الرئيسية / وجهات نظر / الملف السلفي وأسئلة الإدماج
89e2ee822428be654f508c6f5d49da1c

الملف السلفي وأسئلة الإدماج

يعترض تدبير الملف السلفي في المغرب ثلاث إشكالات أساسية، تجعل أي عملية للمسارعة بطيه محفوفة بتردد كبير، كما تجعل القرار السياسي يتأرجح بين البحث عن مخارج وقنوات لتسوية هذا الملف، وبين إبقاء الوضع على ما هو عليه، وأحيانا افتعال شروط بقائه خوفا من عدم القدرة على مواجهة تبعاته وتداعياته.
الإشكال الأول، أمني مرتبط بسؤال العود، لاسيما وأن هناك مؤشرات غير قليلة على إقبال بعض الشباب ذي الخلفية السلفية على بعض البؤر “الجهادية” مثل سوريا، وهو الأمر الذي يمثل تحديا أمنيا لا يمكن الاستهانة به، ولا التقليل من مخاطره.
الإشكال الثاني، مرتبط بسؤال الإدماج، في صيغته الدينية والسياسية، وما الاختيارات التي سيلجأ إليها الجسم السلفي بمختلف تكويناته وأطيافه، وما حدود القدرة التي يمتلكها الشيوخ على التأطير والاستيعاب الدعوي لهذه الفئة العريضة، وما الإطارات الجمعوية والسياسية التي يمكن أن تتم فيها عملية الإدماج المدني والسياسي؟
أما الإشكال الثالث، فهو فكري، مرتبط بدرجة المصداقية في التحولات والمراجعات التي حصلت داخل الجسم السلفي، وهل هذه المراجعات تعبر عن تحولات حقيقية في النسق الفكري والسياسي للعقل السلفي في المغرب ستستمر في الكيف والمدى والزمن، أم أنها مجرد تكتيكات ظرفية للخروج من المأزق؟
والواقع، أن هذه الإشكالات المشروعة رغم أن بعضا منها يستمد شرعيته من وقائع ومؤشرات ملموسة، إلا أن التعاطي معها لا يبرر بحال وضعية التردد في معالجة هذا الملف وطيه، لأن المشكلة تكمن في الخيارات المتبقية بعد استبعاد المقاربة التصالحية.
لحد الآن، هناك مقاربتان مطروحتان للنقاش والتداول: مقاربة إبقاء الوضع على ما هو عليه، مع ما يعنيه من مخاطر ترتبط بتنامي التطرف وعدم القدرة على مواجهة متجهاته المختلفة وأثر ذلك على صورة المغرب الحقوقية، ومقاربة المصالحة وطي صفحة الماضي مع ما تعنيه أيضا من ضرورة الجواب عن الإشكالات الثلاثة السابقة، ومن تكريس التوجه الديمقراطي والحقوقي للمغرب، ونزع أهم أوراق الضغط التي تمارس ضد المصالح الحيوية للمغرب.
النظر المتأني في الملف، يشير إلى أن المشكلة الأمنية ستبقى مطروحة سواء في الخيار الأول أو الثاني، وربما سيكون الوضع أعقد في خيار إبقاء الوضع على ما هو عليه، لأنه لا أحد يمكن أن يتصور أثر المدى الزمني في فكر المعتقلين وأسرهم وأبنائهم لاسيما منهم المظلومين الذين لم يرتكبوا أي شيء يوجب سجنهم، مما يعني أن التحجج بقضية العود لتبرير حالة التردد في تسوية الملف تبقى غير ذات أساس، ما دام أن هذا الخيار يحل المشكلة بشكل ظرفي ويرتبط فقط بالمعتقل، بحيث لا يقدم أي جواب عن أسرة هذا المعتقل ودرجة التوتر والاحتقان التي توجد بين أفرادها وأثر ذلك في تنامي التطرف.
بمعنى، أن القضية اليوم، مرتبطة بالإدماج المدني والسياسي، كما هي مرتبطة بالاستراتيجية المحكمة لجعل المقاربة التصالحية أداة لمحاربة التطرف، وجعل المعتقلين السلفيين بعد الإفراج عنهم رأس الحربة في هذه المقاربة.
نعم، لقد تحركت مبادرات كثيرة، وجرت مياه مختلفة تحت جسر هذا الملف، بعضها مسيس محكوم بمنطق التوظيف والتحكم، وبعضها الآخر مهجوس بالاعتبار الانتخابي و المخاطر التي يتوهم أن تنجم عن توسع قاعدة الفاعل السياسي الإسلامي، فيما البعض الآخر مؤطر بخلفية حقوقية تريد أن يحقق المغرب مصالحته الثانية بعد أن نجح في شق طريقه في العدالة الانتقالية من خلال تجربة الإنصاف والمصالحة.
والحقيقة، أن المهم ليس هو شكل الإدماج وصيغه، ولا من يقود المبادرة ومن يتحكم في خيوطها. المهم اليوم، أن يصفى هذا الملف، وأن تبدأ تجربة الاندماج كيفما كان شكلها، مدنيا أو سياسيا، مع هذا الحزب أو مع ذاك، لأن إدماج هذا الطيف الفكري السياسي سيخرجه من دائرة المحظور، ويجعله يستأنس بقواعد البيئة الفكرية و السياسية، ويتعايش مع بقية المكونات الموجودة في الواقع السياسي، ويتأهل تدريجيا لقبول الاختلاف وتبني قواعد تدبيره، ويأخذ المدى الزمني الكافي لترتيب خياراته الفكرية والسياسية والتنظيمية الجديدة.
ثم المهم أيضا، أن تتوسع قاعدة محاربة التطرف، من داخل المكون الديني، لأن الدمقرطة وترقية وضع حقوق الإنسان لا يغني في محاربة التطرف عن هزمه في قواعده ونقض شرعيته “الدينية”، وهو الأمر الذي لا يتحصل على الوجه الأكمل إلا بمساهمة الطيف الفكري السلفي على اعتبار أن تشخيص واقع التطرف يشير إلى أن خلفيته الفكرية سلفية وليست حركية.
والمهم أيضا، هو أن يربح المغرب، وتتحسن صورته الحقوقية، ويطوي هذا الملف الذي يسيء إلى سمعته في التقارير الدولية، ويستغل لضرب مصالحه الحيوية.
“التجديد” المغربية