تحاول فقرة مفاتيح المدن استحضار زوايا اجتماعية وثقافية واقتصادية مشعة، من تاريخ مدن المملكة الممتد.
وستسلط الحلقة الثانية من فقرة مفاتيح المدن الضوء رفقة محمد زاوي الباحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، على نموذج اقتصاد جامع الفنا في مدينة مراكش.
إليكم مقال الباحث محمد زاوي
جامع الفنا والإشعاع الاقتصادي
عُرف الاقتصاد المرابطي، منذ تأسيس مدينة مراكش، بالتركيز على الفلاحة والتجارة والصناعة التقليدية؛ وقد لعبت ساحة “جامع الفنا” دورا مهما في هذا الإطار، بحكم قربها من أوراش ومحلات الصناعة التقليدية من جهة، وبحكم قربها من المزارع والحقول من جهة اخرى، فكانت بمثابة ملتقى تجاري لعرض السلع وتسويقها، كذلك لعبور السلع شمالا وجنوبا، شرقا وغربا.
وقد بقيت كذلك، بل تعزز دورها الاقتصادي مع الموحدين والمرينيين والسعديين لاعتبارين هما: تطور الإنتاج المحلي المراكشي والمغربي عموما، وتحول مراكش -وبالتالي ساحة جامع الفنا- مع مرور الوقت إلى مركز تبادل وعبور تجاري إقليمي ودولي.
ورغم تأثر مراكش بنقل العاصمة إلى فاس في عهد المرينيين، إلا أنها حافظت على دورها الاقتصادي إلى أن “جاءت الدولة السعدية من بعدهم فنقلوا الكرسي إلى مراكش وبنوا بها قصر البديع المشهور” (أحمد بن خالد الناصري، مختصر الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، منشورات الملتقى، ص 172).. وعندما نتحدث عن الدور الاقتصادي لمراكش، فنحن نتحدث بالتبعية عن تأثير هذا الدور على ساحة جامع الفنا باعتبارها المركز التجاري الأكبر آنذاك في المدينة.. وكلاهما -أي الاقتصاد المراكشي والحركية التجارية بجامع الفنا- بقيا متأثرين بشروط أخرى سياسية واجتماعية، منذ تأسيس مراكش إلى اليوم.
لقد كان لتأسيس الدولة دور مهم في تنظيم التجارة والحرف، وتطوير الزراعة وتنظيم الري، وحماية القوافل وتأمين تبادلاتها.. وكله انعكس إيجابا على الموقع الاقتصادي لمراكش، كما زاد من فعالية ساحة جامع الفنا، وهذا ما يفسر انتقالها مع مرور الزمن من “ساحة” للتبادل والتسويق المحلي، إلى “ساحة” لتوقف كبار التجار ومبادلاتهم.
وبالرجوع إلى فترة التأسيس، وهي فترة حكم يوسف ابن تاشفين إلى غاية حكم ابنه علي، فقد تجلى هذا التأثير السياسي في الاقتصاد بوضوح.. فما كان لمراكش أن تعرف حركيتها التجارية الكبيرة وغير المسبوقة لولا عدة سياسات استقطبت التجار من قبيل: توسيع السوق بتوحيد المغرب والأندلس، وتأمين التجار وتجارتهم، وتشجيع التجارة بين المدن ومع الخارج (خاصة من الأندلس وإفريقيا)، واتخاذ سياسات وتدابير زراعية وصناعية لتوفير السلع، الخ (ابن عذارى المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، الجزء 4، ص 46)
ومما يحتاج قراءة خاصة أيضا، علاقة ساحة جامع الفنا بالحرف التقليدية، تلك العلاقة التي يلاحظها الزائر لأول وهلة.. إنها علاقة أعمق من الظاهر، أعمق مما تبدو عليه؛ عبارة عن نمط إنتاج لم يكتمل، طبقة من الصناع والتجار كان لها أن تتشكل ويكتمل نمط إنتاجها، لولا تدخل الاستعمار على فترتين، منذ العهد السعدي (عبد الصمد بلكبير، في الأدب الشعبي: مهاد نظري تاريخي، اتصالات سبو، الطبعة الأولى، 2010).. وكان لكل ذلك أن يجد في ساحة جامع الفنا سوق تجارة وتبادل وعرض سلع، بل كان من شأنه أن ينفخ فيها من روح العصر الحديث..
لم تتشكل بورجوازية مغربية في قلب المدن العتيقة، فأصاب جامع الفنا ما أصاب الحرف التقليدية.. تدخل الاستعمار فأسس اقتصاده على أنقاض الاقتصاد المحلي، على أنقاض الأنماط الصاعدة.. وعندما تأسست البورجوازية المغربية واستقلت، كان لها ذلك بعيدا عن جامع الفنا، وبعيدا عن المدن العتيقة.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير