تحاول فقرة مفاتيح المدن استحضار زوايا اجتماعية وثقافية واقتصادية مشعة، من تاريخ مدن المملكة الممتد.
وستسلط الحلقة الخامسة من فقرة مفاتيح المدن الضوء رفقة محمد زاوي الباحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، على نموذج اقتصاد مدينة طنجة.
إليكم مقال الباحث محمد زاوي
اقتصاد طنجة: من “التدويل” إلى تكوين رأسمال وطني
تستمد “طنجة الدولية” أصولها من الماضي القديم للمدينة، ذلك الماضي الذي جعلها بحكم موقعها الجغرافي أقرب من أي مدينة أخرى لاستقبال التجار والقوافل والبضائع.. كما أسست “طنجة الدولية” لطنجة الحالية، باعتبارها منطقة صناعية منفتحة على السوق الدولية.. لكل مرحلة تاريخ خاص، نمط خاص من الإنتاج هيأ طنجة لتكون “دولية”، على عهد الإمبراطوريات القديمة (الفينيقيون/ القرطاجيون/ الرومان)، كما على عهد الاستعمار الإمبريالي (تدويل طنجة)، كذا في زمن استقلالها ضمن استقلال شامل للمغرب. في كل مرحلة من هذه المراحل كانت لطنجة خصائص وسمات، إلا أن الجامع بين هذه المراحل كان وبقي هو ما يمكننا تسميته “الانفتاح الاقتصادي على العالم”.
عرفت طنجة اقتصادا حيويا، من زراعة وصناعة وتجارة، منذ عصرها القديم، وخلال عصرها الوسيط أيضا. وقد أهلها موقعها الجغرافي لتشغل موقعا تجاريا مهما في شمال إفريقيا، ما شجع على ازدهار عدد من الصناعات (خاصة صناعة السفن)، كما شجع على رواج المبادلات التجارية ووسائلها (المنتوجات الزراعية والصناعية والعملات النقدية).. ولذلك فليس بغير معنى أن تُعرَف طنجة بسك النقود منذ العصر القديم (الرومان)، وأنْ تستمر هذه الصَّنعة وتتنوع في العصر الوسيط مع الدول الإسلامية المتعاقبة على حكم المغرب (صالح يوسف بن قرية، المسكوكات العربية الإسلامية: مسكوكات الشرق والغرب، الجزء 1، منشورات الحضارة، الطبعة الأولى، 2009).. فوفرة المنتوج الزراعي (الحبوب والثمار) والصناعي (صناعة السفن خاصة)، ودينامية التجارة في الميناء وداخل أسواق المدينة، هو ما ألح بالحاجة لضرب النقود.
(يمكن الرجوع إلى “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” للإدريسي بخصوص وجود صناعة السفن في طنجة، و”المسالك والممالك” لأبي عبيد البكري بخصوص ازدهار الحقول الزراعية في ذات المدينة)
هذه لمحة مختصرة عن الدينامية التي كانت تعرفها مدينة طنجة في العصرين القديم والوسيط، فبديهي إذن أن تحيط بها الأطماع الاستعمارية من كل جانب، وبديهي أن ترى فيها الرأسمالات الاحتكارية موقعا جيو-اقتصاديا استراتيجيا يستهدف التحكم في حركتي التصدير والاستيراد من جهة، كما يجعل من ميناء طنجة بوابة مفتوحة تجاريا على إفريقيا وشرق آسيا.. وبالتالي ففي وقت سيطرت فيه كل دولة استعمارية على مجتمعات بعينها، بما فيها المغرب الذي قسِّمت أرضه على قوتين استعماريتين؛ في هذا الوقت بالذات تم “تدويل” مدينة طنجة، ولم يكن ذلك يعني غير جعلها مجالا لتنافس الرأسمالات الاحتكارية الأوروبية.
كان “تدويل” طنجة (1923) بمثابة غطاء، لتصدير الرأسمال المالي إليها، ولتركيم الرأسمال الأولي فيها لصالح المستثمرين الأجانب. وبطرق شتى كان أبرزها وضع ترسانة قانونية كفيلة، تم تيسير سبل الاستثمار الرأسمالي الأجنبي ونزع الملكيات وتحويلها وتوسيع العمران الحضري وإخضاعه لنموذج من التفاوت (بين شمال المدينة وجنوبها)، الخ. في هذه الفترة، حوالي 30 سنة، ستعرف طنجة تاريخا اقتصاديا جديدا سينعكس على عمرانها ودينامية مينائها والواقع الاجتماعي لساكنتها (نبيل الطويهري، التحولات الحضرية بمنطقة طنجة الدولية: 1923-1956، مجلة التخطيط العمراني والمجالي، ص 73-93).
ورغم هذه الدينامية الاقتصادية التي عرفتها مدينة طنجة في فترة “تدويلها” (1923-1956)، إلا أن هذا “التدويل” أدى إلى تراجع دينامية مينائها، بسبب انصراف إسبانيا إلى التركيز على ميناء سبتة، فيما انصرفت فرنسا إلى التركيز على ميناء الدار البيضاء، بعد حسم قرار “تدويل” مدينة طنجة (محمد عز الدين الرفاص، ميناء طنجة في خضم الصراع الاستعماري: 1850-1950، طنجة في التاريخ المعاصر، جامعة محمد الخامس/ جامعة عبد المالك السعدي، 1991، ص 75-76).. هذا قرار خاص بدولتين استعماريتين، ولم يكن ليوقف العمل الاستثماري الجديد الذي كانت تعرفه مدينة طنجة. خاصة إذا علمنا أن التجهيزات والربط السككي اللذين عرفهما الميناء قبل قرار “التدويل”، قد أهلاه للحفاظ على كثير من أدواره التجارية رغم المنافسة بينه وبين مينائي سبتة والدار البيضاء.
عرف مغرب الاستقلال تركيزا على الخط الساحلي الدار البيضاء القنيطرة، وهو الواقع الذي استمر طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.. ومع دخول الألفية الثالثة، سيشهد ميناء طنجة تحولا نوعيا، فرضه العالم الجديد من جهة (عالم العولمة)، والحركية التجارية المتنامية بمضيق جبل طارق من جهة ثانية، ووجود إرادة استثمارية وتجهيزية استراتيجية من جهة ثالثة.. هذه أبرز العوامل التي نقلت مركز الثقل إلى طنجة عموما، وإلى ميناء طنجة على وجه الخصوص؛ فكان “انطلاق تشغيل المركب المينائي طنجة المتوسط” (2007) بمثابة بداية لهذه الدينامية الجديدة وما تفرع عنها من تطوير للبنيات اللوجستية، ودعم للميناء ببنيات اقتصادية (صناعية وتجارية) تعزز موقعه الجديد (نبيل الطويهري، ميناء طنجة المتوسط، التاريخ الاقتصادي للمغرب، كتاب النهضة، 2025).
هناك قابلية جيو-اقتصادية في ميناء طنجة، هذه القابلية انتقلت من قابلية الزمنين القديم والوسيط إلى الزمن الحديث حيث كثافة المبادلات وسلاسل التوريد والضغوط الربحية للنظام الرأسمالي العالمي.. يدخل ميناء طنجة المتوسط هذا الغمار في إطار شرطين هما: القدرات الاستثمارية للرأسمال الوطني/ المحلي بما يعنيه ذلك من قدر على الاستثمار في أوراش الميناء والأوراش الاقتصادية الداعمة له، و”التقسيم الدولي للعمل” أي حصة هذا الميناء -ومن خلاله الرأسمال المغربي- في الرأسمال العالمي.. هذه هي الآفاق الحديثة لطنجة ومينائها، وهي تسائل مدى قدرة الرأسمال الوطني على مواكبة التنافس الرأسمالي العالمي.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير