معاهدة “غير مسبوقة” في باريس مقابل أزمة تأشيرات متجددة في الجزائر: أين تضع فرنسا رهانها الحقيقي في المغرب العربي؟

بقلم: هيثم شلبي

في الأسبوع نفسه الذي يواصل فيه الخطاب الجزائري الحديث عن “استعادة الثقة” مع باريس، تستعد فرنسا لاستقبال الملك محمد السادس في زيارة دولة بخريف 2026 ستتوج، بحسب تصريحات رسمية من وزيري خارجية البلدين، بتوقيع “معاهدة صداقة” وُصفت بأنها الأولى من نوعها التي تبرمها فرنسا مع دولة من خارج القارة الأوروبية، والأولى للمغرب مع دولة أوروبية. المقارنة بين المسارين ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل مؤشر دقيق على المكان الذي اختارت فرنسا أن تضع فيه رهانها الاستراتيجي الحقيقي في شمال أفريقيا.

ما تعنيه كلمة “غير مسبوقة” فعليا

التصريحات الرسمية الفرنسية والمغربية دقيقة في وصف حجم هذا التحول. رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أكد أن المعاهدة المرتقبة “ستتجاوز في مضمونها ونطاقها” اتفاق الشراكة الاستثنائية المعززة الموقع عقب زيارة الرئيس ماكرون للمغرب في أكتوبر 2024، وأنها ستغطي مجالات نوعية تشمل الصناعة الدفاعية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. الأرقام التي رافقت هذا المسار لافتة بدورها: قرابة خمسين لقاء ثنائيا رفيع المستوى منذ أكتوبر 2024، عشرون زيارة لوزراء مغاربة إلى فرنسا مقابل ست عشرة زيارة لوزراء فرنسيين إلى الرباط، وزيارة لوكورنو في يوليو 2026 على رأس وفد ضم اثني عشر وزيرا يمثلون قطاعات الاقتصاد والداخلية والدفاع والهجرة والتعليم والثقافة. هذا ليس خطابا دبلوماسيا معتادا، بل حجم استثمار سياسي فرنسي غير معتاد في شريك واحد.

في المقابل: دورة أزمات لا تنتهي مع الجزائر

بالتوازي تماما، لا يزال الملف الجزائري الفرنسي يتحرك بمنطق مختلف جذريا: إدارة أزمة تلو أخرى لا بناء شراكة. فبعد عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتييه إلى الجزائر في مايو 2026 عقب أكثر من عام من الاستدعاء، اندلع جدل جديد في يوليو حين تحدث السفير نفسه عن نية باريس إعادة عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين إلى مستوى 250 ألف تأشيرة سنويا كما كان قبل الأزمة، قبل أن ينفي الرئيس الفرنسي ماكرون وجود أي “هدف” رقمي من هذا النوع، ليضطر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بدوره إلى الظهور في مقابلة تلفزيونية لينفي بشكل قاطع أنه طلب من فرنسا أي حصة من التأشيرات، مؤكدا أن “الجزائر لن تمد يدها أبدا”. هذا التسلسل، من تصريح سفير إلى نفي رئاسي إلى نفي رئاسي مضاد، خلال أسابيع معدودة من يوليو 2026، يكشف مدى هشاشة التطبيع المعلن، ويوضح أن العلاقة لا تزال تُدار بمنطق التصريح مقابل التصريح لا بمنطق المعاهدات.

الملفات العالقة التي لا تحلها زيارات السفراء

أعمق من ذلك، تبقى الملفات البنيوية التي فجرت الأزمة أصلا معلقة دون حل حقيقي. الصحفي الفرنسي كريستوف غليز لا يزال يقضي حكما بالسجن سبع سنوات بتهمة “تمجيد الإرهاب” رغم زيارات وزارية فرنسية متكررة خُصصت جزئيا لملفه. وفي مارس 2026، صادق البرلمان الجزائري على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي بوصفه “جريمة دولة”، لكن النص النهائي جاء خاليا من المطالب السابقة بالاعتذار الرسمي أو التعويضات الشاملة الواردة في المسودة الأولى، وهو ما يعكس تناقضا داخليا في الموقف الجزائري نفسه: تصعيد رمزي في الخطاب التشريعي، وتراجع فعلي عن المطالب الملموسة عند صياغة النص. بعبارة أخرى، لا الجزائر حسمت مطالبها التاريخية بوضوح، ولا فرنسا حلت الملفات القضائية التي تعرقل أي انفراج حقيقي.

القراءة الاستراتيجية: فرنسا تعيد ترتيب أولوياتها في القارة

هذا التباين ليس صدفة توقيت، بل نتيجة منطقية لحسابات فرنسية تتعلق بموقعها المتراجع في أفريقيا. فبعد خروجها العسكري من مالي والساحل، وجدت باريس في المغرب شريكا يوفر لها ما تحتاجه بالضبط: استقرارا سياسيا طويل الأمد، بوابة موثوقة للعمق الأفريقي عبر مبادرات مثل ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، وموقفا واضحا لا لبس فيه إزاء ملف الصحراء المغربية منذ اعتراف ماكرون بسيادة الرباط عليها في يوليو 2024. الجزائر، على النقيض، تبقى شريكا تُدار معه العلاقة وفق منطق احتواء الأزمات المتلاحقة «الهجرة، الرعايا المسجونون، الذاكرة الاستعمارية» لا بناء مشروع مشترك طويل المدى، وهو ما يفسر لماذا تحصل الرباط على “أول معاهدة من نوعها” بينما لا تزال الجزائر تتفاوض على استعادة حصة تأشيرات كانت قائمة أصلا قبل سنوات من التوتر.

