الرئيسية / هكذا نراها / زمن الجاهلية السياسية

زمن الجاهلية السياسية

مهما تباعدت مساحات الاختلاف، بشأن بعض الرؤى والمواقف، فإنها ليست مبررا أبدا للجنوح، نحو استعمال العنف، كيفما كان شكله، لفظيا أو جسديا.
لقد كانت الديمقراطية، وستبقى دائما،هي الواجهة التي تتفاعل فيها الأفكار، وتحتك فيها الآراء،لإفساح المجال للحقيقة كإفراز طبيعي للحوار، ومقارعة الحجة بالحجة.
إن الاختلاف في التقييم ليس عيبا أو انحرافا عن المسار الصحيح، ولكن العيب، كل العيب، والعار كل العار، هو  اتخاذ الاختلاف مطية ومنطلقا لتصفية الحسابات السياسية، مع الذين نختلف معهم، بأساليب أقل ما يقال عنها، إنها تحمل بين طياتها تذكرة العودة إلى الماضي السحيق، وبالضبط إلى زمن الجاهلية السياسية، إن صح الوصف.
إن الحادث الذي جرى مؤخرا في “آسا” ، والذي تجلى في  رشق للوزير نبيل بنعبد الله بالحجارة، خلال تجمع لحزبه، يشكل ،في عمقه،علامة خطيرة من علامات تدني مستوى الصراع السياسي ، إلى درجة تنبيء بالانحطاط في التفكير ، وغياب الوعي السياسي، لدى البعض .
والمؤسف أن هذا الأسلوب في ” التواصل”  مع المسؤولين ، بات سمة من سمات الساحة السياسية في المغرب، وملمحا من ملامحها، خاصة عقب اتهام الحسين الوردي، وزير الصحة، لبعض الصيادلة بالاعتداء عليه، في ردهات البرلمان.
ولاشك أن الجميع مازال يتذكر كيف تعرض عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة، ل”حصار” حقيقي، في الشارع العام، وسط العاصمة السياسية، من طرف الشباب المعطلين، فور ترجله من سيارته، وكأنه كمسؤول ممنوع عليه أن يتحرك كأي مواطن، في الفضاء العام، بكل حرية لقضاء أغراضه الخاصة.
لقد كان ذلك التصرف، دليلا جديدا على  تنامي ظاهرة داخل المجتمع، تستسهل تخطي الحدود المرسومة، والمسموح بها، في إطار العلاقة بين المواطن والمسؤول، والتي يجب أن يحكمها القانون، والاحترام المتبادل، دون أن يعتدي أحدهما على الآخر.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أي مسؤول في الجهاز التنفيذي بشأن تسييره للشأن العام، ومدى قيامه بالدور المسنود له، في إطار المسؤولية الموكولة إليه، فإن ذلك ينبغي ألا يكون مدعاة للانسياق وراء نزعة العنف.
أية هيبة، إذن، تبقى للدولة، إذا تعرض أحد رموزها لهذا الأسلوب في التعامل اللأخلاقي واللاحضاري؟

ولاشك أن التساهل مع هذه “الانزلاقات”، وعدم التعاطي معها بالحسم المطلوب والصرامة اللازمة، وفق ما ينص عليه القانون،سوف يؤدي بالبلد عموما إلى الدخول في متاهات من التسيب، لاأحد بمقدوره التنبؤ بتداعياتها، وعواقبها الخطيرة، وانعكاساتها السلبية على المستقبل، وتأثيراتها على الأمن والاستقرار.
إن العنف سلوك مرفوض ومدان أصلا، سواء كان الذي يمارسه، رجل سلطة، يفرق مظاهرة سلمية بالقوة، أو مواطن مستاء من سياسة حكومته، حد الضجر، فيسارع إلى التعبير عن غضبه، بطرق غير حضارية، يغيب فيها الحوار، والعقل ، والمنطق.
صحيح أن هناك من يربط  هذه الأحداث، التي غدت الساحة السياسية مسرحا لها، بتدني مستوى الخطاب لدى بعض الزعامات، الوافدة على الحكم، التي أدخلت “مصطلحات” جديدة لم تكن مألوفة من قبل، وأغلبها  مستلهم من “قاموس” عالم الحيوانات، لكن ذلك كله لايشفع لأي أحد  منا أن ينسى أن هناك قانونا يضبط العلاقة بين المواطن والمسؤول، وينبغي الاحتكام إليه دوما في إطار الدفاع عن الحقوق والواجبات.
ويبقى من الضروري، في هذا السياق أيضا،لفت انتباه البرلمانين إلى إعادة النظر فيما يصدر عنهم من ألفاظ نابية، وبعض الحركات المبالغ فيها، وتبادل للاتهامات المجانية لبعضهم البعض، دون سند أو دليل،أمام ميكروفونات الإذاعة، وأضواء التلفزيون، في الجلسات الأسبوعية التي تبث مباشرة، وتدخل إلى كل البيوت.
إن كل ذلك يعطي للمتلقي صورة سيئة عن النخبة السياسية، وعن  البرلمان الذي كان الكل يأمل أن يكون منبرا للرقي الحضاري في الطرح السياسي وصراع الأفكار ، فإذا به يتحول إلى ” سوق حقيقي” بتعبير أحد البرلمانين أنفسهم.
فإذا كان “نواب الشعب” يتصرفون بأسلوب لفظي عنيف،خارج عن اللياقة السياسية والأخلاقية ، فمن الأكيد أن العدوى ، بشكل أو آخر،سوف تتجاوز أسوار البرلمان، وتتخذ أحجاما أخرى لايعلم إلا الله وحده مداها.
وحسنا فعلت الأغلبية والمعارضة معا، بكل أطيافها ومكوناتها، في أول سابقة من نوعها، وذلك حين أبانت عن تضامنها مع نبيل بنعبد الله، معبرة بهذا الموقف عن ترفعها عن كل الحسابات السياسية، وعن ارتقائها إلى مستوى متطلبات اللحظة، وما تستوجبه من إدانة لكل فعل غير مشروع، وغير مقبول، سواء على المستوى السياسي أو الأخلاقي.
ولعل الخلاصة التي يتعين على الجميع، مسؤولين حاكمين ومواطنين عاديين، أن يستوعبوها جيدا، هي الاستيقاظ   من غفوتهم، قبل فوات الآوان.
ينبغي إعادة النظر في صيغ التفكير والتفاعل السياسي، وأن يتعود الكل على الحق في الاختلاف، بكل روح ديمقراطية، لاأثر فيها للعدوانية المجانية البغيضة.
يجب أن ينبثق عصر جديد في المغرب، بشكل حقيقي، منفتح على  قيم الحرية والتعايش والتسامح، وثقافة حقوق الإنسان في أبعادها ومراميها النبيلة.