الرئيسية / هكذا نراها / القدس مرة أخرى: الحاجة لمقاربات عملية فاعلة

القدس مرة أخرى: الحاجة لمقاربات عملية فاعلة

كلام واضح، ذلك الذي جاء به خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس في افتتاح أعمال لجنة القدس، وأصبع على الجرح يشير بوضوح مؤلم، إلى أن اللحظة أبعد ما تكون عن المناكفات والمزايدات، وأن القدس الجريحة هي في أمس الحاجة إلى مقاربات عملية ومشاريع عملية واضحة الأهداف والآليات والموازنات والمآل، ناهيك عن خطاب عربي إسلامي موجه للعالم والمؤثرين فيه، بلغة موحدة الغايات، فصيحة المعاني تصرخ بحسم أن “كفى” للغطرسة الصهيونية، والتساهل- إن لم يكن التستر- الغربي معها وعليها، بشكل لطالما كرسها على مدى سبعة عقود، كيانا فوق الشرعية والمواثيق الدولية.
القدس وأهلها لا يحتاجون إلى موازنات بالمليارات، فتعداد من تبقى من أهلها فيها لا يتجاوز الربع مليون، رقم يقل عن تعداد سكان إي حي في أي من العواصم العربية الكبرى، يتكدسون داخل القدس الشرقية في مساحة لا تتجاوز التسعة كيلومترات مربعة. ويكفي أن نعرف إن مجمل دخل الممارسين للنشاط الاقتصادي داخلها سنويا لا يتجاوز الخمسين مليون دولار، وهو رقم يقل عن نصف قيمة لاعب كرة قدم من المشاهير، حتى لا نقول ثمن ناد من الأندية، التي يتداعى أثرياؤنا العرب لشرائها.
القدس يا سادة مزقت بواسطة جدار الفصل العنصري إلى قسمين، ليبقي داخل السور ما يزيد قليلا عن مائة وعشرين ألف مقدسي يغرقون في لجة من المستوطنين الصهاينة، يزيد عددهم عن الستمائة ألف، سرعان ما سيتحولون إلى ثمانمائة ألف عندما يكتمل خلال بضعة شهور بناء الجدار وإنجاز المشاريع الاستيطانية المحيطة بها.
الكيان الصهيوني يا سادة أحكم سيطرته على تقديم الخدمات الصحية والتعليمية لما يقرب من ثلاثة أرباع سكان المدينة المقدسة، وفرض مناهجه الدراسية، ولم تبق في مواجهته إلا بضع مؤسسات وطنية لا تزال تعض على جرحها وتقاوم صهينتها بإرادة أبنائها، وبأموال يأتي معظمها من… الاتحاد الأوروبي.
ومما يزيد من عزلة عروس مدائننا، ويفاقم شعور أهلها بالحزن والاغتراب عن محيطهم العربي والإسلامي، أنها معزولة عن محيطها الفلسطيني بداية، بتحول العاصمة الفعلية وجميع المؤسسات الفاعلة إلى رام الله بدل الاستمرار في خوض المعارك “المحرجة” لتثبيت المؤسسات العربية المقدسية بدل تسهيل “تهجيرها”، لتكتمل عزلتها باستمرار العرب والمسلمين في محاربة أهلها ومقاطعتهم العملية- كما فعلوا مع أبناء فلسطين المحتلة عام 1948 من حملة الجنسية الإسرائيلية، عقابا لهم على تجذرهم في أرضهم وعدم التحول إلى لاجئين- متكئين على تبرؤ وادعاء طهارة “يلوثها طلب الإذن بزيارة أبناء القدس من سجانهم”، تطهر يستند إلى فتاوى دينية وسياسية من جهات وشخصيات معزولة تماما عن الواقع، ولا تعرف شيئا عن معاناة المدينة الصامدة.
القدس يا سادة تعض على جرحها وتصمد، تقاوم جور الأعداء وتجاهل الأهل، ومطلوب منا جميعا، أن نلتقط من خطاب العاهل المغربي، دعوته للترفع على المناكفات، والتقدم ولو مرة واحدة لأهلها بالقول: دعونا نفتح صفحة جديدة، ولنشمر جميعا عن ساعد الجد ونعمل..