الرئيسية / المغرب الكبير / استقالة الجبالي مؤشر قوي عن عمق الخلافات داخل حركة “النهضة” في تونس
الجبالي والغنوشي

استقالة الجبالي مؤشر قوي عن عمق الخلافات داخل حركة “النهضة” في تونس

كشفت استقالة حمادي الجبالي الأمين العام السابق لحركة النهضة ورئيس الحكومة الأسبق عن عمق الخلافات بين جناح الصقور الذي يقوده رئيس الحركة راشد الغنوشي وجناح الحمائم الذي يقوده الجبالي وهي خلافات تصاعدت حدتها خلال الفترة الأخيرة وتؤشر الى أن حزب النهضة الذي كثيرا ما افتخر بتماسكه وانضباطه بات يخطو نحو التفكك احتجاجا على سطوة الغنوشي الذي يدير شؤون الحركة وكأنها “شركة عائلية” وفق تعبير عبد الفتاح مورو الرجل الثاني في النهضة.

وعلى الرغم من أن الاستقالة لم تفاجئ الأوساط السياسية والإعلامية باعتبار أن الجبالي ابتعد عن نشاط النهضة الانسحاب منذ أن رفض الغنوشي مبادرته بتشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها مختلف القوى السياسية الديمقراطية إثر الأزمة التي شهدتها البلاد غداة اغتيال المناضل اليساري شكر بلعيد في 6 فيفري 2013، فإن توقيتها في هذه المرحلة التي اهتزت فيها صورة النهضة سياسيا وشعبيا يؤكد أن الاستقالة بداية لتداعي تنظيم الحركة الإسلامية.

وكان الغنوشي رفض مبادرة الجبالي ورأى فيها “انقلابا” على ما يقول “شرعية حكم النهضة” وشحن كوادر الحركة وقواعدها لتخرج في مظاهرات احتجاجا على مبادرة الجبالي الأمر الذي دفعه إلى تقديم استقالته من رئاسة الحكومة في منتصف فبراير/شباط 2013.

وأعلن الجبالي في بيان نشره الخميس على صفحته الرسمية بالفيسبوك، انسحابه من حركة النهضة ليتفرّغ إلى مهمة اعتبرها “مركزية وهي الدفاع عن الحريات على طريق مواصلة الانتصار إلى القيم التي قامت من أجلها الثورة وعلى رأسها احترام وإنفاذ دستور تونس الجديدة”.

وأكد أن هذا الانسحاب يأتي تجنبا لكل خصومات و مشاحنات “تضعف صف المناضلين وتذهب بالود والعلاقات الطيبة مع إخوانه قيادة وصفا”.

ولاحظ الحبالي في بيانه أنه لا يريد “تحميل غيره مسؤولية مواقفه، و حتى لا يتحمل تبعات قرارات وخيارات تنظيمية ادارية وأخرى سياسية إستراتيجية لتموقع الحركة في المجتمع، حيث لم يعد يجد نفسه في هذه الخيارات”.

وألقت الاستقالة بظلالها على قيادات النهضة وكوادرها وقواعدها باعتبار أهمية الرجل ومكانته السياسية والتنظيمية حتى أن الحركة سارعت على لسان ناطقها الرسمي زياد العذاري إلى التأكيد بأنها “ستحاول ثني الجبالي عن قرار استقالته إيمانا منها بقدرته على تقديم الإضافة داخل النهضة وعلى المساهمة في إنجاح المسار الانتقالي الديمقراطي”.

وقال العذاري في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء “إن الحركة تلقت ببالغ الأسف بيان انسحاب الجبالي، باعتبار مكانته الخاصة داخلها وتاريخه النضالي وأدواره الهامة صلبها، سواء قبل الثورة أو بعدها”، مشيرا إلى أن النهضة “ستتحاور معه حول خلفيات هذا القرار في أقرب الآجال وستحاول إقناعه بالتراجع عن قراره”.

وأقر العذاري بوجود ما وصفه بـ “الاختلافات” داخل حركة النهضة، غير أنه اعتبر ذلك “أمرا طبيعيا ومطلوبا لإثراء المشهد السياسي والحزبي”.

ويبدو أن راشد الغنوشي لم يتحمل “صدمة” استقالة الجبالي الذي يعد أحد أبرز قيادات الحركة حيث تولى منصب رئاستها عام 1982 وقضى 15 عاما في السجون وشغل منصب رئاسة الحكومة إثر فوز النهضة في انتخابات 2011، فقد تحدثت مصادر مقربة من رئيس الحركة أنه يسعى لتطويق “تداعيات” الاستقالة على التنظيم الإخواني وسارع بالاتصال بالجبالي في محاولة لثنيه عن قراره لكن دون جدوى.

وتقول مصادر مقربة من حركة النهضة أن الجبالي إتخذ قرار استقالته احتجاجا على الطريقة التي يتعاطى بها الغنوشي مع المشهد السياسي العام بالبلاد والتي تتسم بالضبابية في المواقف وبالخطاب المزدوج الذي تبدو واجهته سياسية ليبرالية وخلفيته سلفية عقائدية ما زج بالحركة في حالة من الارتباك قادتها إلى الفشل في الحكم عامي 2012 و2013 ثم إلى انتكاسة في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 26 أكتوبر/تشرين الاول الماضي.

وتضيف المصادر أن “هناك خلافا سياسيا عميقا” بين الغنوشي الذي يرفض الانفتاح على الأحزاب الليبرالية والديمقراطية وبين الجبالي الذي نسج علاقات متينة مع مختلف القوى السياسية والمدنية بما فيها التيارات اليسارية وقاد جهودا مضنية من أجل “دمقرطة” النهضة لكن جهوده كانت تصطدم بـ”سطوة” الغنوشي المسنود من جناح متشدد يهيمن على مجلس الشورى.

ويهيمن جناح “الصقور” المرتبط بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين على مؤسسات النهضة وفي مقدمتها مجلس الشورى والمكتب السياسي ويخضع كلاهما إلى سلطة مطلقة يمارسها الغنوشي في ما يشبه سلطة المرشد الروحي حيث تعتبر مواقفه “أوامر مقدسة” غير قابلة للنقاش وإنما يقع تنفيذها عموديا بدء من القيادات وصولا إلى القواعد مرورا بالكوادر الوسطى الموالية لرئيس الحركة على أساس مبدأ البيعة.

وخلال السنوات الثلاث الماضية حاول الجبالي قيادة “جناح من الحمائم” في مسعى لترويض النهضة على الممارسة السياسية الديمقراطية والاعتراف بحق الاختلاف والتعايش مع القوى الوطنية والديمقراطية غير أن تلك الجهود لم ير فيها الغنوشي سوى نوعا من “خيانة” الحركة التي ترفض التفاوض أو التنازل عن خلفياتها العقائدية وهو ما أكده في أكثر من مناسبة.

ولا يخفي الغنوشي أن الجبالي الذي رسم لنفسه صورة رجل الدولة المترفع عن الانتماء الحزبي بات يهدد مشروع النهضة وأجندتها السياسية من خلال تمسكه بـ”الديمقراطية التشاركية” وهو مفهوم روج له الجبالي كثيرا ولقي تجاوبا في الأوساط السياسية والمدنية.

وكثيرا ما تذمر الجبالي حين كان رئيسا للحكومة من الضغوط التي كان يمارسها عليه راشد الغنوشي وهي ضغوط بلغت حد التدخل في جزئيات إدارة الملفات حتى أنه أعرب في أكثر من مرة عن “ضرورة الفصل بين تسيير دواليب الدولة وبين خطة النهضة ورؤيتها للحكم”.

ولما تأكد الغنوشي أن الجبالي يقود سياسات منفتحة على المشهد السياسي بمختلف مكوناته لم يتردد في تهميشه سياسيا وتنظيميا وعزله من منصب الأمانة العامة ليسندها إلى علي العريض أحد أبرز القيادات تشددا وأقربها إليه.

لذلك يؤكد مراقبون أن استقالة الجبالي تعني شق عصا الطاعة في وجه الغنوشي وتؤشر الى بداية انهيار بناء تنظيم النهضة وتفككه في ظل أزمة خانقة قادتها إلى عزلة سياسية وشعبية.

ويتوقع المراقبون أن تشهد النهضة خلال الأيام القادمة العديد من الانشقاقات بل ويرجحون وقوع انتفاضة حقيقية داخلها ستفجرها نتائج الانتخابات الرئاسية التي ستهزم حليفها منصف المرزوقي أمام منافسه الباجي قائد السبسي.