بقلم: هيثم شلبي
لم يكن في وسع النظام العسكري الجزائري، حين استثمر عقوداً من الدعم المالي والدبلوماسي والإعلامي في مشروع “الجمهورية الصحراوية”، أن يتخيل أن هذا المشروع سيبدأ يوماً في التفكك من الداخل الأفريقي الذي كان يعتبره حديقته الخلفية الآمنة. غير أن ما جرى في أبريل 2026 حين أعلنت باماكو سحب اعترافها بـ “جمهورية تندوف” جاء ليُضيف صفحةً جديدة إلى سجل الإخفاقات المتراكمة، وليطرح في أروقة الرئاسة الجزائرية سؤالاً مُقلقاً لا تجرؤ الدبلوماسية الرسمية على الإجابة عنه بصوت مرتفع: من التالي؟
السؤال ليس وليد اليوم في الحقيقة. فمنذ أن أعلنت نيروبي سحب اعترافها بالبوليساريو -وهو القرار الذي مرّ في الإعلام الجزائري مرور الكرام بما يكفي من الصمت لإخفاء حجم الصدمة- بدأت خريطة التحالفات الأفريقية التي رعتها الجزائر بأموال النفط تُظهر تصدعات لا ترقّعها البيانات الرسمية. كينيا ليست مالي، وسحب نيروبي اعترافها ليس حدثاً هامشياً يمكن تصنيفه في باب “التقلبات المؤقتة”؛ بل هو إشارة من قوة اقتصادية إقليمية أولى إلى أن ثمة إعادة حساب جدية تجري في أكثر من عاصمة أفريقية في آنٍ واحد.
في خضم هذا المشهد، تجد الجزائر نفسها أمام خمس علاقات أفريقية تُبقيها في حالة ترقب مزمن، كل منها تحمل من عوامل القلق ما يكفي لترك المخططين الجزائريين في اجتماعاتهم المغلقة دون نوم.
تنزانيا التي ظلت رمزاً للتضامن الأفريقي في عهد نيريري باتت تُقلق الجزائر من زاوية لم تكن في الحسبان: الجغرافيا. فدار السلام تقع على مسافة طويلة من الجزائر العاصمة وعلى مسافة قريبة من نيروبي التي اتخذت قرارها، والاستثمارات المغربية في قطاعها الزراعي تتعمق بهدوء لا تستطيع الجزائر منافسته بأي ورقة تملكها. الجزائر لا تُقدم لتنزانيا أسمدة لحقولها ولا شراكات لبنيتها التحتية ولا حضوراً في المنظومة الأممية يُفيد مساعيها التنموية. تُقدم لها خطاباً عن الكفاح ضد الاستعمار صالح للإطار ولا قيمة له خارجه، وهو خطاب يجد صدىً متناقصاً كلما تقدمت الأجيال وتراكمت الاحتياجات.
أما إثيوبيا فالقلق الجزائري منها ذو طابع مؤسسي مباشر، لأن أديس أبابا تحتضن الاتحاد الأفريقي الذي يُشكّل الفضاء الأساسي لبقاء “الجمهورية الصحراوية” في المشهد الدولي. وما يُقلق الجزائر حقاً ليس فقط احتمال تحوّل الموقف الإثيوبي، بل ما سيعنيه ذلك رمزياً: فإثيوبيا التي أسهمت في صياغة منظمة الوحدة الأفريقية الأم لو قررت يوماً أن الاعتراف بالبوليساريو أصبح عبئاً لا عائداً، فإن ذلك سيُعطي شرعيةً أفريقية عميقة لمسار إعادة النظر في عضوية “الجمهورية الوهمية” داخل الاتحاد. الجزائر تُدرك هذا جيداً، لذلك تبذل جهداً دبلوماسياً واضحاً في التودد لأديس أبابا، غير أن أديس أبابا تعيش أزمات داخلية لا تحل بالخطاب الجزائري، وتحتاج إلى شركاء يُقدمون حلولاً لا تضامناً مؤدلجاً.
نيجيريا هي المعضلة الكبرى في الحسابات الجزائرية، والمعضلة من نوع خاص لأنها ليست في خطر راهن بل في تآكل بطيء أشد خطورة. أبوجا لم تسحب اعترافها ولم تُعلن تحولاً رسمياً، لكن الدبلوماسية الجزائرية تُدرك أن ما يجري في الكواليس النيجيرية لا يسير لصالحها. أنبوب الغاز النيجيري المغربي يربط مصير الطاقة النيجيرية بالبنية التحتية المغربية، واستثمارات OCP تتجذر في الاقتصاد الزراعي النيجيري، وهو ما يعني أن الاعتراف النيجيري بالبوليساريو يتحول تدريجياً إلى ورقة لا أحد يُكلف نفسه عناء قراءتها. والجزائر التي تملك غازاً كان يمكنها يوماً أن تُنافس به المشروع المغربي لا تملك اليوم لا الإرادة ولا القدرة على تقديم بديل اقتصادي يُعيد نيجيريا إلى المدار الجزائري.
موريتانيا تمثل لجزائر اليوم نكسة أكثر مرارةً لأنها الجارة المباشرة للصحراء المغربية والبوابة الجنوبية التي كان يُفترض أن تبقى في متناول التأثير الجزائري. والحقيقة التي لا تجرؤ الجزائر على البوح بها هي أن موريتانيا قررت عملياً الانسحاب من هذا الملف، وإن احتفظت بالاعتراف الشكلي حفظاً لماء الوجه الجزائري. التنسيق الأمني الموريتاني مع القوات المغربية، وتوقيع برنامج العمل الاستراتيجي مع الرباط، ومعطيات التبادل الاقتصادي عبر الكركرات، كل هذه ترسم صورة دولة آثرت الجغرافيا على الأيديولوجيا، ولم تتبق للجزائر فيها سوى ورقة الضغط الحدودي التي حين تلجأ إليها فإنها تُوثق عجزها لا قوتها.
أوغندا وأنغولا لم تكونا يوماً في صلب المنظومة الجزائرية بالقدر ذاته، لكن ما يُقلق الجزائر هو نمط التحول لا قرارا بعينه. كمبالا التي ارتبطت بموسيفيني وإرثه النضالي تنزلق بهدوء نحو شراكات مغربية ملموسة في الغذاء والأمن والطيران، في حين يتراجع الحضور الجزائري إلى حضور بروتوكولي لا عمق اقتصادياً له. وأنغولا التي تحكمها الحركة الشعبية لتحرير أنغولا بكل إرثها الأيديولوجي الثوري وجدت في عهد لورنسو أن هذا الإرث لا يُموّل الميزانية ولا يبني المصافي، وبدأت تُعيد كتابة خريطة شراكاتها الاقتصادية بعيداً عن الاعتبارات الحزبية التاريخية. ما يجمع الحالتين هو أن الجزائر لم تُقدم في السنوات الأخيرة ما يُوقف هذا الانزياح، لا في الاستثمار ولا في الدعم السياسي الفعلي ولا في القدرة على التأثير في المنظمات الإقليمية.
ويبقى الكابوس الأكبر الذي يتحاشى المسؤولون الجزائريون الاقتراب منه هو سؤال طرد “الجمهورية الصحراوية” من الاتحاد الأفريقي. السيناريو الذي كان يبدو ضرباً من الخيال قبل سنوات أصبح يُطرح بجدية متصاعدة في الأروقة الدبلوماسية، وجنوب أفريقيا التي طالما شكّلت الدرع الواقي لهذه العضوية تجد نفسها في عزلة إقليمية متنامية. بريتوريا التي آثرت ترسيخ هيمنتها الإقليمية عبر توظيف الملف الصحراوي، تتأكد الآن بأنها أصبحت ورقةً تخسر قيمتها التفاوضية مع كل انسحاب جديد، وجيرانها الأيديولوجيون -من ناميبيا إلى بوتسوانا- يتمسكون بمواقفهم لا لقناعة راسخة، بل لأن تكلفة الخروج من الفضاء الجنوب أفريقي تبدو حتى الآن أعلى من تكلفة البقاء فيه. لكن هذه المعادلة تتغير مع كل قرار جديد يُفرز القارة. وفي النهاية، وحتى على فرض تماسك الفضاء الجنوب أفريقي الذي اخترقته المغرب من بوابة زامبيا وسوازيلاند، فإنه لن يكفي بأي حال لمنع طرد جمهورية الوهم من البيت الأفريقي.
الجزائر تعرف كل هذا. تعرف أن قطار الانسحابات أقلع ولا تملك ما توقفه به. تعرف أن أموال النفط التي كانت تشتري التضامن الأفريقي لم تعد تكفي لشراء الصمت، وأن الخطاب عن الكفاح ضد الاستعمار أصبح يُستقبل في العواصم الأفريقية بشيء يشبه الابتسام المهذب الذي يُودّع به الزائر المُطيل. ما تفعله الآن هو ما تُجيده حين يضيق الخيار: المزيد من الاجتماعات، والمزيد من البيانات، والمزيد من التأكيد بأن “القضية العادلة” إلى انتصار. وهو تأكيد يبدو في سياق 2026 أشبه بمن يُصرّ على أن الساعة تسير في الاتجاه الصحيح في حين أن كل من في الغرفة يرى العقارب تتحرك إلى الوراء.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير