الرئيسية / وجهات نظر / خطاب ملكي ملغم بالتحذيرات
c176fc11f06093a5fa253fadde76f8f9

خطاب ملكي ملغم بالتحذيرات

برغم إطلالاته المباشرة القليلة، والتي تبقى محصورة في خطب الأعياد الوطنية، إلا أنها تميزت بالصراحة والموضوعية في طرح القضايا المختلفة، وقد عرفت لغة ومضامين خطب العاهل المغربي، خصوصا بعد هبوب رياح التغيير الديمقراطي في المغربي، اتجاها مختلفا ومغايرا بحيث أصبحت تلامس الواقع المغربي وتضع اليد على معاناة شعبه. وبعد طرحه، في خطاب سابق، لمشاكل منظومة التعليم في المملكة، وقضية الصحراء المغرببة، والاختلالات المختلفة التي تشهدها العاصمة الاقتصادية للمغرب، جاء الدور في الذكرى الخامسة عشر لجلوس جلالته على العرش ليتساءل بصوت عال عن محصلة فترة حكمه والتي أراد من خلال الجواب عنها أن تكون مناسبة او “وقفة تأمل وتساؤل مع الذات، بكل صراحة وصدق وموضوعية، حول ما طبع مسيرتنا من إيجابيات وسلبيات”.
ولا أحد ينكر أن خلال هذه الـ 15 سنة شهد المغرب تطورا ملحوظا سواء على مستوى بناه التحتية أو على مستوى نموه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، بالأضافة إلى ما عرفته المملكة من تحولات ديموقراطية وسياسية وارتقاء بمنظومة الحقوق والحريات، وصفتها تقارير دولية بأنها رائدة في المنطقة. كما كانت للعاهل المغربي حلولا استباقية لمختلف التحديات التي واجهت المملكة والمنطقة ككل، وكان أخرها دستور 2011، والذي يعتبر من أحدث الدساتير في العالم، لكن كل هذا لا يعني أن الأوضاع في المغرب مريحة، بل هناك قلائق وهناك خلل لا يزال مستمرا على مستوى السياسات العمومية، الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية، وهشاشة المؤسسات المختلفة، بالأضافة إلى الفساد المستشري في كل المجالات، ليكون المغرب بذلك قد تجاوز فعليا عهد الاستبداد، ولكنه لا يزال على بعد خطوات من مواكبة تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
وإذا كانت هذه هي المرة الأولى التي يعترف فيها حاكم عربي بأن حكمه ممكن أن يعرف سلبيات كما يعرف ايجاببات، فلقد امتلك ملك المغرب شجاعة وجرأة القول بأنه “إذا كان الإنسان يعتقد أنه دائما على صواب، أو أنه لا يخطئ، فإن هذا الطريق سيؤدي به إلى الانزلاق، والسقوط في الغرور”، ليكون خطابه جلسة مصارحة ينزل فيها ملك من على صهوة عرشه، ليلتحق بصفوف الشعب ويشاركهم نفس التساؤلات ونفس الهموم. ولعل الأستفهام الأبرز الذي أثاره محمد السادس في خطابه والذي يشكل أيضا عبئا خاصا على كاهل كل المغاربة هو التساؤل: أين هي ثروة المغرب؟ ومن يستفيد منها تحديدا؟ وهل التقدم الذي شهدته المملكة قد انعكس على مستوى عيش المغاربة؟ ولماذا كل هذه الفوراق الحادة بين طبقات الشعب المغربي، والتي قسمتهم بين طبقة فائقة الغنى (حد البذخ)، وطبقة شديدة الفقر (حد البؤس)، حيث عبر عن ذلك بالقول: “إنني أفكر بصوت مسموع معكم، حول الأسباب العميقة التي تجعل قطاعات واسعة من الشعب، في المدن والبوادي، لا تصل إليها ثمار الأوراش المفتوحة والمخططات التنموية والمشاريع الكبرى”، ليضع بذلك اليد على الجرح ويعي لحقيقة مرة وهي أن ثروة المغرب لا  توزع على كل المغاربة، إنما تذهب إلى فئات قليلة معينة ومحدودة.. بينما تتصارع أغلبية فئات الشعب على رغيف الخبز المر.
والاقتصاد المغربي قد عانى، حسب رأي المختصين، ولا يزال يعاني جراء الاختلالات التي صاحبته منذ فجر الاستقلال، لاسيما سيطرة الرأسمال الأجنبي على الفروع الأساسية من الاقتصاد، وبروز البرجوازية الإقطاعية في المجال الزراعي، والتنازلات الكبرى لصالح الرأسمال الاجنبي مع بداية سنة 1960 إلى اليوم، بالأضافة إلى ما عرفته هذه السنوات الأخيرة من تراجع النمو وعدم قدرة القطاعين العام والخاص على إحداث مناصب شغل كافية، ثم العجز المتفاقم في الميزانية وارتفاع الدين الجاري للخزينة، وارتفاع العجز في ميزان الأداءات مما يحتم على المغرب الاستمرار في الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وما يشكله ذلك من عبء أكبر على المواطن المغربي الذي لا يزال يعاني في المقابل من مشاكل التشغيل وارتفاع نسب الفقر والبطالة والارتفاع المهول للضرائب مما ينعكس سلبا على وضعه المعيشي، ويؤكد على أن الوضع الاقتصادي بالمغرب لا يزال يعاني من غياب أفق واضح لحل معضلاته البنيوية، مما يؤثر أيضا على تفاقم الوضع الاجتماعي الهش، الذي يتغدى من أزمات النظم الاقتصادية، ويجعل الفوارق كبيرة بين طبقات أو طبقتي المجتمع إن صح التعبير.
واذا كان العاهل المغربي قد وضع من خلال خطابه الأخير، وكما ذكرت سابقا، اليد على الجرح واوضح بما لا يدعو مجالا للشك بأن المؤسسة الملكية هي غير منفصلة عن معاناة الشعب واحلامه وطموحاته، وهي التي نزلت سابقا عند رغبة المغاربة واقرت دستورا جديدا واجرت انتخابات تشريعية سابقة لاوانها افرز من خلالها الصندوق ارادة الشعب، وبأنها غير منزهة عن الخطأ وانها تحتمل كما باقي المؤسسات النقد، فأنها اليوم تعترف ضمنيا بوجود اختلالات، لا تكفي فقط مجرد الاشارة إليها، وإنما يجب على الجميع، تحت القيادة الرشيدة لملك البلاد، تحديد ومحاسبة مرتكبيها والانخراط في تصحيحها ومعالجتها لبناء مغرب متين وقوي بطاقاته الاقتصادية والبشرية.
والمغرب الذي شهد منذ فجر الاستقلال تعددية حزبية، عكس باقي الانظمة العربية التي اعتمدت نظام الحزب الواحد، تساهم فيه الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية في تنظيم وتأطير المواطنين وتمثيلهم؛ والذي اتت انتخاباته الاخيرة بحزب من صفوف المعارضة ليترأس الحكومة استجابة ووقوفا عند رغبة الناخبين الذين عقدوا الامال على النخبة الحاكمة بأن تحقق لهم النماء والتشغيل والتوزيع العادل للثروات، لم يجن بعد كل ثمار اصلاحاته السياسية، كما هو الحال بالنسبة لمنظوماته الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية المعتمدة، بل فشلت النخب السياسية والمؤسسات الاقتصادية في تحقيق امال المواطنين وتحقيق احلامهم في العدالة الاجتماعية، مما يجعل من خطاب الملك محفزا للجهات والمؤسسات المسؤولة لتفعيل حقوق المواطنين وتقريب الفجوات الطبقية بين المغاربة، وعلى هذه المؤسسات أن تعمل على التصدى للفساد والمفسدين ليكون المغرب وخيراته لكل المغاربة.
اما الحكومة في شخص رئيسها الحالي السيد عبد الاله بنكيران الذي كان ضمن شعار حملته الانتخابية “محاربة الفساد” ثم تقاعس وأعلن شعارا مناقضا مضمونه “عفى الله عما سلف”، أو تصريحه الأغرب بخصوص “محاربة الأشباح”، حيث لا يوجد داخل اللغة السياسة وفي حساب الأمم أشباح بل يوجد قانون وعدل ومحاسبة وشفافية، فعليه ان يتخذ من خطاب جلالته اشارة لمراجعة مواقفه والعودة الى اصل شعار حزبه، والذي زاد التراجع عنه من اتساع الفجوة بين طبقات المجتمع وزادت معها نسب استيائهم وغضبهم، مع الارتفاع الملحوظ لمستويات الفقر وما يسببه من ارتفاع نسب الجريمة والتطرف مع غياب العدالة الاجتماعية التي زادت المواطن الفقير فقرا وزادت الغني ثراء.
ولعل خطاب الملك هو ايضا رسالة تحذيرية للحكومة والمؤسسات المعنية بأن تعمل على تصحيح واقع اغلب المناطق المغربية التي تعرف هشاشة بنيوية وعزلة خدماتية وغياب كافة معالم الحضارة وتسهر على التوزيع العادل للثروة مما يمكن من تحسين ظروف عيش كافة المغاربة.
وفي الاخير، وبعد الخطاب الملكي، فإن امال الشعب المغربي قد استيقضت مرة اخرى واتمنى ان تجد لها هذه المرة طريقا للتحقيق والتنزيل على ارض الواقع بإرادة واشراف ومتابعة ملك البلاد وانخراط كل القوى في عملية المواجهة والتقويم واعادة البناء.
“رأي اليوم”