الجزائر: ثروة على الورق، عجز في الواقع!

بقلم: هيثم شلبي

في الأسبوع الماضي، وبينما كانت الأسواق تترقب ارتدادات أزمة الطاقة في الخليج، أطلق النظام الجزائري بهدوء جولة “Algeria Bid 2026″، مستجدياً سبع شركات نفطية أجنبية للاستثمار في باطن أرضه. المفارقة تكاد تكتب نفسها: نظام يُطنطن بـ”الطفرة المالية غير المسبوقة” يمدّ يده في الوقت ذاته لكل من يملك رأسمالاً ورغبة في المجيء. قبل أن تصدّق أي شيء يصدر عن إعلامه الرسمي في باب المال والاقتصاد، أجرِ ثلاث عمليات حسابية بسيطة: كم دخل الخزينة؟ وكم خرج منها؟ وماذا تبقّى في النهاية؟ ستكتشف عند الإجابة عن السؤال الثالث أنك تحدّق في فراغ.

لنبدأ بما هو موثوق. استقر متوسط سعر خام “صحاري بليند” خلال مارس وأبريل 2026 قرب 95 دولارا للبرميل، فيما صدّرت الجزائر ما يقارب 983 ألف برميل نفط يومياً. الموازنة مبنية على سعر مرجعي بين ستين وسبعين دولاراً، أي أن الفارق يبدو مغرياً: نحو ثلاثين مليون دولار إضافية في اليوم من النفط وحده، أو ما يزيد على 1.8مليار دولار خلال الشهرين الماضيين. وإذا أضفنا إليها ما تدرّه صادرات الغاز من فائض -وهو رقم حقيقي لكنه مقيّد بعقود طويلة الأمد تحول دون استثماره كاملاً- فإن الإجمالي يبلغ نحو 2.5 مليار دولار إضافية في الشهرين الأخيرين!! يتوقف الإعلام الرسمي هنا، يُكبّر الرقم، ويُطار به في نشرات الأخبار. أما ما يقع بعده فلا أحد يُكمل الحسبة.

العجز الهيكلي في موازنة 2026 يبلغ أربعين مليار دولار وفق بيانات وزارة المالية الجزائرية ذاتها، وهو رقم تعترف به الحكومة على مضض. هذا يعني أن “الفائض التاريخي غير المسبوق” لا يغطي سوى ستة ونصف بالمئة من هذا العجز. والباقي يُموَّل بطباعة الدينار واقتطاعات من “صندوق ضبط الإيرادات”، وهو حساب بالدينار لا صندوقاً سيادياً حقيقياً كما يُوحي اسمه الرنّان.

أين تذهب الدولارت؟

الإجابة الصادقة هي أنها تُصرَف قبل أن تُعدّ. بمجرد دخول عائدات النفط، يحوّلها البنك المركزي إلى دنانير لسداد فاتورة شراء الهدوء السياسي. الشطر الثالث من زيادات رواتب عام 2026 طال قرابة مليونيْن وثمانمئة ألف موظف حكومي، وكلّف وحده ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار إضافية على الكتلة الأجرية السنوية. منحة البطالة التي رُفعت إلى ما يعادل مئة وثلاثين دولاراً شهرياً، ويستفيد منها قرابة مليونَي شاب، تبتلع وحدها أكثر من ثلاثة مليارات دولار في السنة. وتحويلات الدعم الاجتماعي الإجمالية -من خبز وزيت وحليب وغيرها من المواد الاستهلاكية- تصل في موازنة 2026 إلى ما بين خمسة وعشرين وسبعة وعشرين مليار دولار. هذه ليست استثمارات ولا تنمية؛ هذا ثمن السكوت يُدفع دورياً ليحافظ النظام على سلامته.
والمفارقة المؤلمة أن الجزائر تستورد أكثر من سبعين بالمئة من حاجتها من الحبوب. فاتورة الغذاء وحدها تجاوزت عشرة مليارات دولار سنوياً، فيما ارتفعت تكلفة الواردات الإجمالية بنحو اثني عشر بالمئة خلال الأشهر الخمسة الماضية جراء اضطرابات سلاسل التوريد والتضخم العالمي. يُضاف إلى ذلك ما بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار تخرج سنوياً مقابل الخدمات الأجنبية وحدها: نقل بحري وتأمين وخبرات تقنية في قطاع النفط. كل دولار يدخل من الجنوب النفطي يخرج من الشمال الاستهلاكي.

الثقب الأسود في الموازنة

غير أن أخطر ما في موازنة 2026 لا يُعلَن بصوت عالٍ: خمسة وعشرون مليار دولار للدفاع، ما يعادل عشرين بالمئة من الإنفاق الحكومي الإجمالي. للتأمل في معنى هذا الرقم: الجزائر تنفق على جيشها ضعفَ ما تنفقه على الصحة والتعليم مجتمعيْن. وهذا قبل الحديث عن “النفقات غير المصنفة” وبنود “العمليات الخاصة”، التي تختفي خلفها صفقات التسلح العاجلة مع موسكو وبكين، والتكاليف اللوجستية للانتشار على حدود الساحل. أموال تُنفَق في الظلام ولا تعود.
هذه ليست أولويات دولة تبني اقتصاداً؛ هذه أولويات نظام يحمي نفسه.

وهم الصادرات غير النفطية

في الربع الأول من 2026، أعلنت وزارة التجارة الجزائرية نمواً في الصادرات خارج المحروقات بنسبة ستة عشر بالمئة. الرقم يبدو لافتاً حتى تقرأ ما بين السطور: أكثر من سبعين بالمئة من هذه “الصادرات غير النفطية” هي أسمدة ويوريا ومشتقات بتروكيماوية، أي أنها في جوهرها غاز طبيعي مُحوَّل، مرتبطة ارتباطاً عضوياً بأسعار الطاقة لا بأي إنتاج صناعي حقيقي. وإذا استثنينا أيضاً الحديد الذي تدعمه الدولة بالطاقة الرخيصة دعماً مكثفاً، وجدنا أن الصادرات الجزائرية الحقيقية -صناعة وزراعة وخدمات- لا تزيد في أحسن تقدير على خمسة مليارات دولار. الرقم نفسه الذي كان عليه عام 2025، والذي سيظل عليه عام 2027 ما لم تتغير البنية الاقتصادية من جذورها. ما تسمّيه الحكومة “تنويع الصادرات” هو في الحقيقة تدوير للريع وإعادة تصنيفه في خانة أخرى.

احتياطي مُبالَغ فيه

يُقدّم النظام رقم الاحتياطي الرسمي -أكثر من ثمانين مليار دولار شاملاً الذهب- على أنه درع الملاءة المالية. لكن التقديرات المستقلة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي تُميّز بين “إجمالي الاحتياطي” و”الاحتياطي السائل القابل للاستخدام الفعلي”، الذي يتراوح في مايو 2026 -على أقصى تقدير- بين ثمانية وستين واثنين وسبعين مليار دولار، بل إن هناك أرقاما مستقلة تحصره في ستين مليارا. والأهم من الرقم هو اتجاهه: لماذا لم يرتفع بقوة رغم الفائض النفطي؟ لأن الفائض يُصرف فوراً كما شرحنا، ولأن فاتورة الاستيراد المتضخمة والإنفاق العسكري الضخم يمتصان معظم السيولة الأجنبية قبل أن تُحسب.
هذا الاستقرار الظاهري حول السبعين مليار دولار ليس علامة صحة اقتصادية؛ إنه توازن مؤقت مشروط ببقاء النفط فوق مئة دولار. وما إن يهبط السعر إلى ثمانين دولاراً -وهو أمر لا يسأل الاقتصاديون “إن كان سيحدث” بل “متى”- حتى ينهار هذا التوازن، لأن الجزائر تحتاج في الحقيقة إلى ما يزيد على مئة وخمسة عشر دولاراً للبرميل كي تُوازن موازنتها الحقيقية، لا الورقية.

خاتمة

الجزائر اليوم في شهر عسل نفطي مؤقت، تستخدم فيه الأموال الإضافية لا لبناء اقتصاد منتج، بل لشراء سلم اجتماعي هش وتوسيع آلة عسكرية لا تُنتج قيمة مضافة. المداخيل الإضافية هي مسكّنات ألم لمريض يحتاج جراحة هيكلية، وكل جولة من “الزيادات الاجتماعية” و”المنح الانتخابية” لا تُعالج المرض، بل تجعل الجسم أكثر اعتماداً على المسكّن حين تنتهي مفعوله.
حين يهبط النفط -وسيهبط- لن يجد النظام ما يبيعه إلا الوهم ذاته الذي يبيعه الآن. وسيبيعه بسعر أعلى.

اقرأ أيضا

03

مراد الأسمر يطرح جديده الغنائي “راجع لي تاني”

أفرج الفنان مراد الأسمر، نهاية الأسبوع المنصرم، عن أحدث أعماله الغنائية المصورة بعنوان “راجع لي …

أثمنة ووضعية سوق الأضاحي تسائلان الحكومة

يشغل موضوع الاستعدادات لعيد الأضحى المبارك، حيزا كبيرا ضمن الأسئلة الموجهة للحكومة داخل قبة البرلمان هذا الأسبوع.

“منصة الطاقة”.. المغرب ببرز صمن الدول الرائدة في مجال الهيدروجين المسال

أفادت "منصة الطاقة" المتخصصة ومقرها واشنطن بأن الهيدروجين المسال يبرز بوصفه نقطة مهمة، في عالم لم تعد فيه الأزمات الجيوسياسية استثناءً، بل سمة متكررة، إ