الرئيسية / وجهات نظر / السيسي وحفتر
4e83b89d09e18f4829969b0361829e12

السيسي وحفتر

في ليبيا ما بعد الثورة، لن يسيء أحد الاختيار في حال كان عمله يروم استعادة الأمن والاستقرار، ولا توجد أي قضية تستقطب الاهتمام والدعم أكثر من تثبيت أركان السلم. إنها تفوق أي برنامج مرحلي في تجاوز مظاهر الانفلات وبناء الدولة ومعاودة الاطمئنان على الأرواح والممتلكات.
لا ديموقراطية مع غياب الاستقرار، ولا استقرار في غياب الدولة، ولا دولة خارج سلطة القانون الذي ينظم العلاقات والالتزامات والمسؤوليات. ولا قانون أيضا خارج العدل. لذلك تبدو البلاد في حاجة إلى ثورة ثانية على النفوس والنزعات والميول المتطرفة التي أفرغت رهان الثورة من مضمونه المرتبط بمناهضة الاستبداد. والأخطر أن ممارسة كهذه تتم بسلاح القانون.
ليس اللواء المتقاعد خليفة حفتر، هو المشير عبد الفتاح السيسي، فثمة فوارق في الخلفية والتجربة والمعطيات. غير أن ما أقدم عليه السيسي في مواجهة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، يوم استعان بالحشود المؤيدة التي خرجت إلى الشارع لتفرض أمراً واقعاً جديداً، لم يكن ليمر من دون تأثير في مصر وجوارها، بخاصة حين تكون الوطأة شديدة والآفاق منغلقة. وإن لم يكن من شيء تحقق عبر التجربة المصرية التي تنحو في اتجاه البحث عن شرعية ديموقراطية، فهو الإيحاء بأن المجتمع لا يمكن أن يقف إلى الأبد مكتوف الأيادي إزاء ما يعتبره اختلالاً في التدبير السياسي. ولا خلاف داخل ليبيا على أن الوضع الأمني المقلق لم يعد محتملاً. كونه يعطل مسار الثورة ويرهن إرادة التغيير لأهواء حملة السلاح لا حملة الفكر والمبادرات الخلاقة. بصيغة أخرى فإن الإقدام على أي تصرف يروم معاودة هيبة الدولة، وإن كان من قبيل إطفاء النار بالنار، لن يقابل بغير التفهم.
كما خفت الانتقادات التي وجهت لمناهضي سيطرة حكم المرشد في مصر، والتي وصفت جرأة المشير عبد الفتاح السيسي بالانقلاب على الشرعية، فإن مآل مثيلاتها في ليبيا التي حذرت من احتمال وقوع انقلاب، لن يزيد عن تصريف أفعال التبرير عبر كل الضمائر، في غياب رسوخ القناعة بأن ما أقدم عليه اللواء خليفة حفتر يمكن أن يؤدي إلى الإجهاز على مظاهر الانفلات الأمني. لكنه من قبيل البدايات التي تعكس نفاذ الصبر. ولا فرق جوهريا بين أن يأتي بعض التدخل من جهات أجنبية أو من داخل المكونات الليبية، طالما أن الغاية تبرر الوسيلة.
كان طبيعياً أن يقابل موقف الجيش الليبي بقيادة اللواء حفتر بردود فعل غاضبة ومتحفظة. فما من سلطة في ليبيا اليوم تستطيع أن تجاهر برأيها خشية التعرض إلى الأذى. وفي بلد لا يقدر فيه رئيس الحكومة على بسط نفوذه على الإدارة ولا يتمكن البرلمان من أن يسمع صوته من دون ارتعاش. يمكن توقع أي موقف مهادن، إزاء الحركات المسلحة المتوالدة عن ثورة 17 فبراير. عدا أن هناك مخاوف من استبدال سيطرة المليشيات بقوى أخرى ذات توجهات قبلية. غير أن بنغازي التي كانت مهد انطلاق الثورة ضد نظام معمر القذافي في إمكانها أن تصبح مركز انطلاق حركة تصحيحية لمسار الثورة. وما لا يمكن إنجازه عبر الوفاق قد يجد طريقه عبر لغة السلاح.
سلاح حفتر غير قانوني. لكن سلاح التنظيمات المسلحة يخضع للتوصيف ذاته، والشعارات ثورية أو محافظة لا يمكنها أن تضفي الشرعية على غير قوات الجيش والأمن النظامية. المفارقة أن من يحظر على الطائرات التحليق في أجواء بنغازي لا يقدر على حظر سيطرة الحركات المسلحة على آبار النفط، وكرس تدخل القوات الأميركية في وقت سابق لاستعادة شحنات نفط على متن باخرة تهريب في عرض سواحل البحر نموذجاً صارخاً لعجز السلطات الليبية عن حماية الموارد والممتلكات. ومن المستبعد أن تفلح صناديق الاقتراع في تمكين الناخبين الليبيين من التعبير عن إرادتهم بحرية، في ظل استمرار هيمنة وضغوط السلاح.
من أين تكون البداية إن لم تنطلق من نزع السلاح وسحبه من الأيادي غير النظامية. والأكيد أن وصف حركة الجيش الليبي الذي انتفض من خارج دائرة الأركان العامة بأنها ذات خلفية انقلابية لا يختزل كل المشهد، والذين حملوا السلاح دفاعاً عن بنغازي نأوا بأنفسهم بعيداً من أن يكون لهم هدف انقلابي.
بكل الاستقراءات تحضر تجربة السيسي، والفارق أنه استند إلى تحريك الشارع قبل الإجهاز على الخصوم المحتملين، فيما الشارع الليبي لا يقوى على الجهر بتطلعاته الحقيقية، خشية أن تطاوله موجة القنص واستباحة هدر الأرواح. في تجربة الثورة كان اللجوء إلى استخدام السلاح بقرار إرادي عززته تحالفات دولية، فيما الليبيون يرغبون في بناء تحالفات دولية تخلصهم من فوضى السلاح، من دون أن يخوضوا المعارك التي تفرض نفسها. وطالما أن آبار النفط تستقطب الاهتمام، فإن كل المعارك القادمة، أكانت بسلاح ليبي أم بتحالف خارجي ستدور حول هذه المنشآت.
“الحياة” اللندنية