انتخابات بلا سياسة: الجزائر تصوّت على الفراغ!!

بقلم: هيثم شلبي

في الثاني من يوليو 2026، سيتوجه الجزائريون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني. وبكل دقة يمكن القول إن هذا هو الخبر بأكمله. لا برامج تتنافس، ولا رهانات تستحق الرصد، ولا جمهور يترقب، ولا نقاش عام يستحق هذا الاسم. مجرد إجراء دوري يجري في موعده، كما تجري مياه النهر في قاعه، لا لأن أحداً يريدها أن تجري، بل لأن قوانين الطبيعة لا تعرف الاستثناء.

ولمن يرغب في أرقام، فهي متوفرة وكاشفة: في تشريعيات يونيو 2021، بلغت نسبة المشاركة الوطنية 23 بالمئة فقط، أي أن قرابة ثمانية من كل عشرة ناخبين قرروا أن بيت الجزائري أجدر بوقته من قاعة الاقتراع. وفي منطقة القبائل تحديداً، بلغت النسبة حدها الفلسفي تقريباً: 0.42 بالمئة في بجاية، و0.90 بالمئة في تيزي وزو. نفس الانتخابات سجلت 43 بالمئة في 2012، ثم 35 بالمئة في 2017. منحنى يسير في اتجاه واحد بانتظام ودون توقف، كسهم أُطلق فلم يعد يلتفت.

الرئيس عبد المجيد تبون قدّم في عام 2021 إجابته الصريحة على هذا التساؤل، إذ أعلن على الملأ أن نسبة المشاركة “لا تهمه”، مضيفاً أن “ما يهمّ هو الشرعية التي يوفرها صندوق الاقتراع”. وهو تصريح نادر الصدق في عالم السياسة، يستحق التوقف عنده طويلاً: رئيس دولة يعفي مواطنيه صراحة من التظاهر باهتمامهم بما يفترض أنه مصدر شرعيته، ثم يطالب بالشرعية ذاتها من صندوق أحجم عنه ثمانية من كل عشرة مواطنين. يكاد يكون ذلك تعريفاً مكثفاً للعلاقة بين النظام الجزائري وشعبه.

لكن الأسئلة الحقيقية لا تبدأ عند هذه الأرقام، بل تبدأ بعدها. ما معنى أن ينظّم نظام انتخابات لا يصدّق بها، لشعب لا يهتم بها؟ ولماذا تستمر هذه المسرحية في دوراتها المنتظمة رغم أن الجميع، فوق الخشبة وتحتها، يعرف أنها مسرحية؟

الإجابة الأولى التي يطرحها المراقبون هي الواجهة الخارجية. فالانتخابات، بصرف النظر عن نسبها، هي الورقة القانونية التي يُضفي بها النظام شرعيته أمام العالم. وقد قالها مركز الإصلاح العربي بصراحة: “كلما شعر الرأي العام بأن الانتخابات عديمة الجدوى، كلما باتت المؤسسات الشكلية أقل فاعلية كأدوات للحكم”. والنظام يدرك هذه المعادلة، لكنه يراهن على أن الخارج الدولي لن يسأل عن التفاصيل. وقد أثبت الغرب أن رهانه صحيح: السياسة الأمريكية والأوروبية تجاه الجزائر أعطت الأولوية تاريخياً للاستقرار على حساب المساءلة، وجنرالات الجزائر تعلّموا استثمار هذه الأولوية بإتقان لا يُنكر.

والإجابة الثانية أعمق وأكثر إزعاجاً: النظام لا يخشى الأرقام المتدنية في حد ذاتها. ما يخشاه هو أن تتحول المقاطعة الصامتة إلى صخب، وأن يتحول العزوف إلى فعل منظّم. وهنا يكمن سرّ القانون الجديد للأحزاب السياسية الذي سنّه النظام قُبيل انتخابات 2026، والذي يتضمن بنداً بالغ الدلالة: يُهدَّد بالحلّ كل حزب سياسي يقاطع انتخابَين متتاليين. بعبارة أخرى، المشاركة في اللعبة لم تعد خياراً، بل أصبحت واجباً قانونياً. المعارضة لا تعود إلى الساحة الانتخابية طوعاً لأنها استعادت ثقتها في النظام، بل تعود لأن البديل هو الإعدام القانوني. المشاركة المُكرَهة ليست شرعية ديمقراطية، إنها محاكاتها.

