الرئيسية / وجهات نظر / المغرب: في القصر عين ساهرة!
db1fb30df1cf8f1b6925857bbc29c89b

المغرب: في القصر عين ساهرة!

لا بد لزائر المغرب هذه الأيام أن يلحظ كم أن الاستقرار والسكينة والتصالح مع النفس، قيمٌ أضحت على ندرتها في العالم العربي، أمراً لافتاً واستثنائيا بإمكان المغاربة أن يلوحوا بتجذرها في تربتهم وأن يفخروا بانتمائهم إلى نموذج بات حاجة في زمن لا يعرف إلا أنواء لا تنتهي.
على أن السكون في الحالة المغربية لا ينتج عن بلادة وتحفظ، بل عن حيوية عضوية تنسج في يوميات البلد خلطة عجيبة شبيهة بما يبدع فيه المطبخ المغربي من ثراء في العبق والمذاق. في ذلك أن مقاربة الشأن المغربي لا تقوم على مراقبة صحفية متعجلة، ولا يمكن أن تستند على رصد رتيب للأداء الرسمي والحزبي والاجتماعي، فأمر الاطلالة على شؤون البلد تتطلبُ دراية بتلك التوليفة التي ترسم علاقة البشر بالحجر، أي بالجغرافيا، وعلاقة كل ذلك بالزمن، أي بالتاريخ.
ينتمي المغاربةُ إلى الملكية قبل أن ينتمي المغرب إلى الملكية. والرابط بين الناس ومليكهم لا تشبه العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولا تعرف أصل الحكاية، أهي بدأت من القصور وامتدت إلى الوجدان الجمعي أم أن حراك المغاربة منذ غابر الزمان وتوقهم لوحدة حالهم هي من كتب رواية الدولة العلوية التي تنبسط حتى أيامنا هذه؟
في صلب تلك الحكاية صمد منطق الحكم وشكله في مواسم الجمهوريات وفصول العروبة قومية وتقليعات اليسار العالمي وعصر الحرب الباردة انتهاء برياح “الربيع” التي ألهبت المنطقة وما زالت تٓعدُ بلهيب.
الملكية في المغرب أصل ثابت لا فرع طارئ، وهي استمرار للشكل لكنها قد تبدو قطيعة مع كثير من المضامين. في ذلك تظهر رواية الملك محمد السادس الذي، في أدائه على رأس الدولة، تجرأ بشجاعة على ممارسة نقد لتجارب الأمس في المؤسسة الملكية نفسها، ليتيح شرعنه امتلاكه لقوة نقد تجارب الراهن.
أقفل ملك البلاد ملفات عتيقة متراكمة شكّلت خللا في علاقة الحكم بالرعية. اعترف بما ارتُكب في عهد السلف، وعمل على ترميم التصدعات في شفافية لا تنكر خطيئة ولا تواري ماضيا مهما كثر ضبابه.
يحتفل المغرب بعيد العرش هذه الايام. خمسة عشر عاماً أمضاها محمد السادس يعمل وفق مقاربة لا تمثّل بالضرورة تمددا لعهد الحسن الثاني. ليس في ذلك انتقاصاً من تجربة، بل تبدلا في الأسلوب والأدوات بما يتسق مع روح العصر وشروطه.
انهى السلف حقبة ووسع من هامش المشاركة السياسية ورسم من خلال حكومات التناوب مسار الحداثة في المغرب. من ذلك انطلق الخلف الملك محمد السادس يعزز نزوع بلاده نحو التطور والاصلاح وصولاً إلى ما يشبه “الانقلاب” الدستوري لنقل الأداء السياسي في الحكم والمعارضة إلى مستويات متقدمة.
يتعايش المغرب مع حكومة منتخبة، وفق ما أتاحته الاصلاحات الدستورية، برئاسة الاسلامي عبدالإله بنكيران. وإذا ما لفظت دول الإسلاميين خيار حكم وسلطة، فإن الوصفة المغربية هضمت بسهولة إدارة حزب العدالة والتنمية للتشكيلة الحكومية، ذلك أن تلك الوصفة نفسها هي ما يجعل مقاربة الاسلاميين في المغرب تشكل قطيعة مع تجارب اسلاموية راجت في المنطقة في السنوات الأخيرة. ويكمن سرّ تلك الوصفة في ما تمثّله الملكية في تاريخ المغرب، وما يمثّله شخص محمد السادس في راهن المغرب، بحيث أن للبلد مرجعية أولى تعود لها باقي المرجعيات.
يدرك ملك المغرب أهمية دوره ووظيفته للابحار ببلاده خارج موسم العواصف. يقود على رأس السلطة التمارين السياسية التي أملتها الاصلاحات الدستورية، والتي ما زالت الطبقة السياسية مرتبكة في استيعاب تداعياتها. بقيت فعاليات السياسة تتصرف وفق الشروط التي حكمت المغرب على مدى عدة قرون، فيما يقيم الملك دليلا تلو آخر على جدية ما اقترحه من اصلاحات وجدية توقه لاستقلال الحكومة المنتخبة وذاتية أدائها.
الحكم مشاركة. والمشاركة تعني إدارة المغاربة، ملكاً وحكومة وأحزباً وشعباً، لشؤون بلادهم. وفق تلك المشاركة في وظيفة الحكم يُسائل الملك نظام الحكم ويسأل أسئلة المواطن العادي: إذا كانت التقارير الدولية تقر بثروة المغرب “فأين تلك الثروة؟”
في السؤال إقرار ضمني بخلل. وفي السؤال توجيه واضح بتصحيح الخلل. وفي السؤال غمز واضح من قناة نظام إداري سياسي اقتصادي مسلكي. يضع محمد السادس نفسه في موقعه الطبيعي وسط شعبه، متوسلاً سبلاً خلاقة تدفع وتيرة الخروج من الأزمات. وسؤال الملك لا ينمّ عن استعلام بما هو مجهول، بل يعكس دراية كاملة بمكمن العلّة، ويحفّز من ارتضاهم الشعب وكلاء له على الخروج بالنهايات الناجعة.
يتحدث محمد السادس في خطابه بتلك المناسبة عن انجازات ملموسة حقيقة لا نقاش في نجاعتها. في كلامه تذكيرٌ للمغاربة بقدرتهم على الفعل في زمن رد الفعل. يذكرهم بأن القوة في أيديهم والثروة بين أيديهم. وأن “إقامة الجهوية المتقدمة بمختلف مناطق المملكة، وفي مقدمتها الأقاليم الجنوبية” وسيلة العصر بما تتيحه “من تدبير ديمقراطي من قبل سكان المنطقة لشؤونهم المحلية في إطار المغرب الموحد للجهات”. فالعصر عصر اللامركزية وقد ولت عهود القرار الصادر من مركز ومركزية وسلطة تعلو على الجميع.
يرصد الملك محمد السادس، بعد عقد ونصف العقد من الحكم، مسيرة بلاده من ضمن حركة الإقليم وحراك العالم. نجح دون نقاش في انتشال بلاده من براثن عدوى القلاقل العربية التي لاح تسربها إلى الداخل. بدا هذه الأيام فخوراً بنموذج الوسطية الذي يمثله الاسلام وفق ما يمارسه المغرب فكرةً وتجربة، وبدا متمسكاً بتوقه لبناء ذلك المغرب العربي الكبير سبيلاً أكيداً لازدهار بلاده من خلال ازدها ما يحيطها.
يعاتب ملك المغرب الجزائر بالاسم الصريح. فمأساة اقفال الحدود هي وضع “غريب” للجزائر، كما للمغرب، كما لدول المنطقة. والعتب ثابت ينطلق من ثابتة لا تحيد: الصحراء مغربية جزء من تراب الوطن وحول ذلك اجماع شعبي مجتمعي لا نقاش فيه. حول ذلك الثابت، تدور الدبلوماسية المغربية مُعزِزةً تحالفا مع دول العالم على تضادها من الولايات المتحدة مروراً بأوروبا وروسيا انتهاء بالصين. وحول ذلك الثابت، يسقط من خطاب الملك ذكر دولة كفرنسا، حيث لا يسقط ذلك سهوا، بل تعبيراً، ربما، عن غضب المغاربة من سلوك فرنسي ملتبس إزاء شريك تاريخي كالمغرب. وحول ذلك الثابت وثوابت أخرى، يواجه المغرب، كل يوم، ووفق وصفات مغربية، تحديات هذا العصر التي تربك العالم برمته.
لا بد لزائر المغرب هذه الأيام أن يلحظ مدى ثقة المغاربة براهنهم وغدهم، فيما يتوجس الجيران مما تحمله الأيام لهم، وسيلحظ حين اهتزت العاصمة الرباط لصوت المدافع تنطلق احتفالاً بعيد جلوس مليكهم، كم تحمل هذه المدافع سكينة وطمأنينة مردها لا شك، أن في القصر عين ساهرة.
*صحافي وكاتب سياسي    
” ميدل ايست أونلاين”