زيارة لم تتكرر منذ أكثر من عقد

وزن الزيارة الملكية المرتقبة يتضح أكثر عند وضعها في سياقها التاريخي. فبحسب ما كشفته صحيفة “لوموند” الفرنسية، ستكون هذه أول زيارة دولة يقوم بها ملك المغرب إلى فرنسا منذ سنة 2012، أي بعد فجوة تفوق أربعة عشر عاما من العلاقات التي اقتصرت خلالها الزيارات الملكية على طابع خاص أو غير رسمي رغم استمرارها. هذا الفارق الزمني وحده كافٍ لقياس حجم القطيعة البروتوكولية التي سبقت هذا التحول، والتي لم تكن يوما غيابا للعلاقة بقدر ما كانت تعبيرا عن مرحلة انتظار طويلة قبل أن تتوفر الشروط السياسية «وأهمها الموقف الفرنسي من الصحراء» لرفع مستوى التمثيل إلى زيارة دولة كاملة. وبحسب تقديرات متداولة في عدد من التغطيات، فإن حزمة المشروعات والاتفاقيات المرتقب توقيعها أو الإعلان عن الشروع فيها خلال هذه المرحلة قد تصل قيمتها الإجمالية، على مراحل ولعقود طويلة، إلى ما يقارب 100 مليار دولار، موزعة بين قطاعات الطاقة والصناعة الدفاعية والبنية التحتية والتكنولوجيا، وهو رقم يعكس، إن تحقق ولو جزئيا، حجم الرهان الفرنسي الفعلي على السوق المغربية كمنصة استثمارية طويلة الأمد لا كعلاقة دبلوماسية موسمية.

لماذا الآن تحديدا؟ منطق الانسحاب من الساحل

توقيت هذا التحول لا ينفصل عن إعادة ترتيب فرنسا لكامل خريطة حضورها في القارة الأفريقية. فبعد سلسلة الانسحابات العسكرية القسرية من مالي وبوركينافاسو والنيجر، ووسط تصاعد النفوذ الروسي عبر “الفيلق الأفريقي” في المنطقة نفسها التي كانت تُعد يوما “الحديقة الخلفية” الفرنسية، تحتاج باريس بشدة إلى قاعدة ارتكاز إقليمية بديلة توفر لها ما فقدته: شرعية سياسية محلية، استقرارا مؤسسيا، وقدرة فعلية على فتح قنوات نحو غرب أفريقيا ومنطقة الساحل دون الاصطدام مباشرة بالحساسيات التي أنهت وجودها العسكري هناك. المغرب، عبر مبادرته الأطلسية لربط دول الساحل الحبيسة بالمحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة، وعبر شبكة علاقاته المتنامية مع موريتانيا والسنغال ومالي نفسها، يقدم لفرنسا بالضبط هذا البديل: نفوذ أفريقي “بالوكالة” لا يتطلب من باريس عودة عسكرية مباشرة ولا مجازفة سياسية جديدة. هذا يفسر لماذا يتحدث المسؤولون الفرنسيون علنا عن “استعادة نفوذهم في العمق الأفريقي” عبر بوابة الرباط تحديدا، لا عبر أي عاصمة أخرى في المنطقة.

سؤال يستحق المتابعة

مع اقتراب موعد زيارة الملك محمد السادس المرتقبة، وما يصاحبها من إعلانات استثمارية قد تبلغ عشرات المليارات من الدولارات وفق تقديرات متداولة، يصبح السؤال الأهم ليس فقط “متى” ستوقَّع المعاهدة، بل ماذا يعني تكريس فرنسا رسميا للمغرب كـ”الشريك الأول” في شمال أفريقيا، على مستوى لم تبلغه علاقتها بأي دولة عربية أو أفريقية أخرى، بالنسبة لموقع الجزائر نفسها في الحسابات الأوروبية طويلة المدى؟ فإذا كانت باريس، الشريك التاريخي الأقدم للجزائر، تختار الاستثمار الاستراتيجي الأعمق في الرباط بينما تبقي على الجزائر ضمن دائرة “إدارة الخلاف”، فهل يبقى لدى الجزائر من أوراق ضغط سوى الملف الذي أثبتت التجربة أنه الوحيد الذي لا تزال تجيد توظيفه: التصعيد الخطابي الذي لا يغير موازين القوى الفعلية على الأرض؟

اقرأ أيضا

وفاة الصحافي السابق بوكالة المغرب العربي للأنباء مصطفى قضاوي

انتقل إلى عفو الله، الصحافي السابق بوكالة المغرب العربي للأنباء مصطفى قضاوي عن عمر 72 …

تأهل المنتخب الوطني لأقل من 20 سنة إلى نصف نهائي الألعاب المتوسطية

تأهل المنتخب الوطني المغربي لأقل من 20 سنة إلى الدور نصف النهائي من منافسات كرة …

تقرير.. المغرب يعزز شراكاته الاقتصادية بالمملكة المتحدة سنة 2026

يعزز المغرب مكانته كمورد رئيسي للتوت الطازج إلى المملكة المتحدة فبين يوليوز 2025 ويونيو 2026، …