وهذه التفصيلة تكشف بوضوح عن حدود مفهوم “اللامبالاة” كتوصيف للموقف الجزائري من انتخاباته. فالنظام يبذل جهداً تشريعياً مكثفاً لضمان أن تبدو خشبة المسرح مكتملة الممثلين، وهو ما يعني ضمنياً أن النظام لا يؤمن بأن العدمية الانتخابية آمنة على المدى البعيد. ثمة قلق ما، حتى وإن لم يُعلَن عنه.

أما المشهد الحزبي، فهو في منتهى الطرافة لمن يستطيع النظر إليه بعين باردة. تخوض الانتخابات المقبلة عشرات الأحزاب في سباق محموم لتشكيل قوائمها الانتخابية، وقد أعلن كثيرون منهم عن “فتح باب الترشح أمام الراغبين”. والتفصيلة اللطيفة هنا أن هذا الفتح لا يستهدف بالضرورة منخرطي الأحزاب أنفسهم، بل يمتد إلى خارج صفوفهم بحثاً عن وجوه مقبولة. تجد التنظيمات التي يفترض فيها تأطير النخب السياسية نفسها مضطرة للبحث خارج صفوفها لسد الفراغ، سواء بسبب تراجع القواعد النضالية أو عزوف المنخرطين عن الترشح، وهو ما وصفه موقع “ألترا ألجيريا” بأن الأحزاب تبحث عن “عصافير نادرة” خارج قواعدها.

وهنا يكتمل المشهد الكافكاوي: أحزاب بلا كوادر ترشح مستقلين، لانتخاب برلمان بلا صلاحيات، في دولة بلا معارضة فاعلة، لمواطن بلا اهتمام. دائرة هندسية مثالية تبدأ من الفراغ وتنتهي إليه.

وكي تكتمل الصورة، ثمة تفصيلة تستحق أن تُروى بالكامل. في انتخابات 2021 قاطعت ثلاثة من أبرز أحزاب المعارضة: جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب العمال. وقد كانت تلك مقاطعة ذات مبدأ، مستندة إلى غياب شروط التنافس الحقيقي. أما في 2026، فهذه الأحزاب ذاتها قررت المشاركة. ليس لأن شيئاً تغيّر في بنية النظام، بل لأن قانون الأحزاب الجديد يهدد بالحل القانوني كل حزب يقاطع انتخابَين متتاليين. يقول رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية عثمان مزوز صراحة إن الانتخابات تجري في سياق “انغلاق سياسي مستمر”، لكنه يرى أن ترك الساحة فارغة يمنح المجال للقوى الأكثر تدجيناً. وهذا التبرير نفسه لا يخلو من مرارة: أحزاب تصف البيئة بأنها غير ديمقراطية وتقرر المشاركة فيها، لأن البديل هو الانتحار القانوني.

وقد أبدى حزب “جيل جديد” شكواه من “شلل إداري” وغياب منسقي السلطة الانتخابية في ولايات عدة، مشيراً إلى أن هذه الممارسات “تعمّق عزوف المواطنين عن الشأن العام”. وهو تشخيص صحيح تماماً، يصدر عن حزب يخوض الانتخابات رغم تحفظاته الصريحة على شروطها. وهو النموذج المصغّر للمعادلة الكبرى: الجميع يعرف أن الملعب مائل، والجميع يلعب.

وفي مارس 2026، جرى تعديل دستوري يُعيد رسم حدود الهيئة المستقلة للانتخابات. الهيئة لم تُلغَ، لكنها جُرِّدت من صلاحية التحضير اللوجستي والمادي للعملية الانتخابية بالكامل، وأُعيدت هذه الصلاحية إلى وزارة الداخلية. بلغة أخرى: الهيئة تراقب، لكن الداخلية هي من يُعِدّ الملاعب ويضع الكراسي ويختار مراكز الاقتراع. وقد بادر وزير الداخلية السعيد سعيود في أبريل إلى ترؤس اجتماع تنسيقي لوضع هذه الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. التبرير الرسمي كان أن هذا “يُخفف العبء الإداري” عن الهيئة لتتفرغ للرقابة. والتفسير الأقل رسمية هو أن من يملك مفاتيح القاعة لا يحتاج دائماً إلى التحكم في الميكروفون.

الجزائريون الذين خرجوا بالملايين في حراك 2019 مطالبين بإسقاط النظام ليسوا شعباً مصاباً بالعجز السياسي. لكنهم يحملون في ذاكرتهم الجماعية درساً قاسياً: حين فاز الإسلاميون في انتخابات ديسمبر 1991 فازوا في الصندوق وخسروا في الشارع، وكان الثمن عشر سنوات من الدم. منذ تلك اللحظة، لم يعد الصندوق في المخيال الجزائري أداةً للتغيير، بل مسرحاً يُعاد فيه توزيع الأدوار دون أن تتغير النهاية. لهذا يحتجون بالجسد في الميدان ويغيبون بالورقة عن مكتب الاقتراع، والفارق بين الفعلين ليس تناقضاً، بل هو تعريف الجزائري للسياسة الممكنة والسياسة العبثية.

وهذا لا يعني أن الجزائريين راضون. بل يعني أنهم توصلوا إلى تسوية هادئة مع نظام لا يعرضون عليه الطاعة، بل يمنحونه التجاهل. والفارق بين الطاعة والتجاهل فارق جوهري: الأول يُرسّخ النظام، والثاني يُجوّفه. نظام يحصل على 23 بالمئة من مواطنيه في صندوق الاقتراع لا يحكم بالإجماع، بل يحكم في غياب البديل. وهذا الغياب هو، في نهاية المطاف، مصدر هشاشته البنيوية لا مصدر قوته.

وحين يُطرح سؤال: هل يمكن للنظام الجزائري كسب معركة المشروعية مع شعبه؟ فإن الإجابة الأمينة هي أن النظام لا يعتقد بإمكانية ذلك، ولذلك لم يعد يحاول. استبدل مشروع كسب المشروعية بمشروع أصغر وأكثر واقعية: إدارة اللامشروعية. والفارق بين الهدفين هو فارق الأنظمة التي تبني دولة، وتلك التي تكتفي بإدارة دولة قائمة.

القانون الجديد للأحزاب هو في جوهره أداة لإدارة اللامشروعية: يمنع المقاطعة المنظّمة، يُكرِه الأحزاب على المشاركة في اللعبة، يوفر للنظام صورة الحيوية السياسية من دون تكلفة التنافس الحقيقي. إنه يحوّل الانتخابات من آلية تمثيل إلى طقس اعتراف. ليس الشعب يختار ممثليه، بل يُشهَد عليه وهو يصادق على نتيجة معلومة. وهو شكل من أشكال الإذعان الرسمي، أكثر منه تعبيراً عن إرادة.

حين تُسدَل الستارة في مساء الثاني من يوليو 2026، وتُعلَن النتائج المعتادة، لن يكون أحد قد فاجأ أحداً. والأمر الوحيد الذي سيبقى معلقاً في الهواء هو ذلك السؤال الذي لم يجرؤ أحد على طرحه بصوت عالٍ: كيف يحكم نظام لا يحكم باسم شعبه، ولا يدّعي أنه يفعل ذلك، ولا يكلّف نفسه الإيهام بأنه يحاول؟ والأصح: هل هذا “حكم” أصلاً، أم هو شيء آخر لم نخترع له اسماً بعد؟

اقرأ أيضا

“سوبر ماريو” بـ3 ملايين دولار

بيعت نسخة مغلفة وأصلية من لعبة «سوبر ماريو بروس» مقابل 3 ملايين دولار في مزاد …

مديرية الأرصاد

نشرة إنذارية: موجة حر من الجمعة إلى الأحد بعدد من مناطق المملكة

تتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية تسجيل موجة حر وطقس حار، من يوم غد الجمعة إلى …

EQUIPE-NATIONALE

مونديال 2026.. “أسود الأطلس” في اختبار حاسم أمام اسكتلندا بعد التعادل مع البرازيل

يخوض المنتخب المغربي، غدا الجمعة، على الساعة الحادية عشرة ليلا، مواجهة مهمة أمام نظيره الاسكتلندي، …