الجزائر

الخضوع لقواعد بولس.. كيف اعترفت الجزائر بمغربية الصحراء دون تصريح؟!

بقلم: هيثم شلبي

ثمة لحظات في التاريخ لا تُعلَن فيها الهزيمة بصوت عالٍ، بل تُمارَس بصمت على طاولة مفاوضات. ما جرى في الثامن والتاسع من فبراير 2026 داخل مقر السفارة الأمريكية في مدريد كان من هذا القبيل تماماً: الوفد الجزائري برئاسة وزير الخارجية أحمد عطاف جلس جنباً إلى جنب مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، تحت إشراف مسعد بولس المستشار الرفيع للرئيس ترامب، ودي ميستورا المبعوث الأممي، والسفير مايكل والتز مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة. الجلوس نفسه كان الرسالة، وكانت الرسالة أبلغ من أي بيان.

لم يرفع عطاف ورقة اعتراض. لم يصدر عن الجزائر بيان احتجاج رسمي. لم تسارع الصحافة الرسمية الجزائرية إلى وصف ما جرى بـ”الانتهاك السيادي”. اكتفى المسؤولون برفض السماح بصورة جماعية أو بيان مشترك في ختام الاجتماع، وهو ما يشبه رجلاً يرفض الإعلان عن التوقيع على العقد، بعد أن وقّعه بالفعل في الأسطر الجوهرية.

من “المراقب” إلى “الطرف المُقرّ بنفسه

طوال عقود، أتقن النظام العسكري الجزائري فن الخداع القانوني: دعم البوليساريو بالسلاح والتمويل والأراضي، بينما يرتدي ثوب “المراقب الإقليمي” غير المعني بالنزاع مباشرة. كانت هذه الحيلة مصدر قوته، إذ أتاحت له التأثير الكامل دون تحمل المسؤولية القانونية الكاملة.

ثم جاء قرار مجلس الأمن 2797، الصادر في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2025، وأنهى هذه المسرحية بجرة قلم. للمرة الأولى في تاريخ هذا الملف، صنّف القرار الجزائر صراحةً طرفاً رئيسياً في النزاع، وليس مجرد جار محايد. ما معنى ذلك بالمصطلحات القانونية والسياسية؟ يعني أن “المراقب” الذي كان يدفع الفاتورة ويحرك الخيوط بات اليوم موضوعاً على المنصة، عليه أن يدافع عن موقفه لا أن يتلطى خلف أدوات بالوكالة.

والأدهى أن مجلس الأمن لم يكتفِ بتحديد الأطراف، بل حدّد أيضاً الأساس الوحيد للتفاوض: مبادرة الحكم الذاتي الموسعة للمغرب -تلك الوثيقة الأربعينية التي طورتها الرباط ترجمة للقرار الأممي، والتي كانت منذ تقديمها في 2007 لا تتجاوز ثلاث صفحات لا أكثر. أصبحت اليوم وثيقة تفاوضية مرجعية معترفاً بها أممياً.

وقفت الجزائر أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الامتثال والجلوس، أو الرفض والعزلة الكاملة. اختارت الجلوس. وهذا الاختيار بذاته يمثل أول تراجع استراتيجي موثق في تاريخ هذا الملف.

ثلاثة اجتماعات في أقل من شهر: الإيقاع يُخبر بالكثير

ما يجب أن يلفت الانتباه ليس مضمون الاجتماعات -وهو ما لم يُكشف عنه بعد – بل إيقاعها المتسارع غير المسبوق: اجتماع واشنطن الأول في أواخر يناير، ثم مدريد في الثامن من فبراير، ثم العودة إلى واشنطن في الثالث والعشرين والرابع والعشرين من الشهر نفسه. ثلاثة لقاءات في ثلاثة أسابيع، حضر فيها وزراء خارجية أربع دول. هذا ليس حواراً استكشافياً، هذا مسار إجرائي يتجه نحو نتائج محددة.

بولس نفسه أعلن في ميونيخ عن تفاؤله بالتوصل إلى حل “قبل الصيف”، وهو توقيت لا يُطلق عادةً إلا حين تكون الأطراف الكبرى قد حسمت ما يكفي من تفاصيل خلف الكواليس. واشنطن لا تستثمر هذا الثقل الدبلوماسي -مبعوث رئاسي رفيع، وسفير أممي، وجولات مكثفة -في مسار ترفيهي.

والأهم من ذلك ما صرّح به بولس صراحةً حين سئل عن دور الجزائر: القرار 2797 يسمي الجزائر طرفاً بجانب المغرب والبوليساريو وموريتانيا. لا توجد منطقة رمادية قانونية بعد اليوم.

 

التراجع الجزائري: تكتيك أم استراتيجية؟

يسارع الإعلام الدعائي الجزائري إلى تفسير “مرونة” الجزائر باعتبارها إكراهاً مؤقتاً، مجرد ضغينة أمريكية يمكن تحمّلها ريثما تتبدل الرياح السياسية في واشنطن. وهو تفسير مريح لكنه يعاند الحقائق الموضوعية، للأسباب التالية:

أولاً، الجزائر لم تعترض على قرار 2797 عبر التصويت -كانت عضواً في مجلس الأمن وقت إقراره، لكنها اختارت الامتناع بدلاً من التصويت ضده. الامتناع في القانون الدولي ليس رفضاً، إنه قبول صامت. فضّلت الجزائر ألا تكون أقلية صارخة في مواجهة إجماع غربي وأفريقي واسع.

ثانياً، التغيير في البيئة الجيوسياسية ليس رهين إدارة ترامب وحدها. فرنسا اعترفت بالسيادة المغربية على الصحراء قبل عودة ترامب. إسبانيا سبقتها. الاتحاد الأوروبي دعم المبادرة المغربية صراحةً. بنك الاستثمار الدولي ومؤسسات التمويل الكبرى توجّهت نحو مشاريع الداخلة والعيون. ما يجري ليس موجة سياسية عابرة، بل إعادة هيكلة ديبلوماسية عميقة أفضت إلى أن يصبح خيار الانفصال -حتى نظرياً -خارج نطاق ما يمكن للنظام الدولي الراهن إنتاجه.

ثالثاً، الجزائر تحاصرها أزماتها الداخلية قبل الضغوط الخارجية. احتياطياتها من النقد الأجنبي تراجعت من 194 مليار دولار عام 2014 إلى ما دون 60 ملياراً عام 2025 وفق بيانات صندوق النقد الدولي. فاتورة دعمها للبوليساريو -المالية والدبلوماسية -تعطي بلا عوائد منذ عقود. الغضب الاجتماعي المتصاعد لا تتحمل معها المؤسسة العسكرية تبديداً إضافياً في ملف بدأ يبدو لقطاعات واسعة من الجزائريين أنفسهم ثقلاً بلا مردود.

هذه ليست عوامل تكتيكية. هذه إعادة حسابات استراتيجية مكثفة تتراكم منذ سنوات.

 

ما يرفض الإعلام الجزائري قوله

في تناوله للاجتماعات الأخيرة، اعتمد الإعلام الرسمي الجزائري معجماً من الصياغات اللطيفة: “مشاركة استكشافية”، “حضور بلا التزام”، “حفاظ على منصة الحوار”. وهو خطاب يُذكّر بمن يدفع ثمن الغداء ثم يدّعي أنه دخل المطعم بالخطأ.

ما لم تقله الصحافة الجزائرية: أن وزير خارجيتها كان أول من وصل إلى مدريد. أن الوفد الجزائري استمع إلى عرض الوثيقة المغربية الأربعينية دون أن ينسحب. أن مدريد مُدّدت إلى يوم ثانٍ لأن “المناقشات أخذت وقتها الطبيعي”. وأن وزير الخارجية الإسباني استقبل نظراءه من الأطراف الأربعة جميعاً فيما رفض استقبال البوليساريو من أساسه، وهو تفصيل دبلوماسي يكشف بجلاء كيف يُصنَّف الأطراف في الواقع الدولي الحالي.

والأهم: لم تُعلن الجزائر انسحابها من الجولة الثالثة المرتقبة. وهذا الصمت المشارك يُرادف في لغة الدبلوماسية الالتزامَ. تبعا لكل ما سبق، نستطيع أن نفهم تصريح بولص نفسه منتصف فبراير، بلغة واضحة تخلو من الغموض، بل وربما من الدبلوماسية: “جعلنا الجزائر تقبل الحكم الذاتي ونحترم عدم رغبتها في إعلان ذلك للعموم”.

 

شكل اتفاق بولس المرتقب

بناءً على ما أفرزته الجولات الثلاث، ومما تسرّب عبر مصادر دبلوماسية متعددة، تتشكّل ملامح ما يمكن تسميته “اتفاق إطار الصيف”:

أولاً، الصيغة الجوهرية ستكون “السيادة الكاملة للمغرب مع الحكم الذاتي الموسع”. المغرب لن يتنازل عن حرف من مبدأ السيادة -وهو ما لا يطلبه أحد من الأطراف الرئيسية – لكن الوثيقة الأربعينية توفر هامش تفصيل في الاختصاصات المحلية يكفي لمنح كل طرف ما يحتاجه خطابياً.

ثانياً، سيُراعى الملف الإنساني لمخيمات تندوف، وإن كان من شبه المؤكد أن يبقى إطاراً إجرائياً لا آلية تنفيذية فورية. الأمم المتحدة لها وجود في هذا الملف عبر المفوضية السامية للاجئين، وأي اتفاق سيُلزم الجزائر بالسماح بإحصاء فعلي لسكان المخيمات -وهو ما دأبت على رفضه منذ عقود لأسباب يعرفها الجميع.

ثالثاً، لن يُنهي الاتفاق العلاقات المتوترة بين الجزائر والمغرب دفعةً واحدة، لكنه سيُفضي إلى تطبيع ضمني: فتح الحدود المغلقة دون سبب مقنع منذ 1994، فتح المجال الجوي، وربما مسارات تجارية تحت لافتة التعاون الإقليمي في إطار المبادرة الأطلسية للمغرب.

ما لن يحدث: أي إشارة إلى استفتاء على الاستقلال. هذا الخيار ليس مطروحاً على طاولة أحد في واشنطن ولا في الأمم المتحدة ولا في العواصم الغربية. من يروّج له اليوم يروّج لأدبيات السبعينيات في عالم 2026.

 

الجزائر وإدارة الصدمة الداخلية

أصعب ما سيواجه النظام العسكري الجزائري ليس الاتفاق في ذاته، بل تسويقه داخلياً. فقد بنى خطابه السياسي لخمسة عقود على أسطورة “القضية العادلة”، وأنفق في سبيلها رأسمالاً رمزياً هائلاً. الانقلاب على هذا الخطاب ليس مجرد تعديل تكتيكي، بل هو اعتراف ضمني بأن كل تلك السنوات كانت استثماراً في الريح.

الحل الجاهز الذي يلوح في الأفق هو توظيف “الضغوط الدولية الساحقة” كمبرر: “أجبرتنا القوى الكبرى”. وهو خطاب يحفظ ماء الوجه لكنه يكشف في الوقت ذاته أن القرار لم يكن يوماً في يد البوليساريو، بل في يد جنرالات الجزائر الذين أوهموا الرأي العام الجزائري والرأي العام العربي بأن ثمة “شعباً” يمارس حق تقرير المصير، في حين كان الأمر في جوهره صراعاً إقليمياً بالوكالة.

ومن المفارقات التاريخية الفاضحة أن الرئيس بومدين نفسه، صاحب العبارة الشهيرة عن “الحجرة في النعل المغربية”، كان قد أعلن في قمة الرباط 1974 أن “المسألة تخص المغرب وموريتانيا”، وعرض خاصةً على الملك الحسن الثاني دعمه في استرداد الصحراء من إسبانيا. ثم سرعان ما تراجع عن موقفه بعد المسيرة الخضراء، حين قرر أن تأطير الملف كـ “قضيةً إنسانية” أجدى في المنافسة الإقليمية من تسميتها امتدادا للتنافس المغربي-الجزائري على النفوذ في غرب أفريقيا.

 

خلاصة حاسمة

ما نشهده اليوم ليس حدثاً مفاجئاً، بل نهاية منطقية لمسار طويل من تراكم الوقائع. الصحراء المغربية باتت قبلة للاستثمار الدولي: المغرب أنجز في الداخلة وحدها بنية تحتية -ميناء ضخم، مطار دولي، محطات طاقة متجددة -تجعل من النزاع القانوني حول وضعها أشبه بالجدال حول ملكية شقة مسكونة ومؤثثة ومدفوعة الفواتير منذ عقود. قرار 2797 ليس تحولاً بل تتويجاً.

والجزائر، حين تجلس في مدريد وواشنطن، لا تفاوض على السيادة المغربية، فتلك مسألة محسومة، إنما تفاوض على شروط خروجها من ورطة صنعتها بنفسها، وعلى ماء الوجه الذي ستُغطي به انسحابها التدريجي من أطول حرب بالوكالة في تاريخ المغرب العربي.

الرابح في هذه المعادلة ليس من يرفع الصوت في البيانات، بل من حسم الوقائع على الأرض. وفي هذا المعيار، انتهى السؤال منذ زمن بعيد.

اقرأ أيضا

بوريطة يستقبل سفراء جدد لتقديم أوراق اعتمادهم بالمملكة

استقبل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، اليوم الخميس بالرباط، سفراء جدد لعدة دول بالرباط.

0214

بين الذاكرة والإبداع.. “كازاميموار” تطلق الدورة السادسة من “ليالي الدار البيضاء”

تستعد جمعية “كازاميموار”، انطلاقا من اليوم الخميس 26 فبراير، لإطلاق الدورة السادسة من تظاهرة “ليالي …

واشنطن وطهران

واشنطن تحشد قواتها وإيران تستعد للرد

تكثف واشنطن حشد قواتها وكأنها مقبلة على حسم إستراتيجي سيغير وجه الشرق الأوسط انطلاقا من المعركة مع إيران، ما يجعل العالم- والشرق الأوسط تحديدا- يعيش حالة من القلق وانعدام اليقين.