بقلم: هيثم شلبي
في السابع عشر من فبراير 2026، أتمَّ النظامُ العسكري الجزائري ما كان يُحلم به منذ سنوات: قانون رقم 26-01، المعدِّل لقانون الجنسية الصادر عام 1970. وهو قانون يُتيح، بموجب مرسوم رئاسي، سحبَ الجنسية الجزائرية الأصلية من أي مواطن ثبت في حقه ما تسمّيه نصوصُه الفضفاضة “المساسَ بالوحدة الوطنية” أو “إظهار الولاء لدولة أخرى”.
القانون صدر في الجريدة الرسمية ودخل حيّز التنفيذ. وعلى الرغم من التطمينات الرسمية التي أكد فيها وزير العدل لطفي بوجمعة أن التطبيق سيكون “استثنائياً جداً”، تبقى الصياغاتُ مشرَّعةً على مصراعيها لكل تأويل ممكن، وتشمل في ما تشمل حالات طبيعية جداً يمارسها ملايين الجزائريين يومياً، داخل البلاد وخارجها.
قراءة في النص: حين يُجرَّم الشعور
تنص المادة الجوهرية في القانون على إمكانية التجريد من الجنسية لكل جزائري يُظهر “الولاء لدولة أجنبية بأي شكل من أشكال التعبير”. لنتوقف هنا لحظة، ونستحضر مشهداً عادياً جداً: جزائري مقيم في فرنسا يرفع علم فريقه المفضَّل في مباراة كرة قدم. أو جزائري في المهجر يُعلِّق صورة بلده الأصلي ويكتب تحتها: “باريس جميلة، لكن قلبي في البليدة”.
هل هذا ولاء لدولة أجنبية؟ القانون لا يُجيب، ومن يُجيب هو الجهاز التقديري للسلطة. بل كيف سيتعامل القانون مع الجزائريين الذين حضروا كأس أمم أفريقيا الأخير لكرة القدم، ونشروا فيديوهات تتغنى وتشيد بجمال المغرب، تطور مرافقه، وحسن تنظيمه!
والأدهى أن النص يُجرِّم كذلك “التصرف على نحو من شأنه إلحاق ضرر جسيم بمصالح الدولة الجزائرية أو محاولة المساس بالوحدة الوطنية”. وهنا يضحك القانون على نفسه: فمصطلح “الوحدة الوطنية” ظلَّ عبر عقود أداةً تفسيرية مطاطة بيد كل نظام يريد أن يُسكت معارضيه.
وفي بلد يُشكِّل الأمازيغ نحو ثلاثين بالمئة من سكانه، ويحتضن حراكاً شعبياً لم تستطع السلطة إسكاته بالكامل، فإن تطبيق هذا المعيار يجعل شريحة واسعة من الجزائريين، بمن فيهم من يطالبون بالاعتراف بلغتهم وثقافتهم، في دائرة الاتهام المحتمل.
ولنتأمل كذلك بنداً آخر لا يقل خطورةً: تجريم “المساس برموز ثورة التحرير الوطنية”. في بلد تُرسَّخ فيه الشرعيةُ الثورية ورقةَ توت تُغطِّي كل إخفاق، فإن أي انتقاد للسياسات الاقتصادية المرتبطة بالمرحلة التاريخية، أو أي تساؤل عن طريقة توظيف خطاب الاستعمار في خدمة السلطة الراهنة، قد يُصنَّف ضمن هذا الباب الواسع. الصياغة لا تُحدِّد، والغموضُ المقصود هو جوهر القانون.
تسعة من كل عشرة: الحساب البسيط
دعنا نقوم بحساب بسيط. يُقدَّر عدد الجزائريين المقيمين في الخارج بما يتجاوز سبعة ملايين شخص، غالبيتهم في فرنسا. هؤلاء يعملون بصفة قانونية لدى شركات أجنبية، يدفعون الضرائب لدول أجنبية، يُصوِّتون في انتخاباتها، ويُنشِّطون اقتصاداتها. ووفق قراءة صارمة لنص القانون الذي يُجرِّم “تقديم خدمات لدولة أخرى”، فإن موظفاً جزائرياً في وزارة فرنسية قد يجد نفسه ذات يوم في مرمى هذا القانون. قد يبدو هذا هزليا، لكن لا يوجد في القانون ما يمنع هذا الوضع من التحول إلى واقع فعلي.
أما داخل البلاد، فإن كل من سبَّ الحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأشاد بنموذج دولة مجاورة، أو نشر مقارنةً بين نسب النمو المغربية والجزائرية، وهي مقارنات لا تُريح الجزائر، يمكن أن يُوصَف سلوكُه بأنه “مساس بالوحدة الوطنية”. وحين يكون العقاب إسقاط الجنسية، لا مجرد غرامة أو سجن، فإن القانون يرقى إلى مستوى المحو الهوياتي.
والأرقام هنا تتحدث بلسان غير قابل للمصادرة: ما بين مليوني وثلاثة ملايين منشور يُنشَر يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي من قِبَل جزائريين في الداخل والخارج. ووفق دراسات الرصد الرقمي لمنظمة فريدم هاوس التي صنَّفت الجزائر في خانة “غير حرة” في تقاريرها الأخيرة، فإن ما يُعدّ تعبيراً مشروعاً في أي ديمقراطية راسخة يمكن أن يُعاد تصنيفه بسهولة ضمن أحكام هذا القانون.
بوعلام صنصال: النموذج الذي يشرح النص
لا يحتاج المرء إلى كثير من الخيال ليفهم القصد الحقيقي من هذا القانون. فقضية الكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال تُلخِّص المشهد ببلاغة. اعتُقل صنصال في نوفمبر 2024 لدى عودته إلى الجزائر، ووُجِّهت إليه جملة من التهم، من بينها “المساس بالوحدة الوطنية وإهانة الجيش والإضرار بالاقتصاد الوطني”. وبعد عفو رئاسي، عاد إلى فرنسا وعادت معه انتقاداته، فسُحب منه جواز سفره الجزائري على الفور. القانون الجديد يُقنِّن هذا المنطق ويرفعه إلى مستوى التشريع الدائم.
والمفارقة أن صنصال روائي، كاتب كلمات، لا جاسوس ولا عميل. جريمته أنه رأى بصوت عالٍ وكتب بما يُزعج. إذا كان هذا هو مستوى التهديد للوحدة الوطنية، فإن كل أديب وصحفي ومدوِّن جزائري يحمل في جيبه تذكرة محتملة نحو انعدام الجنسية.
مقارنة دولية: عندما يكون الاستثناء الجزائري استثنائياً فعلاً
لسنا هنا أمام ظاهرة فريدة في العالم العربي والنامي. فالعديد من الدول تُقيِّد حق المعارضة بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية، بل وتطبِّق قوانين مكافحة الإرهاب على حالات حرية التعبير.
غير أن ما يُميِّز القانون الجزائري هو ثلاثة أشياء تجعله فريداً حتى في هذا السياق المحزن: أولاً، أنه يمسّ الجنسية الأصلية، لا فقط المكتسبة، وهو خط أحمر تجنَّبته أغلب الأنظمة حتى الأكثر استبداداً، إذ إن الجنسية الأصلية حق طبيعي مرتبط بالولادة لا بالعقد. ثانياً، أن معاييره التشريعية قابلة للانطباق على أشكال مشروعة تماماً من التعبير السياسي والثقافي. ثالثاً، أنه يُجيز إصدار قرار التجريد بمرسوم رئاسي، أي بقرار سياسي خالص يتجاوز السلطة القضائية في جوهره.
المفارقة الكبرى أن الجزائر نفسها صادقت على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي يحظر صراحةً تجريد المرء من جنسيته بصورة تعسفية. والتوقيعُ على مواثيق دولية من قِبَل أنظمة لا تأبه بها ليس جديداً، لكنه يظل شاهداً حياً على ازدواجية خطاب يُطالب الآخرين بالقانون الدولي حين يلزمهم، ويتجاهله حين يُقيِّده.
ختاماً: جنسية تحت شرط حسن السلوك
يُدرك المتابع للشأن الجزائري أن هذا القانون لن يُطبَّق على الملايين، وأن جنرالات الجزائر ليسوا في وارد تجريد كل جزائري يُبدي إعجابه بنموذج أجنبي من جنسيته. غير أن التشريعات لا تُقاس فقط بتطبيقها الفعلي، بل بالأثر التخويفي الذي تُحدثه مجرَّد صياغاتها. وحين يعلم المواطن أن التعبير عن رأيه، أو مجرد إبداء إعجاب ببلد آخر، قد يُفضي في نظرية القانون إلى فقدان هويته، فإن الرقابة الذاتية تُنجز مهمتها بتكلفة صفرية على الدولة.
منذ الاستقلال، لم تُجرِّد الجزائر حتى “الحركيين”، أولئك الذين تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي، من جنسياتهم الأصلية، كما استحضر الحقوقي عبد الرزاق رحابي في معرض نقده للقانون. فكيف يكون الإعجاب بنموذج اقتصادي أجنبي، أو توقيع عريضة لحقوق الأمازيغ، أجدر بالعقوبة مما اعتبره الأجداد خيانة وطنية موثَّقة؟
الإجابة بسيطة: القانون ليس للخونة الحقيقيين، بل للمزعجين المحتملين. الجنسية، في المنظومة الجديدة، لم تعد حقاً بالميلاد، بل مكافأةً مشروطة بحسن السلوك، تُمنح بالولادة وتُسحب بالرأي. وهذا، في حد ذاته، يقول كل ما يجب قوله!
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير