الرئيسية / وجهات نظر / عن التجربة السياسية المغربية
f98bc8146faf2cc2b5e9f4b3df223e2c

عن التجربة السياسية المغربية

يحتفل المغرب بالذكرى الخامسة عشرة لجلوس العاهل المغربي محمد السادس على العرش العلوي، وهي الذكرى السنوية الأهم في لائحة الأعياد الوطنية المغربية وتحمل في طياتها العديد من الدلالات والمعاني… فالمغرب هو الدولة المغاربية الوحيدة التي قطعت خطوات واسعة في مجال الانفتاح السياسي وتثبيت الأمن المجتمعي وتقوية المؤسسات التي غالباً ما تعرف قيمتها الحقيقية في فترة الأزمات حين تمر بها بعض الدول (كبلجيكا التي عاشت لمدة 541 يوماً في سنتي 2010 و2011 من دون حكومة بسبب الأزمة الخانقة التي دارت بين قوميتي «الوالون» و«الفلامان». ولكن مع ذلك لم تنهر الدولة البلجيكية ولم تتفتت بفضل قوة مؤسساتها).
وقد استطاعت المؤسسة الملكية في ظرف خمس عشرة سنة السير بعيداً بالإرث السياسي المتميز في تاريخ المغرب المعاصر وتطويره والتأقلم مع المستجدات الداخلية والإقليمية والتوافر على الحس الاستباقي في تسيير الشأن العام:
– وكما كتبنا مراراً في هذه الصحيفة الغراء، فالمغرب هو الدولة المغاربية الوحيدة التي منعت منذ الاستقلال نظام الحزب الواحد، كما أن ملك البلاد امتنع عن الانتماء إلى أي حزب سياسي لأن ذلك كان سيخالف محددات الشرعية القائمة في هذا البلد والمبنية على رباط تاريخي بين العاهل والشعب يعبر عنه في احتفال البيعة الذي تقيمه الأمة/ الجماعة بكل مكوناتها إضافة إلى سلالته الشريفة؛ وهذان العاملان يعطيان لملك المغرب شرعية تاريخانية ومؤسساتية دينية تنزهه عن الصراعات والتحزبات التي يمكن أن تعرفها الأمة/ الجماعة؛ ومثل هذه الشرعية كانت غائبة في تونس والجزائر عند الاستقلال، فاستندت شرعية النظام إلى الحزب الحاكم (تونس) أو إلى الجيش (الجزائر).
صحيح أن التعدد السياسي منذ استقلال المغرب كان تحت المراقبة، ولكن محددات السياسة في البلاد سمحت للمعارضة بالعمل والجرأة السياسية، حيث توالت المطالب بالإصلاحات الدستورية والسياسية عبر مذكرات رفعت إلى الملك في سنوات 1991 و1992 و1996 صاحبتها تعديلات دستورية لسنوات 1992 و1996 بمعنى أن المغرب استطاع أن يصل إلى المعادلة الإيجابية النصر الجزئي للمعارضة (لأن مطالبها لم تلبَّ بأكملها) والخسارة النسبية للملكية (لأنها تنازلت عن بعض من اختصاصاتها وإحداث مؤسسات دستورية جديدة وغير ذلك). ونجحت هذه المعادلة أيضاً لأن المعارضة فهمت أصول اللعبة التي لا تقتضي تغيير النظام ولكن العمل داخل المجال السياسي، وأن المعارضة السياسية يجب أن تكون بين الأحزاب داخل مجال عمومي جديد. وهذا الجو خلق قاعدة الضمانات المتبادلة التي جعلت كل طرف يتنازل عن مطالبه الأولية دون التشبث بالمطالب السياسية أو المحددات المؤسساتية الأولية. وهذا ما سمح في الأول بوصول المعارضة التاريخية إلى الوزارة الأولى سنة 1998 في شخص الاشتراكي عبدالرحمن اليوسفي، فكانت بداية تجسيد لبِنات الميثاق التعاقدي في المغرب… ويفهم من هذا الكلام أن عملية الإصلاح متجذرة في البلاد.
– ومع الأحداث التي عرفتها العديد من دول المنطقة، كانت الأرضية السياسية والمؤسساتية جاهزة للانتقال بالتجربة الدستورية المغربية إلى ما أسمّيه بدستورانية الجيل الرابع، أدخل المغرب إلى مدرسة الدول الديمقراطية المعروفة بـ«الانتقال الميثاقي» وهنا يتجلى الحس الاستباقي للمؤسسة الملكية في دولة الأحزاب، وهو أن التجاوب كان انطلاقاً من انتظارات الشباب وليس انطلاقاً من مآخذ الأحزاب المحدودة ومطالبها… فوجدت الأحزاب السياسية نفسها تدخل في عملية فريدة لم تكن فاعلاً رئيسياً فيها… ومع ذلك، فإن التوقيع على أي ميثاق أو أية عملية سياسية مهما كان نوعها لا يمكن إلا أن يكون في إطار توافق الأحزاب… وقد يخطئ المبتدئ في المجال السياسي العام في دول كليبيا والعراق عندما يظن أن تجذير الأمن المجتمعي والسلم العام يمكن أن يتحقق من دون توافق ومن دون إرضاء عام ومن دون شروط من الذكاء والدهاء تشمل كل الأطياف المجتمعية والمتمحورة في إطار الأحزاب والقوى السياسية… فهذه الأخيرة هي المخلوقات السياسية التي يمكنها أن تجسد مطالب المجتمع المتنوعة في مطالب سياسية وتجد لها حلولاً في تسيير الشأن العام، وهي الوحيدة التي يمكن أن يكون عليها إجماع انتخابي. وهذا يتطلب تنازلات دائمة خاصة من الفاعلين الجدد (وهو ما لم يفهمه «الإخوان» في عهد مرسي) لإحداث انتقال ديمقراطي ناعم ومرن ومن دون تثوير أو تهييج… كما أن هذا يتطلب دهاء سياسياً من النظام وأتباعه من النخبة السياسية في الحكم ومن المجتمع المدني والسياسي في المعارضة.
– كما أن العاهل المغربي كأمير للمؤمنين نجح في تدبير الشأن الديني في المغرب في عالم معولم تنتشر فيه الكلمة والصورة بسرعة البرق وبشكل يعظم معه حجم التأثر والتأثير، وقد يؤول أحياناً إلى التسبب في زوال مجتمعات وهلاك أمم من حيث لا يتفطن ذوو النيات الحسنة لهذا الشأن بغير شرطه، وسواء كان الادعاء انتحالاً مبطلاً أو تحريفاً غالياً أو تأويلاً جاهلاً أو غلواً وزيغاً مارقاً، ولنا في «داعش» أسوأ مثال نستحي من ذكره في مثل هذا اليوم… فنشأته وتطوره اليوم في العراق والشام وصمة عار على جبين المسلمين.
وآخر الكلام: إن دواعي تنظيم الشأن الديني قائمة اليوم بأكثر مما كانت قائمة في الأزمنة السالفة، وتنظيمه من طرف الدولة لا من طرف الأحزاب السياسية يفرضه امتلاكها لما من أجله خوطبت بتحمل مسؤوليتها في حفظ الدين وصيانته وما يجب أن تملكه من إمكانات هائلة وغيرة على الأمن الروحي للمواطنين وعدالة تبلغ الاشتمال على الوسطية المؤهلة لمنزلة الشهود المتضمن للشهادة على العصر (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) وعيدكم مبارك سعيد.
“الاتحاد” الإماراتية