الرئيسية / وجهات نظر / أزمة ليبيا من منظار مغاربي
830b705db41f0fecd15fed13ff8f0b44

أزمة ليبيا من منظار مغاربي

ذهبت العواصم المغاربية إلى لشبونة تبحث في آليات استتباب الأمن والاستقرار في منطقة الشمال الإفريقي، ضمن حوار منظومة 5+5 التي تجمع البلدان الشمالية والجنوبية المطلة على البحر المتوسط، ولم تستطع فعل شيء من أجل تهدئة الأوضاع المتدهورة في ليبيا، كونها شريكاً في الاتحاد المغاربي في السلم والأزمات.
جاب مسؤولون ليبيون عواصم الجوار المغاربي بحثاً عن دعم التجربة الانتقالية. وحين كانوا يعودون إلى طرابلس يجدون الإقالة أو التهديد في انتظارهم، في غياب سلطة الدولة التي يمكن أن ترعى خطوات المصالحة أو تنزع السلاح من التنظيمات المتناحرة أو تحمي ثرواتها من نهب المغامرين خارج القانون. في سابقة أن الجزائر، على رغم صعوبة أوضاعها، دخلت على خط الأزمة التونسية قبل رحيل حكومة الترويكا. وجرب المغاربة حيازة دعم أكبر من دول الساحل والصحراء لحماية الحدود الليبية ومساعدة السلطة الناشئة على عبور الفترة الانتقالية. لكن الأزمة كانت أكبر من قدرات البلدين. وما لا يستطيعه الليبيون في حال نبذ الأنانية والاجتماع إلى طاولة الحوار لاستكشاف نقطة الضوء في نهاية النفق، من المستبعد أن تحققه المساعي القادمة من خارج فضاء التناحرات الأهلية.
الشركاء الأوروبيون أنفسهم، بخاصة فرنسا ذات الخلفية التاريخية في مراكز النفوذ في مستعمراتها السابقة، تميل إلى ترجيح التعاطي وأزمة مالي التي عاودت إلى الاشتعال أكثر من خوضها في المستنقع الليبي، بينما ترقب إيطاليا كما مالطا النزوح الجماعي للمهاجرين غير الشرعيين الذين يتدفقون من السواحل الليبية. فالهاجس الأمني الذي يؤرق باسم الهجرة أكثر نفوذاً من مخاطر تهريب السلاح. وبالقدر الذي فرضت الأزمة الليبية المتنامية وجودها على اجتماع دول غرب الحوض المتوسطي في لشبونة، بالقدر الذي تبدو منظومة 5+5 أقرب إلى اعتلاء مقاعد المتفرجين.
من فرط أزمات بلدان الاتحاد الأوروبي التي هيمن عليها المستقبل الغامض الذي يلف أوكرانيا، وهي لم تلتقط أنفاسها بعد حيال تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية يصعب توقع الشيء الكثير من الشركاء الأوروبيين، أقله أن الفرنسيين مهتمون بإنقاذ ماء الوجه في مالي، ويرقبون رد الفعل الأميركي إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وإن كانت واشنطن اختارت مبدئياً سياسة النأي بنفسها بعيداً لأنها لا ترغب في تكرار تجارب سابقة، وأفضل في أقرب تقدير أن يكون ضحايا الفوضى غير الخلاقة ليبيين من أن تسقط أرواح أميركيين، فحالة السفير الأميركي في بنغازي لا تفارق الذاكرة.
المغاربيون بفرضية القرب أكثر إلماما بالأزمة الليبية. تعايشوا مع نظام العقيد القذافي، على رغم أنه لم تسلم أي دولة من مشاكساته على الحدود أو في الداخل، وهم أكثر ارتياحا لرحيل نظامه، لولا أن غيابه لم يجلب لليبيين ما كانوا يحلمون به. فقد تحولت ميليشيات «اللجان الثورية» إلى حملة سلاح برداء حماية الثورة. لكن لا أحد يعرف ممن تتعين حمايتها إن لم يكن من غياب الاستقرار أو إشاعة الفوضى وغلبة منطق الغابة، لأن الحديد لا يفله إلا الحديد، فالبلاد في حاجة إلى عقل يضبط النفس ويخلق أجواء مشجعة على طريق المصالحة، فالسلاح مهما كانت فرقعاته مخيفة ومهولة، تكمن قوته في من يضغط على الزناد.
لكن الوفاق يظل أقرب إلى احتواء الأزمات، مهما كانت حدته. وثمة عقل مغاربي في إمكانه المساعدة في عبور النفق المظلم، فالثورة الجزائرية طردت الاستعمار الفرنسي وتبقى لديها رصيد من الأسلحة استوعبته بأقل قدر ممكن من التطاحن، عبر دمج قدماء المحاربين في الجيش النظامي، والمغرب بدوره واجه المعضلة ذاتها، إذ أصبح لأعضاء جيش التحرير نفوذ كبير. كانت التجربة مريرة. لكنها عززت من قدرات القوات النظامية في نهاية المطاف إذ انفتحت على مختلف الفصائل التي كانت تحمل السلاح.
لن يضير أي عاصمة مغاربية أن تبادر إلى استضافة حوار مصالحة ليبية، لكن المشكل يكمن في غياب وفاقي مغربي يكفل تعزيز حظوظ هكذا مبادرة، فالمغاربيون لا يجتمعون، كما في حوار 5+5 إلا بضغط من نظرائهم الأوروبيين. ولم يبق من آليات وهياكل الاتحاد المغاربي العالقة إلا رمق الحوار مع الشركاء الأوروبيين.
لكن الأزمة الليبية المرشحة إلى مزيد من التفاعل لن تنفجر عبر الهجرة غير الشرعية التي يخشاها الأوروبيون أكثر، وإنما عبر نزوح واضطرابات لن تكون المنطقة المغاربية بعيداً عن الاكتواء بنارها المشتعلة. إن لم يكن من مدعاة لمعاودة تجريب الوصفة المغاربية إلا صون ما تبقى من فرص الأمن والاستقرار، فلا أقل من مبادرة مغاربية تُشعر الليبيين بأنهم ليسوا وحدهم في معركة تثبيت الاستقرار الذي تحفّه المخاطر من كل جانب.
“الحياة” اللندنية