيعة الإلزام(الحجية) فيه : حجة مقدمة على القياس، حجة إذا كان مما لا يدرك بالقياس، حجة إذا انضم إليه القياس…4/مصدر الإلزام فيه(قول الصحابى فى ذاته او النص) : النص هو مصدرالالزام لا قول الصحابى فى ذاته،عبر عن ذلك الشوكاني بقوله “… فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبيها محمدا صلى الله عليه وسلم وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد ،وجميع الأمة مأمور باتياع كتابة، وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة، و بين من بعدهم في ذلك فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، وباتباع الكتاب والسنة .فمن قال إنها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله، وسنة رسوله، وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به (إرشاد الفحول ج2/997-998.)5./من من الصحابه يعد قوله حجه : قول الخلفاء الأربعة الراشدين، قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما…
قاعدة شمول القران:
ومن القواعد الاسلاميه قاعدة شمول القران التي أشار إليها القران فى عده مواضع منها قوله تعالى (وما فرطنا في الكتاب من شيء والى ربهم يرجعون)(الأنعام :38) ، غير ان هناك تفسيرين لهذه القاعدة:التفسير الاول:ان القران تضمن اصول الأحكام وفروعها، وقال به أهل الظاهر، وهو تفسير يؤدى إلى التقليد والإلغاء الاجتهاد. التفسير الثاني: ان القران تضمن اصول الأحكام وترك للمسلمين الاجتهاد في فروعها، وهو تفسير  لا يؤدى إلى التقليد ولا يلغى الاجتهاد، وهو التفسير الذى يعبر عن الموقف السلفي من هذه القاعدة يقول ابن تيميه (ان الله بعث محمدا بجوامع الكلم، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قاعدة عامه تتناول انواعا كثيرة ،وتلك الأنواع تتناول أحيانا جزئيات، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطه بأحكام أفعال العباد )(الفتاوى، المجلد الاول، ص 410) ويقول ابن القيم(الأحكام على نوعان نوع لا يتغير عن حاله واحده هو عليها… والثانى ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة زمانا ومكانا وحالا)(أعلام الموقعين)
مفهوم البدعة:
البدعة لغة: إحداث أو إنشاء شيء أو صفه بدون احتذاء أو إقتداء بأصل أو مثال سابق. يقول الفراهيدي : (البَدع : إحداثُ شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة) (العين ، للفراهيدي 2 : 54) ،ويقول الراغب : (الإبداع : هو إنشاء صفةٍ بلا احتذاء وإقتداء) (معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم ، للراغب الاصفهاني 36). اما البدعه اصطلاحا: فهي الاضافه إلى الدين، والمقصود بالدين أصوله لا فروعه، دون الاستناد إلى نص يقيني الورود قطعي الدلالة: يقول تعالى (… ورَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاّ ابتغاء رِضوَانِ اللهِ ….). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة). رواه مسلم ومعناه عند البخاري من حديث ابن مسعود..يقول ابن رجب الحنبلي: (ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدّل عليه ، أما ما كان له أصل من الشرع يدّل عليه فليس ببدعة شرعاً وإنْ كان بدعة لغةً)( جامع العلوم والحكم ، لابن رجب الحنبلي : 160 طبع الهند).ويقول ابن حجر العسقلاني: (أصلها ما أُحدِثَ على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابل السُنّة فتكون مذمومة…) ( فتح الباري ، لابن حجر العسقلاني 5 : 156) .ويقول الشاطبي : (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية ـ وقال في مكان آخر ـ يُقصد بالسلوك عليها : المبالغة في التعبّد لله تعالى)(الاعتصام ، للشاطبي 1 : 37.5). إذا رفض البدعه ليس تكريسا للتقليد او إلغاء للاجتهاد ، لأنها متعلقة بأصول الدين الثابتة لا فروعه المتغيرة. كما ان محاربه نمط التفكير البدعى هو في ذات الوقت محاربه لنمطي التفكير الاسطورى والخرافي المتضمنين فيه.
السلفيه وقضايا الشرعيه والتغيير:
هناك مذهب فى الفكر الاسلامى المعاصر  يرى ان  موقف ائمه السلفيه عامه والمذهب الحنبلى خاصه من قصايا الشرعيه والتغيير يقوم على شرعيه السلطه التى لم تجىْ من خلال بيعه صحيحه، باعتبارهاعقد اختيار لم يدخله اجبار، وتستبد بالسلطه دون الجماعه، بدلا من ان تكون نائب ووكيل عنها، لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها ،ويرفض التغيير بانماطه المختلفه (الاصلاح والثوره). وهذا المذهب غير صحيح ، اذ ان الموقف الحقيقى لهؤلاء الائمه انما يقوم على اعتبار ان اى سلطه لم تجىْ من خلال بيعه صحيحه باعتبارهاعقد اختيار لم يدخله اجبار، وتستبد بالسلطه دون الجماعه، بدلا من ان تكون نائب ووكيل عنها، لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها، فهى غير شرعيه، ويجب تغييرها.لكن انقسم علماء المذهب الحنبلى بعد ذلك حول اسلوب التغيير الى مذهبين:
المذهب الاول:
ياخذ بالثوره”التى عبر عنها الفقهاء بمصطلح خلع السلطان الجائر” كاسلوب للتغيير يتصف بالفجائيه والكليه ،فقد ذكر أبن أبي يعلى في ذيل طبقات الحنابلة عن الإمام أحمد في رواية) من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــة ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا) (طبقات الحنابلة)،ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي 10 311).
المذهب الثانى:
برفض الثوره كاسلوب للتغيير، لكن فى ذات الوقت ياخذ بالاصلاح كاسلوب للتغيير يتصف بالتدرج والسلميه والجزئيه، وياخذ اشكال عده اههما التقويم والنصح ، ينقل الامام ابن تيمية من مذهب أهل السنة(أنهم لا يرون الخروج علي الأئمة وقتالهم بالسيف، وان كان فيهم ظلم، لان الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام الادني). وفي الحقيقة أن الائمه الذين اخذوا بهذا المذهب اتفقوا مع المذهب الاول فى ان البيعة التي يدخلها الإجبار غير شرعية ويجب إزالتها، ولكن ما يرونة هو أن هذه البيعة غير الشرعية قد تظل مستمرة في بعض الظروف ،بحكم الضروره ،دون أن يعني هذا شرعيتها ، من هذه الظروف عدم وجود القيادة التي تتوافر فيها الشروط الشرعية،مع وجود القيادة القوية، التي لم تتوافر فيها الشروط الشرعية، فان يجب استمرارها  فى حالات الخطر الحال بالامه كالحرب. ويدل على ما سبق: اولا: ان الامام ابن تيمية جعل عله منع الخروج فى النص السابق ليس النصوص بل دفع (أعظم الفسادين بالتزام الادني)،ثانيا: دعوه ابن تيميه المسلمين الى  التوحد فى جبهه واحده للجهاد ضد التتار ،ثالثا: حبس الامام ابن تيميه لمدد طويله ووفاته فى السجن بسبب انكاره للكثير من المفاهيم والسلوكيات التى راى انها انحراف عن الدين الصحيح، رابعا تقرير الامام ابن تيميه فى العديد من مؤلفاته  لكثير من صفات شرعيه الدوله كالعدل كقوله ” الفتاوى ” في ” رسالة في الحسبة ” (فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى : ” اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً). اذا هذا الموقف   لعلماء المذهب الثانى لا يجوز سحبه على  اى نظم سياسيه تابعه  سياسيا او اقتصاديا او فكريا… للغرب، اومهادنه للكيان الصهيونى علنا او سرا.
بين الدعوة والجهاد:
واخيرا فان هذه القراءه التى عبرنا عنها بمصطلح السلفيه المنهجيه ترفض الفصل بين الدعوة والجهاد،كما يلزم من بعض التصورات التي تقسم السلفيه إلى سلفيه دعوية وسلفيه جهادية،على وجه يجعل العلاقة بينهما هي علاقة تناقض ، بالتالي فان التزام بأحدهما يلزم منه الغاء الالتزام بالأخر،اى الاقتصار على احدهما والقصور عن الأخر والاستغناء به عنه. فى حين ان كلاهما فرض شرعي ، وبالتالي فالعلاقة بينهما علاقة تكامل لا تناقض .ذلك ان منهج التغير الاسلامى يقوم على تعدد أساليب التغيير (كأساليب التغيير الفكري او السياسي او الاجتماعي او التربوي…)، وبالتالي فان التزام جماعه معينه بأسلوب تغيير معين يجب ان يكون من باب التخصص لا الانفراد، ،اى دون إنكارها لأساليب التغيير الأخرى التي قد تلتزم بها جماعات أخرى لقوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة:122).مع ملاحظه انه يجب الالتزام بالضوابط الشرعية لكلا الفرضين الدعوة و الجهاد.

*أستاذ فلسفة القيم الاسلامية في جامعة الخرطوم