الرئيسية / وجهات نظر / هيئة علماء المسلمين وممارسة السياسة
عبد السلام بنعيسى

هيئة علماء المسلمين وممارسة السياسة

فجّر السيد أحمد الريسوني نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين قنبلة مدوية. أصدر فتوى مختلفة تماما عن الفتاوى التي تعود إصدارها، فلقد قال عن الذين يحاربون داعش: إنهم: ((يقاتلون لأجل الإمارات المتحدة، والإمارات تقاتل لأجل الولايات المتحدة، وهذه تقاتل لأجل إسرائيل، وإسرائيل تقاتل لأجل العدوان والشيطان)). لقد وضع بفتواه الكل في سلة واحدة وذهب لينام ويستريح.
لكن لماذا قام السيد الريسوني بالتصويب على الإمارات العربية المتحدة لوحدها، واعتبر أن من يواجه داعش يقاتل من أجلها؟؟ لماذا اختار هذه الدولة بالذات ولم يتذكر أي دولة أخرى غيرها؟؟؟ ما الحكمة والسر وراء ذلك؟؟؟
من المعروف بالنسبة للعام والخاص أن دولة الإمارات العربية المتحدة ليست لديها حدود مشتركة مع سوريا والعراق البلدان اللذان يسيطر على أجزاء منهما تنظيم داعش وحيث تجري مواجهتهما هناك. توجد دول أخرى تفصل الإمارات عن سورية والعراق وهي معرضة لتهديد داعش أكثر. ومع ذلك انتقى السيد الريسوني الإمارت واستهدفها بكلامه دون بقية الدول المحيطة بالعراق وسورية.
ما علاقة تصرف السيد الريسوني هذا بالدين الإسلامي؟؟ الإسلام كدين لا يقبل بكيل الاتهام للناس وإلقاء الكلام فيهم جزافا ومن غير ضوابط، خصوصا عندما يصدر الكلام والاتهام عن رجل له صفة نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
السيد الريسوني في هذه الحالة يتحدث كرجل سياسة، إنه يصفي حساباته الشخصية مع الإمارات العربية المتحدة، فلأنها وضعته وهيئة علماء المسلمين في خانة الإرهاب، فإنه رد عليها وقام بإنزالها بالمظلة ليطلق عليها النار بمفردها.
تصرف الريسوني هذا يبين أنه تصرف لا تربطه أي صلة بالدين الإسلامي. فنحن نواجه هنا سياسيا يدافع عن خيار سياسي لأسباب تتحكم فيها غالبا مصلحته ودوافعه الشخصية كفرد، ومصلحة الجماعة التي ينتمي إليها.
ويضيف السيد الريسوني قائلا: ((إن تغول تنظيم داعش راجع لعوامل متعددة، أكثرها وأهمها مصنَّع وموجَّه)). مشيرا إلى ((أن الأيدي الأميركية والسورية والعراقية والإيرانية ضالعة في ذلك قطعا)). لا نفهم كيف أن نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تمكن من دمج المصلحتين السورية والإيرانية مع نظيرتهما الأميركية في صنع داعش؟؟
فواشنطن تعلن منذ بداية الأزمة السورية أنها تريد إسقاط بشار الأسد وإزاحته عن السلطة لأسباب إستراتيجية معروفة، قال ذلك أوباما وأعاده أكثر من مرة، فلماذا سيتعاون بشار وأوباما وروحاني من أجل خلق داعش؟؟ ما هي القواسم المشتركة بين هذه الدول خصوصا في الأزمة السورية؟؟
يجد الإسلاميون صعوبة كبيرة في الترويج لأطروحة أن داعش صناعة أمريكية وإيرانية لإنقاذ الأسد، وتسويقها بين الناس، ولكن رغم أنهم عجزوا عن خلق تجاوب لدى الرأي العام مع هذه الأطروحة، فإنهم لم ييأسوا، وما زالوا إلى اليوم يرددونها هي ذاتها بلا كلل ولا ملل.
ثم لماذا حصر صنع داعش في سورية وإيران وأميركا؟؟ بعض الدول الخليجية أليست لها يد في بروز هذا التنظيم وغيره من التنظيمات المشابهة له؟ من هي الدولة التي تشكل الحاضنة التي تفقس الإرهابيين وتغذي بهم جميع بؤر التوتر في العالم؟ أليست معروفة من لدن الجميع؟؟ لماذا لا يقترب السيد الريسوني من حياض هذه الدولة ولا يتهمها بصنع داعش كما يفعل مع إيران وسورية؟؟؟
ومن هي الجهات التي تغدق الأموال الطائلة على التنظيمات المتطرفة لإسقاط بشار الأسد وضرب التحالف الاستراتيجي القائم بين سورية وإيران؟ هل هي مخفية ومجهولة إلى الدرجة التي لا يعرفها السيد نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ليشير إليها هي أيضا في سياق حديثه عن صنع داعش وغيرها من المنظمات المتطرفة؟ ألا تكون وراء هذا السكوت دوافع طائفية؟؟ ألا يأمرنا الإسلام بعدم التمييز بين المسلمين والصدح بالحق مهما كان ذلك مكلفا؟؟
الملفت في كلام السيد الريسوني هو قوله: (( إن الدول العربية والأوروبية التي يتوافد منها المقاتلون إلى صفوف التنظيم تتغاضى عن خروجهم وتَنَقُّلِهم وعبورهم.. وهي قادرة تماما على منعهم لو أرادت))، المثير هنا، هو أن صاحب هذا الكلام لم يشر ولو بإشارة عابرة ومن بعيد، إلى تركيا؟ لقد وضعها جانبا ولم يتحدث عنها.
لماذا هذا السكوت غير المفهوم عن الدور التركي في تسعير لهيب التطرف في المنطقة؟ ألا تشكل تركيا المعبر الرئيسي الذي يمر منهم المقاتلون الوافدون إليها من جهات الدنيا الأربع والمتوجهون منها مؤطرين ومؤدلجين ((للجهاد)) في سورية؟؟ ألا تعتبر تركيا هي عمقهم الاستراتيجي في قتالهم مع الجيش العربي السوري بحيث منها يتزودون بالسلاح وبالذخيرة وبالمتفجرات والقنابل التي يدمرون بواسطتها سورية؟؟
لا يحتاج الإنسان إلى معرفة خاصة لإدراك أن السيد الريسوني تحاشى الحديث عن تركيا من منطلق أنها محكومة من طرف الإسلامي رجب أردوغان. وهنا أيضا يتحدث نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين كسياسي وليس كرجل دين. إنه في نفس الخط السياسي لأردوغان، ولذلك لا بأس من التستر عليه، والسكوت عن دوره في صنع داعش والجرائم والمذابح التي تقترفها في سورية والعراق.
لا يجد السيد الريسوني والهيئة التي ينتمي إليها أي حرج في التناقض مع نفسهما، فلقد أيدا بحماس شديد تدخل الناتو في ليبيا لتدميرها وتحويلها إلى دولة فاشلة، كما أن الهيئة إياها ممثلة في قائدها البارز القرضاوي توسلت مرارا وتكرارا الإدارة الأميركية وأوباما شخصيا التدخل في سورية لإسقاط بشار الأسد، حتى إن جاء التدخل مصمما لمصلحة إسرائيل تحديدا، ولكن هاهو السيد الريسوني الآن وهيئته على ما يبدو، يرفضان تدخل أميركا لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة؟ فلماذا هذا التناقض وما معناه؟؟
يوضح هذا التناقض، أن رفض الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين التدخل الأمريكي في المنطقة ليس رفضا يصدر عنه بشكل مبدئي ومطلق من منطلق ديني إيماني خالص. فالتدخل في المنطقة، حتى العسكري والتدميري منه، مقبول ومرحب به بحرارة، إن كان يخدم الاتحاد إياه، كما في ليبيا وسورية، والتدخل مرفوض إن كان يتنافى مع مصلحته.
فنحن إذن مع أعضاء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لسنا أمام رجال دين، يتخذون المواقف، وفقا لما يقتضيه ويحث عليه الدين من مبدئية وقطعية، وإنما أمام أشخاص يمارسون السياسة في اتخاذهم للمواقف، بكل ما تقتضيه ممارسة السياسة من تحايل وتمويه ومراوغة وميكيافلية.

* كاتب من المغرب/”ايلاف”