الرئيسية / وجهات نظر / هل سيخدع إسلاميو ليبيا الغرب مرة أخرى
3368430a87a0f2a0dbb6768f8ea11f9b

هل سيخدع إسلاميو ليبيا الغرب مرة أخرى

عندما بدأ أفول الإمبراطورية السوفياتية قبل ثلاثة عقود، انطلق ما يسمى بالتطرف الإسلامي في التعبير عن نفسه كظاهرة عالمية تجاوزت النطاق الوطني والإقليمي، من خلال التعبئة الدينية التي دعت إلى الجهاد في أفغانستان لمواجهة “معسكر الكفر” الذي تقوده موسكو في مواجهة المسلمين الأفغان، المدعومة من أهل الكتاب المسيحيين ومجمل المنظومة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. مع العلم أن ما يسمى بالعنف والإرهاب الإسلامي العابر للأوطان قد بدأ منذ المواجهة الشرسة بين الإخوان المسلمين في مصر وعبدالناصر في محاولة منهم لإفشال المشروع الغربي الذي ينظرون إليه كمشروع من بقايا عصر الجاهلية.
بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وجد هؤلاء المتطرفون أنفسهم في حالة ضياع كامل لأنهم لا يملكون مشروعا حقيقيا يقود إلى بناء الدولة أو حتى إحداث تنمية اقتصادية، وأن الشعارات التعبوية والعاطفية التي تدفعهم إلى القتل ليست صالحة لأن تقوم بنفس الدور في تطوير المجتمع أو حتى في حكمه، والأكثر من ذلك أن الخطاب الرومانسي الذي دفع بعشرات الآلاف من الشباب العربي المسلم للقتال ضد الروس يتناقض، تماما، مع ما يعيشونه في مجتمعاتهم والمجتمعات الغربية، ومن هنا حدث الانقلاب الخطير الذي تحولت فيه أميركا والغرب إلى عدو أول للإسلاميين المتطرفين، وتحولوا هم أيضا إلى العدو البديل عن الاتحاد السوفياتي.
استمرت حالة العداء هذه حتى تُوّجت بأحداث 11 سبتمبر 2001، وبدأت الحرب الكونية على الإرهاب الإسلامي لأكثر من عقد من الزمن أنهكت فيه الولايات المتحدة والغرب وأضعفوا فيه الإرهابيين بشكل كبير، علما بأن إضعاف الإسلاميين لم يكن سببه الحرب الأميركية الغربية أو حتى العالمية على الإرهاب فقط، ولكن الأنظمة غير الديمقراطية مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر والجزائر وتونس، وربما معظم الدول العربية، كان لها الدور المهم في خلق توازن مع ظاهرة التطرف التي عصفت بالمنطقة.
وهنا ارتكب الغرب خطيئته الكبرى ومارس براغماتية قاتلة وتغلبت عواطفه المعادية لحكام المنطقة لأسباب تاريخية تعود إلى الحرب الباردة أو إلى الصراع العربي الإسرائيلي، وقلب سياسته لمكافحة الإرهاب في اللحظة التي كاد أن ينتصر فيها، وعقد صفقة تاريخية مع الإخوان المسلمين لاستغلال ثورات الربيع العربي، ليحلوا هم محل الأنظمة التي انتهى عمرها الافتراضي، مقابل تعهد الإخوان المسلمين بحث التطرف الإسلامي وإعادة تأهيل كوادره ودمجهم في منظومات الحكم الجديدة.
وبدأ الإخوان المسلمون في ممارسة التقية وإنتاج خطاب جديد موجه للغرب، حتى يقعوا في هذه المصيدة، بدءا من مفهوم تداول السلطة واحترام حقوق الإنسان وغيرها من الشعارات الليبرالية، والأكثر من ذلك أن حركة الإخوان المسلمين العالمية أصبحت تدير وتدار من دول مهمة ذات ثقل شعبي واقتصادي وسياسي وهي مصر وتركيا وقطر والسودان، حيث مثلت مصر القيادة المركزية للإخوان المسلمين ومكتب المرشد العام وشكلت تركيا النافدة الحضارية لهم على أوروبا وأميركا، وتمكنت قطر من توفير الملاذ الآمن والدعم الاقتصادي والعسكري والسياسي، وانتفع الإخوان المسلمون من الثقل البشري والموقع الجغرافي والنخب السودانية في دعم هذا المخطط.
إن ثورات الربيع العربي لم تمكن فقط الإسلاميين من الوصول إلى السلطة، ولكنها دفعت الغرب إلى أن يوفر لهم ملاذات آمنة ومراكز تدريب ودعم بالأسلحة، بالإضافة إلى تمكينهم من السيطرة على ثروات هائلة في ليبيا والعراق وسوريا، وهكذا نما التطرف الإسلامي مرة أخرى في حضن الغرب وبرعايته وبدعم كامل منه.
ومن هنا فإن دعم ثورات الربيع العربي برؤية ضيقة ودون تقييم موضوعي للأطراف المتصارعة أدى إلى إضعاف الإسلام الوسطي وتقوية التيارات المتشددة.
بالعودة إلى المشهد الليبي فإن الذي يحدث في ليبيا اليوم هو الخدعة الثانية للغرب، بعد أن تمكن المتطرفون من أعضاء تنظيم القاعدة والجماعة الليبية المقاتلة وأنصار الشريعة من الانضواء تحت عباءة الإخوان المسلمين عام 2011، وبالتحالف مع بعض العناصر الحاقدة من مدينة مصراتة المنتشرين في بنغازي وسرت وطرابلس، تمكنوا من الضحك على العناصر الليبرالية التي لا تملك دعما شعبيا وليس لها انتماء قبلي، ودفعوا بهم إلى واجهة التمرد حتى ينخدع الغرب والعالم ويصدق أن ما يجري في ليبيا هي حالة رفض شعبي للنظام لمطالبته بالديمقراطية، وأن القوى الليبرالية والإسلام الوسطي في ليبيا يشكل أغلبية من حيث فاعليته السياسية، في حين أن الواقع عكس ذلك تماما، إذ أن العناصر التي خاطبت الغرب هي أضعف من أن تبني دولة، أو حتى أن يكون لها رؤية في بنائها، وكان دورها إقناع الغرب بالتدخل العسكري لإسقاط النظام حتى يتمكن الإسلاميون من السيطرة على السلطة بعد ذلك، وهذا هو ما حدث عام 2011.
إن ما يحدث اليوم (عام 2014) هو تماما إعادة نفس السيناريو بتسميات جديدة حتى ينخدع الغرب والعالم لإطالة عمر الإرهابيين وتمكينهم من إحكام السيطرة على ليبيا وعلى شمال أفريقيا، وإن المعلومات المتسربة من دوائر الإرهابيين في ليبيا تؤكد أنهم يعدّون لبناء الدولة الإسلامية في مصر وشمال أفريقيا بعد جدل طويل استمر أكثر من سنة حول الاسم، لأن قيادة الإخوان المسلمين في السودان كانت تطالب بأن تكون “الدولة الإسلامية لحوض النيل وشمال أفريقيا”.
بدأت عملية الخديعة الثانية في ليبيا بعقد تحالف بين مليشيات مصراتة وكل الإسلاميين في ليبيا من الإخوان المسلمين، وحتى الجماعة الليبية المقاتلة ليتمكن هذا التحالف من توجيه خطاب إسلامي وخطاب اجتماعي في ذات الوقت، ويتحدث باسم الدولة ومؤسساتها بعد سيطرتهم على العاصمة، ورغم أن الصراع يقاد من المتطرفين الإسلاميين بمهنية عالية، فهم الذين خططوا للمواجهة بين الزنتان ومصراتة حتى تضعف المليشيات القبلية والمناطقية، وتقوى شوكة المليشيات الإسلامية بالرغم من خصوصية العلاقة بين مليشيات مصراتة والإسلاميين لأن جل قيادات الإخوان وتنظيم القاعدة وكل قيادات أنصار الشريعة في بنغازي ودرنة وقادة الجماعة الليبية المقاتلة ينتمون اجتماعيا إلى مصراتة أو إلى أقليات موالية لمصراتة.
ولهذا فإن المخطط الإرهابي القادم هو أن يسيطر الإسلاميون على كل منابع النفط تحت مسميات “درع الوسطى”، وقد بدؤوا الآن في السيطرة على نفط وغاز الجنوب بعد أن أحكموا السيطرة على العاصمة، وسيقومون بالتصادم مع قوات حرس المنشآت النفطية للسيطرة على نفط المنطقة الشرقية، كما أنهم يسيطرون الآن على منابع المياه في الكفرة، بالإضافة إلى موانئ درنة وبنغازي ومصراتة والخمس وطرابلس والزاوية وزوارة.
إن مليشيات مصراتة سوف تفتعل خلافا متفقا حوله مع المتطرفين الإسلاميين في ليبيا، خاصة مع المليشيات الإسلامية في طرابلس وسوف يصرح قادة مليشيات مصراتة بأنهم ضد الإرهابيين الإسلاميين ويبدون استعدادهم لمقاتلتهم لبناء دولة مدنية تتداول فيها السلطة، وتحترم فيها حقوق الإنسان، حتى يتمكنوا من مخادعة العالم مثلما خدعوه عام 2011، تم سيعلنون بعد ذلك تأسيسهم للدولة الإسلامية في مصر وشمال أفريقيا (دامش) وينكشف المستور وهو أن كل ما يحدث ما هو إلا خدعة كبرى يديرها الإرهابيون الإسلاميون من خلف الستار ويمارسون نهج التقية لقتل الخصوم.
*كاتب ليبي/ “العرب”