بقلم: هيثم شلبي
في السياسة الخارجية، كما في الشطرنج، ثمة لحظة يدرك فيها اللاعب أن كل حركة متاحة أمامه تُضعفه، وأن الحياد المزمن لم يكن استراتيجية بل كان هروباً متأخراً من استحقاق لا مفر منه. الجزائر تعيش هذه اللحظة في ملف مالي، لكنها تعيشها في صمت مُحكَم، كما تفعل الأنظمة التي تخشى من أن الاعتراف بالورطة أخطر من الورطة ذاتها.
مالي ليست دولة عابرة في الحسابات الجزائرية. إنها القلب النابض للعقيدة الأمنية التي بنت عليها الجزائر هيبتها الإقليمية منذ الاستقلال: العمق الصحراوي الجنوبي، ورقة الطوارق، ودور الوسيط الذي لا غنى عنه في أي أزمة تضرب منطقة الساحل. اليوم، وعلى وقع انسحاب الجيش المالي وحلفائه الروس من كيدال وتساليت في ربيع 2026، تبدو هذه العقيدة برمّتها قابلة للمراجعة. المشكلة أن المراجعة تتطلب شجاعة لا تملكها المؤسسة العسكرية الجزائرية.
ورقة الطوارق: سلاح يجرح حامله
تاريخياً، وظّف النظام العسكري الجزائري العلاقات مع الحركات الطوارقية في الشمال المالي باعتبارها ورقة ضغط على دول الجوار وأداة للحفاظ على دور الوسيط الذي لا يمكن تجاوزه. اتفاق الجزائر عام 2015 كان التجلي الأكثر نضجاً لهذا النهج: الجزائر تجمع الأطراف وتوقّع على الاتفاق وتُقدّم نفسه دليلاً على عمقها الإقليمي وثقل نفوذها.
لكن هذه اللعبة تنطوي على تناقض بنيوي أصبح فجوة مفتوحة: الطوارق لا يتوقفون عند الحدود التي رسمها الاستعمار الفرنسي. امتدادهم البشري والقبلي يشمل جنوب الجزائر ذاته، ولا سيما منطقة تمنراست وأدرار وتازروك. أي دعم جزائري للحركات الطوارقية في مالي -صريحاً كان أم ضمنياً- يحمل في طياته خطر المفعول العكسي: تقوية هويات قبلية عابرة للحدود قد تطرح في وقت لاحق أسئلة مزعجة على الداخل الجزائري ذاته. الجزائر تلعب بنار لا تستطيع إطفاءها إذا اتسع لهيبها.
الأخطر من ذلك أن الدعم الجزائري للفصائل القومية الطوارقية لا يتيح التحكم في إلى أين يذهب هذا الدعم ميدانياً. الفصائل القومية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين ذات الطابع الجهادي تتشاركان الجغرافيا وأحياناً تتشاركان الممرات والموارد. اللعب في ورقة الأولى انتقاماً من باماكو يعني في بعض الأحيان تغذية الثانية عن غير قصد، وهو ما يتناقض جذرياً مع الرواية الجزائرية الرسمية التي تُقدّم الجزائر حارساً لا يُعوَّض ضد الإرهاب في الساحل.
روسيا: الحليف الذي يُحرج حلفاءه
العلاقة الجزائرية-الروسية بنيت على ثلاثة أعمدة: صفقات السلاح، والتنسيق في المحافل الدولية، والخطاب السيادي المشترك في مواجهة ما يُسمى “الإملاءات الغربية”. هذه الأعمدة ما زالت قائمة، لكن مالي حوّلت الشريك الروسي إلى عبء استراتيجي غير مُعلن.
موسكو تريد من الجزائر شيئاً واحداً في ملف مالي: أن تُسهم ببصمتها الإقليمية في إنقاذ هيبة فيلق أفريقيا المتداعية. هذا يعني أن تُقنع الجزائر الفصائل الطوارقية بوقف الهجمات، وأن تُغطي دبلوماسياً على الانسحابات الروسية وتُقدّمها باعتبارها إعادة انتشار تكتيكية لا هزيمة ميدانية. الجزائر تعجز عن تقديم هذه الخدمة لأسباب عملية وليس لأسباب مبدئية: نفوذها على الفصائل الطوارقية تآكل هو نفسه بعد أن تعاملت باماكو مع “اتفاق الجزائر” باعتباره ورقة منتهية الصلاحية وعاملت الجزائر كوسيط فقد صلاحيته.
والأشد إيلاماً في هذا المشهد أن موسكو دعمت إلغاء اتفاق الجزائر -التاج الدبلوماسي الجزائري بامتياز- دعماً صامتاً حين وقفت إلى جانب المجلس العسكري المالي الذي يرفض الاتفاق جملة وتفصيلاً. هذه طعنة روسية لا تُنسى في تاريخ العلاقة الثنائية، مغلّفة بلغة البراغماتية لكنها واضحة المعنى: موسكو حين تضطر للاختيار بين الحليف الأقدم وموطئ القدم الأقرب، تختار الموطئ دون تردد.
الضغط الأمريكي: مطالب تتجاوز الطاقة الجزائرية
واشنطن تطلب من الجزائر ما يبدو معقولاً على السطح وما هو شبه مستحيل في العمق. المطلب الأمريكي المحوري يقوم على فكرة بسيطة: الجزائر تملك مفاتيح النفوذ على الفصائل الطوارقية، وبالتالي هي القادرة على فصل هذه الفصائل عن الجهاديين، وهو الفصل الذي يجعل مكافحة الإرهاب ممكنة وتسوية سياسية مع الشمال المالي قابلة للبناء.
المشكلة في هذا المنطق الأمريكي أنه يُضخّم النفوذ الجزائري الفعلي على الفصائل الطوارقية في مرحلة تآكل هذا النفوذ بالفعل، ويُغفل تماماً التكلفة الجزائرية لتنفيذ هذا الدور. الجزائر ليست حارسة مُحايدة لاستقرار الساحل؛ هي لاعب ذو مصالح خاصة لا يستطيع التحول إلى أداة خدمة للأجندة الأمنية الأمريكية دون أن يُقوّض شرعيته الداخلية المبنية أصلاً على خطاب الاستقلالية ورفض الإملاءات الخارجية.
وهنا يكمن التناقض المُعيق: الشرعية الوحيدة التي تملكها المؤسسة العسكرية الجزائرية في الداخل هي خطاب السيادة الوطنية. التعاون المكشوف مع واشنطن في ملف الساحل سيُقرأ داخلياً باعتباره خضوعاً، وهو ما لا تستطيع المؤسسة العسكرية تحمّله في مرحلة تشهد هشاشة اجتماعية متصاعدة. الضغط الأمريكي حقيقي في نيّته لكنه يطلب من الجزائر أن تنتحر سياسياً في الداخل لكي تُنقذ الاستقرار في الخارج.
المبادرة الأطلسية: المرآة الكاشفة
ربما لا شيء يكشف ورطة الجزائر في مالي أكثر من صعودها المتزامن مع صعود المبادرة الأطلسية المغربية. الرباط تُقدّم لدول الساحل الحبيسة -ومالي في مقدمتهم- منفذاً اقتصادياً نحو المحيط الأطلسي، بنية تحتية، تنمية، طريقاً للخروج من الأزمة الاقتصادية المزمنة التي تجعل الشباب وقوداً جاهزاً للتجنيد الجهادي. الإمارات تُكمل هذا الطرح بقدرة تمويلية ورؤية في مواجهة الإسلام السياسي.
الجزائر لا تملك ما تُقابل به هذا الطرح. ليس لأنها تفتقر إلى الموارد -النفط والغاز لا يزالان يُدرّان مليارات- بل لأن إدارتها لهذه الموارد دائماً ما جاءت في خدمة الأجهزة الأمنية والسيطرة الداخلية، لا في بناء مشاريع إقليمية استراتيجية طويلة النفس. البيروقراطية الجزائرية المثقلة والعقلية الأمنية الغالبة لا ينتجان مبادرات تنموية ذات أفق أطلسي، هي أصلا محرومة منه!!
الجزائر استثمرت عقوداً في نموذج “الوساطة الأمنية”: كونها الضامن للاستقرار سيجعل الحاجة إليها دائمة. هذا النموذج كان يعمل في عالم تُدار فيه الأزمات بالوساطة السياسية، لكنه يتفكك في عالم تُحسم فيه الأزمات بالتنمية والتجارة والتكامل الاقتصادي. المغرب فهم هذا التحول وبنى عليه. الجزائر لا تزال تراهن على أدوات العقد الماضي.
الخلاصة: حين تصبح الأوراق أعباء
الورطة الجزائرية في مالي ليست ورطة من صنع الخارج وحده. هي في معظمها ورطة ذاتية، نتاج عقود من السياسة الخارجية التي آثرت الهيمنة على الشراكة، والنفوذ على التنمية، والأمن على السياسة. حين كانت الأدوات التقليدية تعمل، بدت هذه السياسة ذكاءً استراتيجياً. حين توقفت عن العمل -وهذا ما يحدث اليوم في مالي- بدت ما كانت عليه دائماً: عجزاً استراتيجياً مُقنَّعاً بلغة السيادة.
الجزائر اليوم تواجه في مالي ما لا تستطيع قوله علناً: أوراقها باتت أعباء، وشركاؤها التقليديون باتوا منافسين، ومنافسوها الإقليميون باتوا يُقدّمون للمنطقة ما لا تستطيع هي تقديمه. وحين لا تستطيع دولة الفعل أو الصمت أو الاعتراف، تختار في الغالب ما اختارته الجزائر: “الجمود المُعلَّق”، والانتظار حتى تُحسم الأمور بدون إذنها.
لكن التاريخ الجيوسياسي يُسجّل درساً واحداً لمن يراهن على الانتظار: الذين يتركون الآخرين يرسمون الخريطة نادراً ما يجدون لهم مكاناً عليها.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير