بقلم: هيثم شلبي
ثمة فارق جوهري بين من يرسم الخريطة ومن يتعلق بحافتها يائساً. حين أعلنت الجزائر عن عرضها المفاجئ لمنح دول الساحل وتشاد منفذاً نحو البحر عبر ميناء “جن جن” في جيجل، لم تكن تُطلق مبادرة تنموية بقدر ما كانت تُقرّ ضمنياً بأن المبادرة الأطلسية للمملكة المغربية قد نجحت في تغيير معادلة الجغرافيا السياسية في المنطقة، وأن الجزائر باتت في موضع المتأخر الذي يحاول اللحاق بقطار لم يعد في محطته. ولفهم حدود هذا العرض وسقف طموحاته، لا بدّ من تشريح بنيته الهشة بمشرط الواقع، بعيداً عن الضجيج الإعلامي الذي أحاطه.
الدافع المكشوف: الرد بدل الريادة
لا تنبع المبادرة الجزائرية من تراكم استراتيجي أو رؤية تنموية متجذّرة، بل إنها وُلدت في اللحظة ذاتها التي باتت فيها “المبادرة الأطلسية” للمملكة المغربية وثيقةً موقّعة بالتراضي بين وزراء خارجية مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد على طاولة مراكش في ديسمبر 2023.
الجزائر، التي درجت عقوداً على رؤية الساحل من منظار ضيّق لا يرى إلا البعد الأمني والحسابات الاستخباراتية، وجدت نفسها أمام معطىً جديد: دول الجوار تتحرك نحو المحيط الأطلسي، أي نحو عالم آخر تماماً، عالم لا تملك فيه الجزائر لا ضغطاً ولا حضوراً ولا صرة نفوذ. لذا جاء عرض “جن جن” ردّ فعلٍ انعكاسياً، لا فعلاً، وهو الفارق الذي يحدد مصير أي مبادرة قبل أن تُولد.
المغرب، في المقابل، بنى مشروعه الأطلسي على أساس مختلف جذرياً؛ ليس ميناءً فحسب، بل منظومة متكاملة: ميناء الداخلة الأطلسي الذي يرقد على خاصرة القارة في نقطة تقاطع المتوسط مع الأطلسي، ومشاريع بنية تحتية تربطه بشبكة طرقية وسككية عابرة للصحراء، وشراكة مؤسساتية حكومية مدعومة بحضور اقتصادي مغربي فاعل في تلك الدول منذ سنوات. والأهم من ذلك كله أن المبادرة المغربية تُقدّم لدول الساحل شيئاً لا ثمن له في الجغرافيا السياسية: مخرجاً نحو الفضاء الأطلسي بعيداً عن الوصاية الجزائرية، ونافذة تفتح على العالم الأنغلو-أمريكي والأوروبي دون المرور عبر “كوّة” الجزائر.
باماكو: الجدار الذي تصطدم به مخططات الجزائر
أخطر ما يواجه العرض الجزائري ليس الجغرافيا ولا الاقتصاد، بل السياسة. والسياسة تبدأ في باماكو. العلاقة الجزائرية-المالية وصلت إلى درجة من الانهيار تتجاوز مصطلح “التوتر” بكثير؛ إنه قطيعة استراتيجية. فبعد انهيار اتفاق السلم والمصالحة في مالي، وهو الاتفاق الذي كانت الجزائر ضامنه الأول وراعيه الأعظم، باتت باماكو تنظر إلى الجزائر ليس باعتبارها وسيطاً نزيهاً، بل طرفاً في الأزمة. الاتهامات المالية لجارها الشمالي بدعم حركات أزواد المسلحة وتمرير السلاح والمال إليها لم تُولد في فراغ، وقد وثّقتها تقارير الأمم المتحدة ووكالات الاستخبارات الغربية بما يكفي لإبعاد الجزائر عن موقع “الشريك الموثوق”.
والمشكلة أعمق من مجرد خلاف سياسي عابر؛ الحكومة الانتقالية في باماكو التي تستمد شرعيتها من خطاب السيادة والقطيعة مع الوصاية الخارجية، لا تستطيع سياسياً أن تمنح الجزائر امتيازاً، دون أن تُقدّم ذلك لمنافسيها الداخليين كرصاصةً مجانية. الانتقال من العداء اللفظي إلى التعاون الاقتصادي مع الجزائر يتطلب ثمناً سياسياً لا تستطيع باماكو دفعه في ظل تركيبتها السياسية الراهنة. هذا الجدار وحده يُسقط شطراً كبيراً من حسابات الجزائر.
النيجر: الأسيرة في قفص الكونفدرالية
أقرب الدول جغرافياً للجزائر هي النيجر، وهي بالتالي الورقة التي يُعوّل عليها النظام العسكري في الجزائر أكثر من غيرها. والواقع أن نيامي تجد نفسها في وضع معقد ومتشعب الأبعاد.
فمن ناحية، القرب الجغرافي من الجزائر حقيقي، ومن ناحية أخرى، فإن النيجر اختارت بوضوح الانتماء لمنظومة “كونفدرالية دول الساحل” التي تربطها بمالي وبوركينا فاسو بعقد سياسي وأمني وثيق. والكونفدرالية الوليدة تقوم جزئياً على منطق التضامن ضد أي محاولة لتفريق صفوفها واستمالة أعضائها فرادى، لأن التوحد هو مصدر ثقلها التفاوضي الوحيد أمام القوى الكبرى.
أي تحرك نيجري منفرد نحو الجزائر في غياب توافق مع مالي وبوركينا فاسو سيُقرأ في العواصم الثلاث كاختراق للتضامن الكونفدرالي، وهو ما لا تستطيع نيامي تحمّل كلفته السياسية الداخلية حالياً. والأهم أن الموقف الروسي من هذه المعادلة يعقّد الحسابات أكثر مما يبسّطها، وهو ما يستدعي توقفاً مستقلاً.
موسكو: اللاعب الخفي الذي يوزّع الأوراق
يُخطئ من يختزل الحضور الروسي في منطقة الساحل بـ”فيلق أفريقيا” أو بذاكرة “فاغنر”. روسيا لا تبيع مرتزقة فحسب، بل تبيع نماذج حوكمة: تضمن بقاء الأنظمة مقابل السيطرة على القرار الأمني والوصول إلى الموارد. في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تمسك موسكو بخيوط القرار الأمني بشكل يجعل أي مشروع عبور اقتصادي كبير يحتاج ضوءها الأخضر الصامت قبل أن يُولد. والموقف الروسي من الجزائر أكثر تعقيداً مما يبدو في الظاهر. فالجزائر تحاول موازنة علاقاتها بين موسكو والغرب في سياسة حبل مشدود يصعب المشي عليه طويلاً، وهي تستورد السلاح الروسي وتبيع الغاز للأوروبيين وتؤكد “عدم الانحياز”. أما موسكو فتنظر بعين مريبة لأي نفوذ جزائري متنامٍ في الساحل قد يُفضي إلى خلق قطب تأثير مستقل نسبياً عن المنظومة الروسية.
والأهم أن موسكو لديها مصلحة موضوعية في استمرار المبادرة الأطلسية المغربية، لأنها ببساطة تفتح ممراً لوجستياً نحو المحيط الأطلسي لا تراقبه البحرية الأوروبية، وقد يخدم مصالح روسية بعيدة المدى في قطع العزلة المفروضة عليها. هذا لا يعني أن موسكو موالية للرباط، بل يعني أنها في الحسابات الراهنة أقل ميلاً لأن تفتح الطريق أمام مشروع جزائري ينافس مشروعاً يُطوّق الجزائر وهي واقفة.
سوناطراك في مواجهة المكتب الشريف: الطاقة لا تهزم الخبز
الجزائر تحمل في يدها ورقة طاقة: غاز سوناطراك، وامتداداته في مشاريع كمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء نحو نيجيريا. لكن هذه الورقة أقل وهجاً مما تبدو عليه. مشاريع الطاقة الكبرى تحتاج استقراراً أمنياً لعقود، والشريط الحدودي الجزائري-المالي-النيجيري يشهد اضطراباً منخفض الحدة لكنه مزمن ومتجذر، كما أن الغاز يُغذّي ميزانيات الدول لا مطابخ المواطنين. وهنا يظهر الفارق الهيكلي الكبير بين ما تقدمه الجزائر وما يقدمه المغرب عبر المكتب الشريف للفوسفاط.
المغرب لا يبيع سماداً فحسب، بل يبني سيادة غذائية. في إثيوبيا وغانا ونيجيريا، يُقيم المكتب مصانع تحويل محلية تشغّل عمالة وطنية وتُنتج أسمدة بأسعار تفضيلية تصل إلى صغار المزارعين. في قارة يعيش فيها مئات الملايين تحت رحمة تقلبات المناخ وأسعار الغذاء، الشركاء الذين يُقدّمون “خبزاً” يبنون شعبية لا يستطيع الغاز أن يشتريها. السيادة الغذائية هي المعادل الاستراتيجي للسيادة الأمنية في أفريقيا الجديدة، وهي الورقة التي يلعبها المغرب بثقة وببعد نظر.
نقاط الضعف الهيكلية: البنية التي تأكل العرض من الداخل
يعاني العرض الجزائري من ثلاثة عيوب هيكلية لا تُعالَج بالخطاب ولا بالمناورة الدبلوماسية. أولها مشكلة الموثوقية التاريخية: الجزائر لجأت مرات عديدة إلى سلاح إغلاق الحدود عندما ساءت علاقاتها مع الجوار، ودول الساحل التي جرّبت ذلك تتذكره جيداً، ناهيك عن المثل المغربي القائم منذ أزيد من ثلاثة عقود. الانكشاف الاقتصادي على جارٍ يملك مفتاح الإغلاق ورقة ضغط حاضرة في الذهن حتى حين لا يُصرَّح بها.
وثانيها مشكلة الغياب الاقتصادي: المغرب يملك شبكة مصرفية فاعلة تغطي غرب أفريقيا، التجاري وفا بنك والبنك الشعبي وبنك أفريقيا، تمتلك فروعاً وخبرة محلية متراكمة، والخطوط الملكية المغربية تربط الرباط بعواصم يستغرق الوصول إليها من الجزائر تحويلات عبر أوروبا. الجزائر في المقابل لا تزال تبني فروعها البنكية الأولى في الساحل. الثقة الاقتصادية لا تُبنى بمبادرة تصريحية، بل بتراكم الحضور الميداني.
وثالثها مشكلة البنية التحتية الداخلية: طرق العبور البرية التي تربط الجزائر بالنيجر وتشاد تمر بمناطق تعدّها الدول الغربية والأممية بيئات خطرة نسبياً، لا بسبب وهم أمني بل بسبب نشاط جماعات مسلحة موثّق في المثلث الحدودي بين الجزائر ومالي والنيجر. الاستثمار في تأمين هذه الطرق يتطلب جهداً مالياً وعسكرياً يفوق ما تستطيع الجزائر توظيفه في ظل ضغوط الميزانية الراهنة.
الخلاصة الاستراتيجية: جغرافيا مقابل جيوسياسة
المعادلة في نهاية المطاف بسيطة في صياغتها وعميقة في دلالتها: الجزائر تقدّم “جغرافيا”، أي مسافة أقصر وطريقاً أقرب على الخريطة. والمغرب يقدّم “جيوسياسة”، أي اتصالاً بمنظومة أطلسية تفتح على العالم الذي تريد دول الساحل الاندماج فيه. قادة الساحل الجدد الذين خرجوا بصوت واحد ضد الوصاية الفرنسية لا يريدون أن يستبدلوا وصايةً بأخرى، والانتقال من “سدّة فرنسية” إلى “سدّة جزائرية” لا يمثّل لهم تحرراً بل تبديلاً للقيود.
دول الساحل ستتعامل مع العرض الجزائري تعاملاً براغماتياً انتهازياً: يأخذون ما يستطيعون انتزاعه تكتيكياً لتحسين موقفهم التفاوضي مع الرباط، لكنهم لن يُسلّموا مفاتيح اقتصادهم الاستراتيجية لجارٍ لم ينجح تاريخياً في نسج علاقة متكافئة. الرهان الأطلسي المغربي يمنحهم شيئاً لا يملكه عرض “جن جن”: الخروج من “البحيرة المتوسطية” التي طالما جعلت منهم أسرى توازنات القوى التقليدية، نحو فضاء أوسع يصنعون فيه ثقلهم بأنفسهم.
الجزائر تملك المكان، لكن المغرب يملك الثقة والرؤية والآلة. وفي الجغرافيا السياسية الأفريقية الجديدة التي تُعاد كتابتها بعيداً عن خرائط ما بعد الاستعمار، الثقة هي العملة التي لا تُطبع في البنوك المركزية، بل تتراكم في الميدان عاماً بعد عام، صفقةً بعد صفقة، مستشفىً بعد مستشفى، مصنعَ أسمدة بعد آخر.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير