الرئيسية / إضاءات / مجتمع البيضان و حدوده الجغرافية
eb1c9d9e1a208ff065b86e274df180fb

مجتمع البيضان و حدوده الجغرافية

اسم يطلق محلياً الذين يتكلمون الحسانية (أيضا كلام حسان) من العرب والبربر البيض ومن لحق بهم من السود، في موريتانيا، والصحراء المغربية، غرب مالي، جنوب الجزائر وشمال السنغال، وهي المطقة الحصورة جغرافيا بين وادي درعة شمالا وواد نهر السينغال و نهر النيجر جنوبا , ومن جبال إفوغاس شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا وهي المنطقة المعروفة محليا بتراب البيظان ،وتشترك هذه المجموعة أن لها نفس العادات و التقاليد ونفس نمط اللباس ومن مميزاتهم كذلك شكل الراحلة، و اللثام الأسود وهم مسلمون مالكيون على مذهب أبن القاسم، وتتركز مجموعة البيظان الكبرى في موريتانيا واليها يعود اصل هذه التسمية.
ويخضع مجتمع البيضان لتقسيم طبقي هرمي صارم يعكس واقع الحياة التقليدي لدى البيظان وتوزيع الأدوار لدى مختلف شرائحهم, فبالإضافة إلى الزوايا (أو الطلبة) ولعرب (أو حسان) الذين يشكلون أكبر مجموعتين لدى البيضان.
وقد إختلف الباحثون البيضان أنفسهم حول حدود هذا المجال ، و الإختلاف الحاصل في الإمتداد الشمالي للمجال ، فالبعض يجعله لا يتجاوز إقليم الساقية الحمراء شمالا ، و البعض يعتبر مصب وادي درعة حدا شماليا له ، و البعض الآخر يعتبر حواف الأطلس الصغير هي الحدود الشمالية له ، جاعلا منقطة وادي نون جزءا لا يتجزء منه ، هاته الإشكالية مردها أساسا كون جل الباحثين المعاصرين حول المجال موريتانيين ، و نظرا لجهلهم النسبي لمكونات مجتمع الجنوب المغربي فإن إجتهادهم قادهم إلى هذا الطرح ، رغم أن الباحثين الكولونياليين و على رأسهم بول مارتي كان أكثر شمولية و واقعية عندما ضم قبائل تكنة المستوطنة لمنطقة واد نون ضمن المجال في دراسته حول موريتانيا ، نفس الإشكالية تطرح عندما يتم تناسي أو إقصاء بعض الأجزاء الشرقية لمجال البيضان ، خصوصا منها الواقعة في دولة الجزائر و التي تضم ولاية تندوف التي تقطنها قبائل من الركيبات و تجكانت البيضانيتين ، و قد كان محمد المامي البخاري في كتابه البادية واضحا في هذا الباب إذ قال تحديد حدود بلاد البيضان ” مابين نهر شمامة “السنغال” جنوبا إلى حدود بلاد سوس شمالا إلى لحمادة شرقا” و يجاريه في هذا الطرح أحمد بن الأمين الشنقيطي حينما يقول” أرض مشهورة ،وهي أخر شنقيط من جهة وادي نون ،تبعد عن شنقيط عشرين يوما” ، و على هذا الأساس لا يمكننا و الحالة هاته سوى القطع على كون هذا المجال بحدوده هاته يتلاءم و المعطى الثقافي الذي أستند عليه أساسا لتحديد المجال ، ألى و هو وحدة الثقافة و اللسان و العادات و التقاليد .
يضم مجتمع البيضان مجموعة من المكونات البشرية ، لا من حيث إنتماءاتها “العرقية” – مع تحفظنا الشديد حول هذا النعت – ، أو من حيث إنتماءها الوظيفي ، أو من حيث أصولها الثقافية .
و لا غرو أن بلاد البيضان في إمتدادها المجالي الشاسع لم تضم ذلك التكتل البشري المهم عدديا ، و السبب في ذلك عائد إلى ظروفها الإقتصادية الصعبة التي تجعل التطور البشري على المستوى الكمي محدودا جدا ، و حتى إن حدث فإن عملية استيعابه تتم من لدن مناطق أخرى و على رأسها الداخل المغربي ، إذ أنه و في كل حين عندما تتضخم أعداد البيضان في مواطنهم يصبح لزاما عليهم أن يحاربوا ليجدوا لأنفسهم موطأ قدم آمن ، الشيء الذي يفسر على مر العصور تلك الحروب القبلية الطاحنة التي مر بها هذا المجتمع ، إذ باتت عادة غالبة على طباعه ، كما أن الشمال إستوعب على مر العصور ذلك الفائض البشري إن صح التعبير ، إذ شهدت بلاد متفرقة من مغرب الداخل هجرات كبيرة لقبائل بيضانية عبر مر العصور لعل أشهرها هجرات قبائل الرحامنة و أولا بوالسبع و أولاد دليم و تكنة ، لسد النقص البشري الحاصل على إثر حروب الأندلس الطاحنة التي أفرغت مغرب الداخل ، أو عقب موجات الطاعون التي تأتي على أعداد مهمة من السكان ، فيأتي التعويض من بلاد البيضان .
مجتمع البيضان ليس وحدة بشرية منسجمة ، بل هو خليط مجتمعي مر بمراحل تاريخية حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم ، و يتكون أساسا من :
مجموعة القبائل الصنهاجية : و يأتي على رأسها لمتونة و جدالة و مسوفة و لمطة ، و قد فقدت هاته القبائل مع الوقت تسمياتها و مراكزها القيادية ، لكن لم تخسر
حضورها بشكل نهائي إذ قامت في خضم السيطرة الحسانية إمارات صنهاجية قوية و هي إمارة إدوعيش و مشظوف .
مجموعة بني حسان : و تضم مجموعة من القبائل العربية التي قدمت من المشرق على إثر الهجرات الهلالية ، و تمكنت من النفوذ للبلاد إبتداءا من القرن 14 الميلادي، و عملت على السيطرة على المنطقة عسكريا و ثقافيا حتى أصبحت ثقافتها هي الغالبة على الجميع .
المجموعات الزنجية : و هي قليلة العدد مقارنة بالمجموعتين الأولى و الثانية إلا أنها أصيلة في البلاد و تتكون من قبائل التكلور و الفلان و السراكولي و البمبارة و توجد في أقصى الجنوب الموريتاني .
تعتبر المجموعات الثلاث السالفة الذكر الأهم على المستوى العددي ، لكن إضافة إلى هاته المجموعات الثلاث توجد مجموعات بشرية أخرى لا تنتمي لنفس المحتد كالفهريين و الأندلسيين و الرماة المغاربة و الشرفاء و غيرهم .
و يصنف الشيخ سيدي محمد بن سيدي المختار الكنتي الفئات المتوطنة بهذا المجال إذ يقول “أما في مثل هذه البلاد الصحراوية التكرورية السائبة التي لا تبلغها أحكام الأمراء و لا تنالها أيديهم أهلها ثلاث طوائف ، ظلمة متغلبون و زوايا مغلوبون و لحمة و مساكين مملوكون تضرب على رقابهم الجزي و يتوارثون جيلا بعد جيل يعطى ما عليهم من الإتاوات في الصرفات و أثمان المبيعات و هم مع ذلك ضعفاء الأديان سخفاء المروؤات لا يحجزهم عن التغاور و التناحر فيما بينهم و لا يدفع عنهم مكر الظلمة و شديد عدوانهم إلا من كانوا في ملكه من إخوانهم ، ثم طائفة الزوايا في معاملة الظلمة ثلاث فرق ، فرقة دارتهم من أعراضها و غالب أموالها
بجزي معلوم منها يدفعونه إليهم كل سنة و يدعونه الغفر ، و لا يكون مظلمة عندهم ، و لا عدوانا ، و هذه الفرقة اعتمدت حديث بعثت مداريا فداروا و حديث كل مداراة صدقة ، و أسسوا ذلك على ارتكاب أخف الضررين ، و قاعدة دفع المفاسد أولى من جلب المصالح ، و فرقة امتنعوا من مداراتهم و شغلوهم في أنفسهم بالطمع بما في أيديهم ، و فرقة استضعفوهم فأجروهم مجرى اللحمة ” ، من خلال تحليل الشيخ سيدي محمد الكنتي يمكن أن نخلص إلى أن فئات مجتمع البيضان و التي سماها ب “البلاد الصحراوية التكرورية السائبة” هي كالآتي :
ـ ظلمة متغلبون : و يقصد ها هنا القبائل الحسانية و من سار على نهجها التي إعتمدت أسلوب القوة و الإكراه لتفرض هيبتها على المنطقة .
ـ زوايا مغلوبون : و القصد هي القبائل العاملة التي اتخذت من العلم و أدبيات المحضرة ديدنا لها ، من خلال تخريج العلماء و إيواء التلاميذ و المريدين ، وصفها الشيخ سيدي محمد بالمغلوبة .
ـ لحمة و مساكين مملوكون : و القصد هنا هي تلك القبائل التي إنهزمت في خضم الحروب الطويلة الطاحنة ، و فقدت مع الوقت قوتها و قدرتها على المقاومة فأضحت قبائل تابعة ، لا تملك سلطة القرار و الإستقلالية .
اختلف حول تسمية المجال عبر حقب التاريخ ، فنجده يتخذ مسميات عديدة في الكتابات العربية على الخصوص .
– بلاد البيضان : أطلقت للدلالة العرقية و التفريق بين مواطن البيض و السود في هاته المنطقة و يعتبر أبو عبيد الله البكري و إبن بطوطة و حسن الوزان من الأوائل الذين أطلقوا هاته التسمية على المنطقة ، إذ يميزون بين مواطن البيضان و السودان ، في دلالة واضحة أن المراد منها هو الوصف العرقي لا غير ، لكن هاته التسمية لم تقتصر على المتقدمين من الإخباريين و الرحالة فها هي تسمية مجال البيضان ترحل عبر الزمن لتصل إلى نهاية القرن 19 الميلادي ، فالشيخ موسى كامارا في كتابه التاريخي المهم ” تاريخ قبائل البيضان عرب الصحراء الكبرى ” يعطي لنا دليلا واضحا أن التسمية ظلت متداولة في الأوساط “المثقفة” إلى فترات متأخرة .
– صحراء الملثمين : تشمل هاته التسمية البلاد الصحراوية قبيل و أثناء و بعد نشأة دولة المرابطين ، فبعد أن ساهمت هاته المنطقة في المسار السياسي للغرب الإسلامي ، بدأ الإخباريون العرب يولونها إهتماما متزايدا ، مطلقين عليها هاته التسمية
– بلاد صنهاجة : الشيء نفسه بالنسبة لهاته التسمية التي أطلقت على البلاد عندما أصبحت قبائل صنهاجة تتحكم في منطقة الغرب الإسلامي ككل الشيء الذي جعل الإخباريين يبحثون في أصولها و منطلقها .
– بلاد التكرور : تعبتر هاته التسمية من الأسماء الشائعة جدا عند أهل البلد، إذ يعتبرونها علما جغرافيا على المنطقة ، و إن كانت مقتصرة على فترة زمنية معينة ، و التكرور هو تصحيف للفظ التكلور ، و هي مجموعة قبلية سودانية تستقر في المناطق المتاخمة لأحراش السفانا ، لا ندري سبب شيوعها على المجال ، جاءت هاته التسمية عند البرتلي الولاتي في كتابه “فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور” ، على أن هذا اللقب تكرر من جديد عند أحد أعلام السودان الغربي ، محمد بلو بن عثمان الفودي في مؤلفه “إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور” ، لكن بلاد التكرور عند محمد بلو ليست ذاتها عند البرتلي، فمحمد بلو في كتابه يشير إلى شمولية أكبر إذ جعلها علما على بلاد السودان ، و عليه يمكن القول أن تسمية بلاد التكرور أطلق علما على كافة البلاد المسلمة الواقعة جنوب الصحراء .
– بلاد شنقيط : أطلقت على ربوع بلاد البيضان علما على مدينة واحدة من مدنها و هي مدينة شنقيط أو شنقيطي ، و ذلك دليل على إزدهار هاته المدينة في فترة من الفترات حتى باتت علما على البلاد كلها كما
يقول أحمد الأمين الشنقيطي في كتابه الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ، و قد إشتهرت هاته البلاد بهذا الإسم إلى فترات متأخرة ، و ظلت إرساباتها بادية للعيان ، إذ لا يزال بعض المهتمين يتداولونها ، فصاحب المنارة و الرباط يؤكد على أن سبب شهرة هذا الإسم ما بلغته المدينة من إزدهار ثقافي و معرفي جعلها تتربع على صدارة حواضر المنطقة .
– بلاد المغافرة : شكلت هجرة قبائل عرب بني حسان ذلك التحول الجذري على جميع الأصعدة ، الشيء الذي أتبعه إهتمام متزايد بهاته المجموعة البشرية و على رأسها أقواها و أكبرها “المغافرة” التي كان لها دور حاسم في تشكل النظام الأميري في المنطقة .
– بلاد السيبة :حضرت هاته التسمية و بقوة في مخيلة الإنسان البيضاني، تعبيرا عن الفراغ السياسي في المنطقة ، و تسمية السيبة كناية على إنعدام نظام سياسي جامع و شامل يحد من تسلط القوى المحلية ، فالشيخ محمد المامي و هو القاطن في شمال بلاد البيضان “تيرس” عانت منطقته من هذا الوضع ، الشيء الذي جعل كتابه “البادية” يعج بفتاوى و إجتهادات لسد ذلك الفراغ السياسي الحاصل في المنطقة ، على كل حال شكلت السيبة و إنعدام الأمن أحد المسوغات الحقيقية وراء هاته التسمية .
– البلاد الصحراوية التكرورية السائبة : و هذه التسمية شاملة لكل التسميات الأخرى ، جاءت في أحد رسائل الشيخ سيدي محمد بن سيدي المختار الكنتي ، الذي وصف فيها هاته البلاد بكل هاته الصفات و هو المطلع على تفاصيلها .
و يمكن القول أن مجتمع البيضان تشكل من إندماج مجموعتين كبيرتين ، شعب صنهاجة الملثمين و بني حسان العربية ، و صارت للبيضان مع الوقت عاداتهم و تقاليدهم الموحدة ، الزي ، الخيمة ، الضيافة ، الزواج ، و المأتم ، التحالف ، المواثيق مع تأثير واضح للعرف الصحراوي المتكيف مع مشهور المذهب المالكي .