الرئيسية / وجهات نظر / بورقيبة مع مراعاة فارق التوقيت
5904efb920b46f92d82ad6e67c3d77eb

بورقيبة مع مراعاة فارق التوقيت

هناك أشخاص لا يغلقون الباب وراءهم حين يغادرون بعيدا إلى موتهم، والحبيب بورقيبة لا بد أن يكون واحدا من هؤلاء الذين يتحرشون بذاكرة لن تكف عن استدعائهم.
لقد حاول أن يشيد بيتا على ربوة عالية من التاريخ .. أنه طراز من الرجال الذين يحاولون مد طموحاتهم على قد أحلامهم.
كان الرجل يحسب دائما أن اليوم هو ماضي الغد .. حول أن يفصّل هذا الماضي على مقاسه في غفلة من حقيقة أن للتاريخ خيباته.
عاشت تونس منفية في بورقيبة لينتهي بورقيبة منفيا في هذا البلد الذي كان يتمنى أن يضع توقيعه على كل طوبة وكل شجرة وكل حقيبة مدرسة.
لم يكن من محبي ارتداء القبعات ولكن قبعة وحدة أسمها تونس يراها لا تنفع إلا لرأسه .. عمل دائما على أن يكون واحدها ليموت وحيدا داخلها.
أربعة عشر عاما على رحيل بورقيبة مناسبة انفتحت فيها شهية نبش القبور .
البعض كان يظهر عقدة الذنب والبعض كان يحمله جزء من الذنب وفي كل الأحوال تظل السياسة حاضرة بكل ملوثاتها
ذاكرة التونسيين تبدو ملتبسة تجاه الرجل الأكبر حتى عواطفهم نحوه لم تكن بيضاء ولا سوداء وحين سألت أحد الصحفيين الأصدقاء من تونس عن حب التونسيين له قال لي .
حتى التونسيون لا يعرفون على وجه الدقة هل يحبونه أو لا يحبونه ! .
الآن صار نصيب بورقيبة من التعاطف التونسي أكثر . ولعل ذلك ينسجم مع حكمته بأن الأشياء لا تأتي دفعة واحدة .. برجماتي لا يسأل ما العمل فالسؤال المجدي هو ما النتيجة.
حاول أن يكون مصطفى كمال أتاتورك وبعض من المهاتما غاندي لم يولد وبيده مكبر صوت ولم يكن حتى على حافة الكادر عندما كان عبدالعزيز الثعالبي تغطي صورته المشهد التونسي بطولا وعرضا .
وضع الفرنسيون الحديد في يد الشيخ الثعالبي بعد كتابه (تونس الشهيدة) الذي كان صحيفة إدانة لباريس .. كانت التهمة المنسوبة من النوع المضحك المبكي وهي الخروج عن تعاليم الإسلام بسبب كتابه (الروح الحرة للقرآن) ولكن المثير أكثر هو اصطفاف شيوخ الدين مع الفتوى الفرنسية ضد الشيخ المصلح !.
هل أخذ هذا الحادث حيزا في المكون الذهني لعقل بورقيبة ؟ المحامي المغمور الذي بدأ يظهر مع أحدث التجنيس وحملة صحيفة العمل التونسي المناصرة للحزب الدستوري حيث كان ضمن فريقها.
خطوة ..خطوة صار بورقيبة يكبر وأمام الشيخوخة المبكرة للحزب الدستوري في غياب الشيخ انشق بورقيبة وجماعته ليؤسسوا الدستوري الجديد وكانت القصة أكبر من فارق التوقيت بين جيل متحمس وجيل رزين . فلم تكن الرؤية مشتركة وكان الطموح مختلفا.
كان بورقيبة يضع قدما على زعامة الحزب وعينين على زعامة وطن حتى ولو بربع سيادة لم تنفع سياسة الطبطبة على الكتف التي استخدمها الثعالبي لإعادة التوحيد ونجحت سياسة الرصاص الطائش التي استخدمها جماعة بورقيبة لتأكيد الحزب الجديد.
وبدأت معركة الحاجز الثاني فالرجل الذي لم يقبل بأن يكون تحت عباءة الثعالبي ليس سهلا عليه أن يظل على خط واحد مع صالح بن يوسف وصار بورقيبة أكثر كفاءة على إدارة لعبة الركل خارج الحلبة.
قبل الزعيم بالاستقلال الداخلي ورفض بن يوسف هذه المخاتلة السياسية وراح المجاهد الأكبر يرسم خارطة أحد معاركه الكبرى والتي لم تنته عند مغادرة الرجل الثاني إلى دولة ثانية.
كان بورقيبة يحاول أن يبرر قبوله بالنسخة الفرنسية للاستقلال ضمن حالة من المقاومة الناعمة حتى ولو أنه لم يكن المهاتما غاندي ولم يفكر في دخول قصر بيكنغهام بملابس رثة.
ربما يتذكر بورقيبة أتاتورك في ليلة عشاء أخير ..لقد جمع الأخوة الأعداء على عشاء باذخ ولكن قبل أن يخرج النهار كانت أروحهم قد خرجت ليقول كلمته : الثورات العظيمة لابد أن تكون معمدة بالدماء.
انتهى بن يوسف برصاصات مسدس كاتم للصوت في مدينة فرانكفورت ولم تنته معارك الولاء أما معارك البناء فقد بدأت من بنزرت وكان الجلاء مناسبة مهمة لتقديم رسائل لا تقل أهمية عندما يحضر رجل بوزن عبدالناصر ورجل بوزن بن بلة .. وكان تلك رسالة داخلية بعلم الوصول.
ولكن تظل أفضل وسيلة للدفاع هي البناء .
أدرك بورقيبة أن أفضل الكنوز ليست الجيولوجية في الأرض بل المعرفية في الأدمغة وأخذ يقتطع من لحم تونس الحي ليتعلم التونسيين.
كما أدرك أن صناعة الرأسمال البشري في حاجة إلى بيئة اجتماعية وتنظيم اسري وأعاد قراءة للدين بعيون مقاصدية بما يمثله هذا الدين من قيم مطلقة للعدالة والمعرفة والخير واستطاع استثمار جامع الزيتونة لتكريس هذا الفهم وعمل على خلق مجتمع المواطنة فوق جثامين القبيلة والطائفة والمنطقة.
أكثر من ذلك أصدر بشجاعة عالية جريدة للأحوال الشخصية منحت مكاسب مهمة للمرأة لتكون تونس أول بلد عربي وربما الأخير الذي يمنع تعدد الزوجات.
في ضجيج معركة البناء كان بورقيبة يدير قبيلة القصر مثلما يدير الروائي أبطال روايته يشقى بهم ويخطط لهم أدوارهم ويمنح كل منهم حيز ما ، من برقيبة الابن إلى الباهي الأدغم الذي اختارت له الجامعة العربية دورا في أزمة أيلول الأسود فاختار له دائرة وقد سرد بورقيبة واقعة خلال حفل قال بأنه كلف الباهي بمهمة أيام المقاومة ولكنه خاف ونفذتها وسيلة بن عمار.. كانت الخيوط كلها بيده حتى صارت نشرة الأخبار في التلفزيون بريد عاجل لنقل قرارات الإعفاء والتكليف حتى لموظف بدرجة رئيس الحكومة.
وجد نفسه ذات زمن بين بومدين بغموضه والقذافي بعدم وضوحه حاول الهروب من الثاني بالذهاب إليه وإعلان معه وحدة لم تدم ساعات .
كان بورقيبة مثل لاعب شطرنج يفكر في كل الفرضيات ولكنه خانته الذاكرة بنقلة متسرعة.
هاتف أبومدين ليضعه في صورة ما حدث في جربة فرد عليه الأخير بأن الحدود بين الجزائر وتونس لم تترسم بعد.
دعاه إلى الانضمام للوحدة فقال قولته : الجزائر لا تركب القطار وهو يسير عانى بورقيبة من جار حائر وعانى أكثر من جار يسميه جائر أم المشرق العربي فكانت العلاقة باردة لولا الجامعة العربية ومنظمة التحرير ، و كثيرا ما كان يزدري دول الخليج حتى أنه أجب عن سؤال : ماذا بينكم وبين دول الخليج ؟ وقال : بيننا أربعة عشر قرن .
وعرف كيف يلعب على حبل التقاطعات بين واشنطن وباريس .. وعرف أين يتموضع بالضبط وكيف يدير هذه العلاقة الصعبة.
رجل لم يتعب من تونس التي كبرت معه أصيبت بكل أعراض الشيخوخة في أخر أيامه ..قال في لحظة تعالي : من حفنة من غبار .. من خليط قبائل خانعة صنعت شعبا وأمة .
غادره الجميع وظل صديقان فقط لا يفارقانه ذاكرته القوية التي يؤلمه توقدها وحضوره الذهني . لقد زاره بن علي وقال له بنبرة المتشفي أن أرملة صالح بن يوسف طالبت محاكمتك في قضية اغتيال زوجها ، فرد بهدوء.
ـ قمتم بتنحيتي بناء على تقرير طبي يفيد بأنني ولأسباب الشيخوخة لم أعد قادرا على ممارسة مهامي وهذا يرفع عني المسؤولية الجنائية.
سيظل باب الحبيب بورقيبة مشرعا أمام بعض الرياح المحملة بالأسئلة ولكن لا أحد يعيش بأثر رجعي فهؤلاء الرجال لن يكون محسوبين إلا على ركن ليس قصيا من الماضي.
“صدى البلد”