ثمن الانغلاق: عجز الجزائر عن الانضمام إلى أي منظومة اقتصادية دولية بارزة؟!

بقلم: هيثم شلبي

ثمة أنظمة سياسية تحكم شعوبها. وثمة أنظمة أخرى تحكم شعوبها وتُسوّر نفسها في آنٍ واحد، مقتنعةً بأن الجدار الذي يحمي سلطتها هو بالضرورة درعٌ يحمي وجودها. النظام الجزائري من الصنف الثاني، غير أن التاريخ المتراكم خلال العقود الثلاثة الأخيرة يُفضي إلى استنتاج محرج: كلما حاول هذا النظام الانخراط في أي منظومة دولية ذات وزن، أُغلق الباب في وجهه أو تراجع هو بنفسه قبل أن يُغلق. ومنظمة التجارة العالمية وبريكس واتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ليست ثلاثة ملفات متفرقة؛ إنها ثلاثة أعراض لمرض بنيوي واحد.

حين يُصبح الريع ديناً يستحيل سداده
لفهم لماذا يعجز النظام الجزائري عن التعامل مع أي منظومة تجارية جدية، يكفي النظر إلى رقم واحد: المحروقات تمثل أكثر من 90% من إيرادات الصادرات الجزائرية . ليس هذا الرقم وصفاً لاقتصاد يعتمد على النفط؛ إنه وصف لدولة تبيع ثروةً واحدة للعالم ولا تبيع شيئاً آخر. الصادرات خارج قطاع المحروقات بلغت 5.1 مليار دولار في 2023، وهو رقم لم يرتفع عن هذا الحد خلال العامين الماضيين! رقم لا يمثل سوى 2% من الناتج المحلي الإجمالي! وبالتدقيق في لائحة الصادرات خارج قطاع المحروقات نجد أن أبرزها الأسمدة والحديد والأسمنت، أي مواد خام وشبه مصنّعة، لا منتجات يجعلها التبادل التجاري الحر أكثر تنافسية.

هذه البنية الاقتصادية ليست صدفة تاريخية. إنها خيار سياسي متعمد من جنرالات يعرفون أن اقتصاداً متنوعاً وتنافسياً يعني بالضرورة قطاعاً خاصاً قوياً، وهذا القطاع يعني فاعلين اقتصاديين مستقلين عن الريع، وهؤلاء يعني طبقة لا تحتاج النظام لكي تُطعم أبناءها. سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن في الميزانية الجزائرية يبلغ 142 دولاراً للبرميل، في حين لا يتجاوز السعر المتوقع في 2026 ستون دولارا. هذا الفارق المُذهل بين تكلفة الاستمرار وما يجنيه هو فاتورة الخيار الذي اتخذه الجنرالات منذ عقود.

منظمة التجارة العالمية: عقدٌ لا يستطيع توقيعه من يخشى الشفافية
منذ يونيو 1987 تأسست فرقة العمل المعنية بانضمام الجزائر، وآخر اجتماع عُقد كان في مارس 2014، أي أن المفاوضات متوقفة رسمياً منذ أحد عشر عاماً. الدعاية الرسمية تسمي هذا “حرصاً على السيادة”. والأدق أن الانضمام يفترض نشر جميع القوانين التجارية بشكل علني، والإخطار المسبق بأي تعديل تشريعي، وتحديد سقف ملزم للرسوم الجمركية. هذه الشروط الثلاثة بمجموعها تُفضي إلى نتيجة واحدة: الإفصاح عن شبكات توزيع التراخيص والعطاءات وحصص الاستيراد التي يُدار بها الاقتصاد الجزائري لصالح الجنرالات والمقربين من المؤسسة العسكرية. وهكذا، فالسيادة المقصودة ليست سيادة الدولة، بل سيادة الجنرالات على الصندوق الأسود.

بريكس: حين يرفضك “الأصدقاء والحلفاء”
المشهد كان مسرحياً بامتياز: الرئيس تبون يتوجه إلى موسكو ثم إلى بكين، يجاهر بدعمه لروسيا في أوكرانيا، ويبيع خطاباً عن “عالم متعدد الأقطاب” بحرارة التاجر المتحمس. وزير الخارجية الروسي لافروف بنفسه صرّح بأن الجزائر تمتلك مزايا تجعلها “فوق الآخرين المتطلعين للانضمام، ثم جاء مؤتمر جوهانسبرغ في أغسطس 2023 ليُعلن انضمام ست دول: مصر وإيران والإمارات والسعودية وإثيوبيا والأرجنتين. الجزائر لم تكن بينها.

الإعلام الرسمي الجزائري سارع للتفسير: مؤامرة إماراتية، فيتو خليجي، حسابات سياسية. لكن الحقيقة التي لا يريد قولها أن إثيوبيا نفسها، التي يستغرب المسؤولون الجزائريون قبولها، سجّلت معدل نمو بلغ عشرة بالمئة سنوياً لأكثر من عقد. الاقتصاد الجزائري وصمته التقييمات الدولية بأنه اقتصاد تهيمن عليه الدولة، بمناخ استثماري غير جاذب، ومنظومة مصرفية متخلفة. بريكس منظومة اقتصادية أولاً، والخطاب الثوري لا يُعوّض عن فاتورة الصادرات.

النهاية كانت أشد إحراجاً من الرفض نفسه: سحب الجزائر طلبها والإعلان أنها “طوت الصفحة” مع المنظمة، محتفظةً بعضوية البنك الإنمائي التابع لها، أي القبول بالفتات بعد رفض الطبق الرئيسي، وادّعاء أن هذا كان الخيار منذ البداية.

اتفاق الشراكة مع الأوروبيين: الخصم الأقرب والأصعب

العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تكشف التناقض في أجلى صوره. الاتحاد الأوروبي يمثل أكثر من 50% من مجمل التجارة الجزائرية في 2023، فيما تراجعت صادراته إلى الجزائر من 22.3 مليار يورو عام 2015 إلى 14.9 مليار عام 2023، وهو انخفاض بنسبة تتجاوز الثلث في ثماني سنوات. هذا التراجع ليس نتيجة تنافسية الاقتصاد الجزائري؛ إنه نتيجة سياسة قيود الاستيراد التي يمارسها النظام كلما ارتأى حمايةً لقطاع ما، وهي بالتحديد السياسات التي تجعله غير قادر على الانضمام إلى أي منظومة تجارية تفرض الشفافية.

الاتحاد الأوروبي أطلق في يونيو 2024 إجراءات تسوية النزاعات ضد الجزائر للمرة الثانية منذ 2020، بسبب قيود على صادرات الشركات الأوروبية وإجراءات استيراد تفتقر إلى الشفافية. الجزائر تطالب في المقابل بمراجعة الاتفاق وترى فيه “ظلماً تاريخياً”. والنتيجة جمود تام، مع تصاعد في حدة اللغة القانونية بين الطرفين.

لا يعني هذا أن انتقادات الجزائر للاتفاق خاليةٌ من الوجاهة؛ ثمة أسئلة مشروعة عن التوازن الفعلي لاتفاق بارز بين شريكَين غير متكافئَين. لكن المشكلة الجوهرية أن الجزائر تُطالب بمراجعة اتفاق تُقيّد هي نفسها تنفيذه بسياسات حمائية أحادية، بينما تعجز عن تقديم صادرات غير نفطية تُبرر المطالبة بشروط أفضل.

السمة المشتركة: الانغلاق كاستراتيجية بقاء
ما يجمع الحالات الثلاث ليس سوء الحظ أو المؤامرات الخارجية؛ إنه نمطٌ واحد متكرر. كل منظومة دولية ذات ثقل تشترط قدراً من الشفافية وقابلية التنبؤ والانفتاح، وهذه القيم الثلاث تتعارض هيكلياً مع اقتصاد يُدار كغنيمة. بطالة الشباب تبلغ 30.8% ويعمل 39% من القوى العاملة في القطاع غير الرسمي، وهذا القطاع غير الرسمي الضخم ليس ظاهرة عشوائية بل وظيفة سياسية: إبقاء الملايين على هامش الدولة ومُدانين لها في آنٍ معاً، مما يجعل النظام لا يجرؤ على القيام بأي إصلاح حقيقي بسبب تكلفته الاجتماعية المحتملة.
المفارقة اللاذعة أن الجزائر الرسمية تبدو وكأنها تُريد فوائد الانخراط الدولي دون التزاماته، وامتيازات العضوية دون شروطها، ومكانة القوة الإقليمية دون الاقتصاد الذي يُسوّغ هذه المكانة. لا منظمة التجارة العالمية ولا بريكس ولا الاتحاد الأوروبي مستعدٌّ لتقديم هذه الصفقة، والسؤال ليس لماذا يرفضها العالم، بل إلى متى يستطيع النظام تصوير الرفض المتكرر على أنه نضالٌ من أجل السيادة لشعب يحق له أن يسأل عن ثمن هذه “السيادة” على راتبه الشهري.

اقرأ أيضا

حملة الخير الرمضانية في القدس.. 5112 كوبونا عبر 16 متجرا لدعم الأسر وتنشيط السوق

تحولت حملة الخير الرمضانية، التي تنفذها وكالة بيت مال القدس الشريف في القدس وضواحيها، إلى منظومة دعم اجتماعي واقتصادي متكاملة تجمع بين مساندة الأسر المتعففة وتنشيط الحركة التجارية ودعم التجار المقدسيين، وتوفير فرص عمل مؤقتة للشباب، في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تشهدها المدينة المقدسة.

894 ألف منصب شغل مباشر في قطاع السياحة بالمملكة سنة 2025

أعلنت وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، أن قطاع السياحة بالمغرب يواصل تأكيد ديناميته الإيجابية، حيث بلغ عدد مناصب الشغل المباشرة 894 ألف منصب سنة 2025، وهو مستوى يتجاوز الهدف المسطر في خارطة الطريق 2026- 2023 والمتمثل في خلق 80 ألف منصب شغل إضافي في أفق سنة 2026.

وزارة الصناعة: تدابير فعالة وراء ريادة المغرب في مجال الملكية الفكرية والصناعية

تصدر المغرب للمرة الرابعة على التوالي، الترتيب الإفريقي والعربي في المؤشر الدولي للملكية الفكرية.